ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 31 )
الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ـ تموز 1984
في تموز 1984 عقدت اللجنة المركزية، بحضور الرفيق عزيز محمد الذي كان قد عاد الى كردستان ، اجتماعها الاعتيادي في اجواء وضع فكري متردي ومعقد وفي ظل حالات انهيار لدى العديد من الانصار. وقد خيمت ظاهرة تشجيع الهجرة وصعوبة العمل العسكري في قاطعي اربيل والسليمانية بسبب ملاحقة مسلحي اوك بعد احداث بشت ئاشان الدامية. وقد وجد البعض في ذلك الوضع مناسبة للتعبير عن ارائهم بالضد من اسلوب الكفاح المسلح.
لقد شّكل عام 1984 بداية لبروز الاراء المخالفة لسياسة الحزب بشكل علني، ليفسح المجال لاحقا لولادة مؤشرات حياة داخلية في الحزب ما زالت تواصل ترسخها وتعمقها لتتحول الى ممارسات صحية وسليمة ومتميزة. لقد طرح بعض الرفاق اراءهم الحقيقية في ذلك الاجتماع بصراحة وجرأة قلما شهدناها سابقا.
وكان موقف باقر ابراهيم في عدم حضور ذلك الاجتماع متصلبا للغاية رغم محاولات عديدة لتسهيل سفره الى مكان الاجتماع . وكنت مقتنعا بوجود اسباب اخرى لا صلة لها بأدعاء المرض. وفي الاجتماع تليت رسالة باقر إبراهيم التي اعلن فيها رأيه الصريح بمعارضة سياسة الحزب في الكفاح المسلح وعدم استعداده لمواصلة العمل في الموقع القيادي من خلال رفضه الترشيح للمكتب السياسي.
في ظل هذه الاجواء، اجتمعت اللجنة المركزية بكامل اعضائها في لولان وبحثت العديد من القضايا المهمة. فقد اثار الرفيق عامر عبد الله رأيه الصريح حول الكفاح المسلح واقترح تحويل مقرات الانصار الى محطات للاستراحة للرفاق الذين يتوجهون للداخل من اجل التنظيم وان لايقوم الانصار بأية أنشطة عسكرية، أي التخلي فعليا عن الكفاح المسلح ولكن بشكل مؤدب وان لايقوم الانصار باي نشاط عسكري عدا الدفاع عن النفس. كنت مع الرفاق مهدي عبد الكريم (ابو كسرى ) وابو يوسف جالسين سوية في زاوية من زوايا القاعة نصغي لرأي الرفيق عامر حين وصفنا بالصقور لمواقفنا المتشددة لانتهاج اسلوب الكفاح المسلح والتمسك به.
كذلك اعلن عدنان عباس، بعد الانتهاء من رسالة باقر، عن رفضه للكفاح المسلح ولم يؤيده في طروحاته سوى ماجد عبد الرضا.
وفي ذلك الاجتماع تم دراسة موضوع المرشحين لعضوية اللجنة المركزية منذ المؤتمر الوطني الثالث في 1976 . ووافقت اللجنة المركزية على تثبيت عضوية كل من الرفاق سليمان حاجي ( ابو سيروان ) و فخري كريم ( ابو نبيل ) و حميد مجيد موسى ( ابو داود ) بعد مضي 8 سنوات على ترشيحهم .
اما موضوع بهاء الدين نوري، فقد طرح بغيابه، ولا اعرف مبررا لذلك. فمن المفروض ووفق بنود النظام الداخلي حضوره للمحاسبة. واثيرت ضده النقاط التالية :
• اتفاقية ( ديوانه ) بين قيادة قاطع السليمانية وقيادة اوك من اجل التعاون وعدم الاعتداء ، بعد جريمة بشت ئاشان.
• قيامه بنشر تقييم لسياسة الحزب بشكل شخصي وتوزيعه على الرفاق .
• قيامه بشراء اجهزة الطباعة ومستلزماتها، ونشره بيانات ضد الحزب وسياسته وخلق التكتلات تمهيدا للانشقاق.
وقد وافق الاجتماع ، وبالاجماع على طرد بهاء الدين نوري. وقد ابلغ بالقرار ، اذ كان موجودا في مقر ( دراو )، الا انه تمكن بمساعدة م.س الحزب الاشتراكي الكردستاني من مغادرة المقر ووصل الى السليمانية واعلن انشقاقه عن الحزب، واصدر جريدة القاعدة لسان حال حزبه الذي كان يفتقر اساسا للاعضاء. اذ لم يلتحق ببهاء الدين نوري سوى عدد قليل جدا ومن اقاربه فقط.
وفي هذا الاجتماع ايضا قررت اللجنة المركزية عقد المؤتمر الوطني الرابع في العام المقبل 1985، ثم تليت رسالة من قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي بمنح الرفيق عزيز محمد وسام لينين لبلوغه الستين .
مفرزة عباس في شرك الامن
كان مسلحو اوك يسيطرون بشكل كامل على سهل اربيل ويلاحقون مفارز الانصار والپيشمرگه بالتعاون مع قوات الجيش واجهزة السلطة الاخرى. ورغم ذلك تمكنت مفارزنا من البقاء في سهل اربيل و خوشناوتي. وحدثت عدة صدامات بين انصارنا ومسلحي اوك ، استشهد خلالها عدد من رفاقنا الابطال. في تلك الفترة وفي ظل تلك الاوضاع، قررت قيادة قاطع اربيل ارسال مفرزة عباس الى اربيل لدخولها والبقاء فيها.
لم يكن المدعو مامند اسماعيل ( ممو )، [ وهو زوج شقيقة الرفيق كانبي محمد صالح العسكري المعروف بين انصارنا ] شخصا مجهولا لدى رفاق محلية اربيل. فقد سبق وان كان مرشحا في المحلية وطرد عام 1977 لوجود علاقة له مع اجهزة الامن.
في عام 1979 اتصل مامند اسماعيل بنا في مقر ناوزنك طالبا الالتحاق بانصارنا. ورفض المكتب العسكري في حينها طلبه ، لكن بعض اعضاء محلية اربيل ايدوا التحاقه ( احمد عوينه وملا نفطه ). وحسمت لجنة هندرين الموضوع برفض قبوله. بعدها التحق ممو بالحزب الاشتراكي الكردستاني ، وهناك ايضا ثارت حوله الشكوك ، فاعتقل لفترة واطلق سراحه.
وصل ممو الى مقر قاطع اربيل والتقى الرفيق ابو حكمت، وطلب قبوله صديقا للحزب وابدى استعداده للعمل ضمن مفارزنا في منطقة خوشناوتي. فوافق الرفيق ابو حكمت على طلبه.
انقطعت اخبار مفرزة عباس تماما ، وبدأ القلق يسيطر على الرفاق في قيادة القاطع. واخيرا وصلت اخبار من الرفاق في تنظيم الداخل مفادها الاتي :
تمكن ( ممو ) من جمع بعض المعلومات التي تشير الى وجود مفرزة عباس داخل اربيل. وبطرقه الخاصة استطاع الاتصال بعباس الذي طلب منه اخراجهم من مدينة اربيل ، فابدى استعداده لذلك.
ابلغ ممو مديرية الامن بهذه الغنيمة التي لا تقدر بثمن. فطلبوا منه التريث وعدم الاستعجال بتسليمهم لاعطاء الفرصة لمزيد من الاصدقاء للالتحاق بالمفرزة. وفعلا اصبح عدد اعضاء المفرزة 32 رفيقا وصديقا. قام ممو بتهيئة البيوت وتوفير كل المستلزمات لهم وفق توجيهات اجهزة الامن. وكان يقوم بنقلهم داخل اربيل لتبديل محلات اختفائهم مستخدما سيارات التاكسي لغرض التموية.
وبالحاح من عباس بضرورة الاستعجال في نقلهم الى خارج المدينة لكونهم تأخروا عن موعد عودتهم الى المقر، قرر ممو اخيرا تنفيذ جريمته وفق الخطة المرسومة له. فقد هيأ لهم سيارة وباشر بنقلهم على وجبات الى بيت ادّعى انه لصديق له، ويقع في اطراف اربيل لتسهيل خروجهم بعد ذلك.
وهناك عدة روايات. فمن قائل بأنه قام بنقلهم الى احد البيوت وعندما شعر عباس بأنهم وقعوا في قبضة عناصر الامن تصدى لهم واستشهد اثناء المقاومة. وهناك رواية أخرى تشير الى أن ممو قدم لهم مشروبات ( بيبسي كولا ) كانت مجهزة لتخديرهم ومن ثم نقلوا الى مديرية الامن. ولكن ومهما اختلفت الروايات، فقد تمكن ممو في نهاية المطاف من السيطرة على المفرزة وتسليمها لقمة سائغة لامن اربيل.
وبعد سلسلة من صنوف التعذيب نفذ حكم الاعدام ب 12 رفيقا، وسجن عدد اخر منهم.
وهكذا وبكل بساطة تمت تصفية مجموعة من اشجع انصارنا بغفلة من قيادة قاطع اربيل وبتساهلها.
وللحقيقة والتاريخ فإن الكثير والكثير من الاحداث المؤسفة التي ادت الى المآسي كانت بسبب التعامل من منطلق حسن النية وبسبب الاهمال في اتخاذ الاحتياطات الضرورية.
في اجتماع اللجنة المركزية عام 1985 عشية انعقاد المؤتمر الوطني الرابع اثير موضوع مفرزة عباس. وتبين بأن الرفيق ابو حكمت وافق على قبول طلب ممو بالعمل كصديق ضمن مفارزنا ، بشكل شخصي دون الرجوع الى الرفاق اعضاء مكتب القاطع.
وكانت تلك الجريمة البشعة بما تركته من خسارة في الارواح، درسا قاسيا جديدا يتحمل مسؤوليته الاساسية ابو حكمت.
وبعد ان درس الموضوع صدر القرار التقليدي (( عفا الله عما سلف )) !!!!
قضية سواري ـ حزيران 1983
تقع قرية سواري في منطقة برواري ژيري ( السفلى ) على السفح الجنوبي لجبل گارا. وكان لحزبنا فيها نفوذ متميز بين اهالي القرية وخاصة عائلة الرفيق محمد سواري عضو محلية نينوى. ولم يرق هذا النفوذ للعناصر الرجعية والجحوش ( كان يمثلهم نوري حسين ) والمؤيدين لهم. فكانوا يحاولون بأستمرار اثارة المشاكل والاعتداءات ضد مناصري حزبنا.
وقد توجوا اعتداءاتهم بأغتيال الرفيق النصير جاسم احمد صالح سواري قرب قرية آفوكي المهجرة ، وهي قرية تقع على الطريق بين سواري ومقر الفوج الاول في مراني.
وعلى الفور بادر مكتب الفوج بالتحقيق في جريمة الاغتيال. فتم اعتقال 6 اشخاص ممن حامت حولهم الشبهات وهم من سكنة سواري لغرض التحقيق معهم.
وتم تشكيل هيئة تحقيقية ، دون اشعار قيادة القاطع بذلك [ فقد ترافق ذلك مع انشغالنا في القاطع بالانسحاب نحو العمق العراقي اثر الاجتياح التركي في ايار 1983. كما صادف ايضا عدم وجود الرفاق اعضاء مكتب القاطع ، حيث كان الرفيق نزار ناجي يوسف قد غادر ضمن قوات النجدة الى سوران بعد معارك بشت ئاشان. و كان الرفيق كاظم حبيب مستمرا في اثارة موضوع نقله من القاطع، وبعد رفض م.س الموافقة على طلبه، ترك القاطع دون موافقتنا يوم 19 /6/ 1983 يرافقه عدد من الانصار وسافر الى لولان حيث تم تنسيبه من قبل م.س مسؤولا عن الاعلام المركزي بدلا من محاسبته ].
وبوصول الرفيق لازار ميخو ( ابو نصير ) امر الفوج الاول الى مقر الفوج الثالث حيث كنا نتواجد حينها، علمنا منه بكل التفاصيل. ولكن بعد عدة ساعات من وصوله ، وصل احد الانصار قادما من الفوج الاول يحمل رسالة تخبرنا بأن احد الموقوفين قد توفي بعد شعوره بألم في معدته، وقام الرفيق الطبيب بفحصة فلم يتوصل لسبب مقنع للوفاة. وفي اليوم الثالث تكررت نفس الحالة ليتوفى موقوف اخر .
ارسلنا الرفيق ابو نصير فورا الى مقر الفوج الاول، وطلبنا منه ارسال بقية الموقوفين الى مقرنا الجديد في ژيوه. وتقرر تشكيل هيئة تحقيق جديدة في القاطع لمعرفة اسباب وفاة الموقوفين والمسببين في حالة وجودهم. و لكن التحقيق لم يثبت مسؤولية اي من الرفاق، كما وتبين ايضا عدم وجود اية اثار للتعذيب. الا ان الهيئة التحقيقية رأت ان شخصاً ما قد دس السم في طعام الموقوفين ، اما لغرض الانتقام ( ربما كان من اقارب الشهيد ) او من المندسين لإفتعال مشكلة والايقاع بيننا وبين اهالي سواري والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تبنى القضية لكون المعتقلين من منتسبي حدك. وقد اعلمونا بذلك بعد مضي اكثر من شهرين على الحادث !!! اضافة لما كان يطرح بإستمرار من ان حدك يمثل كل الشعب الكردي !!
اتخذنا اجراءات ضد هيئة التحقيق الاولى التي شكلت في الفوج لاهمالها حماية الموقوفين ومنع اي كان من الوصول اليهم. فقد تم ابعاد ثلاث رفاق من الانصار. وتفادياً لتعقيد المشكلة، تمت تلبية طلب الفرع الاول بتسليم الموقوفين الاربعة الاخرين اليهم.
بقيت هذه القضية في مقدمة قائمة الخلافات التي تتطلب الحل مع حدك. واستمر طرحها للدراسة فترة غير قصيرة. اذ كلما كنا نقترب من الحل المقبول ، كان حدك يطالب بتأجيلها الى موعد اخر ليضاف اليها مطلب جديد على قائمة المطاليب.
وفي اجتماع بين مكتب القاطع وقيادة الفرع الاول خصص لحل المشكلة قدم حدك ثلاثة شروط قبلناها وهي :
1. تسليم جثث المتوفيين الى ذويهما .
2. اعادة اسلحتهما .
3.تعويض عائلتي المتوفيين .
وكنا بالفعل قد نفذنا الشرطين الاوليين. ولذلك طلبنا في الاجتماع تحديد مبلغ التعويض ، الا انهم ومن جديد قرروا تأجيل الموضوع الى اجتماع اخر.
واهملت المشكلة دون ان تثار حتى عام 1986 ، حيث طلبت قيادة الفرع الاول على ضوء رسالة من قيادة حدك ، عقد اجتماع مع مكتب القاطع لتسوية القضية نهائيا. وفي حينها قدموا شروطهم الجديدة :
1. تحديد مبلغ التعويض بعشرين الف دينار .
2. نقل الرفيق ابو نصير من منطقة بهدينان لكونه كان مسؤولا عن الحادث حسب ادعائهم . وكرروا عدة مرات من انهم غير مسؤولين اذا حدث له شيئا ، في محاولة واضحة للتهديد.
وافقنا على الشرط الاول، ورفضنا الشرط الثاني رفضا قاطعا بإعتباره يشكل تدخلا مباشرا في شؤوننا الحزبية ، ولا يمكن قبوله.
استمر حدك وبإلحاح في اثارة الموضوع والاصرار على نقل الرفيق ابو نصير من بهدينان دون المطالبة بالتعويض النقدي لذوي المتوفيين !!!
وبقيت المشكلة معلقة حتى قرار م.س بسحب الرفيق ابو نصير الى منطقة بيربينان ومنها الى ايران للعلاج عام 1988.
يتبع¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |