ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الأحد 12/4/ 2009



حكايا الطريق

زيدان خلف محسن

الالتحاق
بعد أحداث "بشت آشان" في عام 1983 , تلك المجزرة الوحشية التي ارتكبتها زمر من الاتحاد الوطني الكردستاني بحق كوكبة رائعة من رفيقات ورفاق أنصار حزبنا الشيوعي العراقي , والتي راح ضحيتها العشرات من الرفاق الرائعين , كنت قد رجعت من مقر " لولان " في منطقة برزان,هذا المقر الذي أصبح مقر الحزب الرئيسي إلى حد ما , جالباً معي مفرزة لرفاق أجبرني المرحوم عبد الوهاب طاهر "أبو رجاء" بقرار حزبي !!! على توصيلهم إلى قاطع بهدنان. بعد أن تحركت قوتنا، سرايا الفوج الثالث /قاطع بهدنان، أو كما أطلق عليها بعض الرفاق "قوات التدخل السريع، إلى الحدود الإيرانية في بشت آشان الثانية وبالتالي تعذر علي الالتحاق بهم . كانت مفرزة لنحو عشرة من الرفاق المرضى صدر قرار بسفرهم إلى سوريا. أتذكر من بينهم أبو عبود وأبو نادر وبختيار وآخرين. مفرزة "مرضى" قطعوا المسافة بين لولان وقاطع بهدنان بوقت قياسي، وكانوا من الهمة والنشاط للحد الذي تعذر اللحاق بهم، خصوصا الرفيقين الاثنين المسلحين الذين طلبتهما لمرافقتي: أبو محمد رومانيا وأبو احمد التركماني الأصهب الذي كان ينضح عرقا وهو يلهث قائلا " يلعن ...... هو أني المريض لو هم !!!!!". أوصلتهم إلى مقر الفوج الثالث الذي كان أشبه بمحطة سفر يعج برفيقات ورفاق ينتظرون قطار السفر إلى سوريا. ارتحت ليوم واحد فقط حين طلب مني الرفيق أبو سربست آمر الفوج الثالث،أن أرافقه إلى مقر القاطع في "زيوة" لغرض التسليم، فقد كان هو الآخر قد صدر قرار سفره إلى الضفة الأخرى من دجلة. كان يرافقنا الرفيق الخباز عباس بهديني ,الذي تمازحت معه كثيراً حينها وأخبرته إن الرفيقة سلوى توده كثيرا وتفكر به جديا ( كان الرفيق عباس مغرماً بها جدا ويتمنى الزواج منها ). يوم واحد وليلة في مقر القاطع وانتهت مراسيم الاستلام والتسليم بشكل سريع ومريح. في طريقنا عائدين إلى مقر الفوج التقينا على الشارع الترابي المبلط بعدد من رفاق مفرزة الطريق بقيادة الشهيد أبو هديل الذي كان مرحا وفرحاً كعادته ( اعرفه منذ العام 1977 حيث كان يأتي إلى زيارة أقاربه جارنا أبو رائد في منطقة الحبيبية في بغداد) بادرني بالسؤال عن بعد قبل أن نحضن بعضنا:
_ ها، بعدك مامتت ؟!!
_ لا لاتخاف علي، أنت تموت قبلي !!! (كأن القدر والحدس تقمص حس الدعابة).
_ انتظرني بالفوج لتروح مكان أخر، بهمس ونحن نقبل بعضنا، محتاجك بشغلة.(كان يحب السريات كثيراً).

وصلنا إلى مقر الفوج الثالث ,في المساء وكان الوقت صيفاً, جلسنا,الرفيق أبو زيدون والرفيق الشهيد أبو كفاح وأنا في زاوية بعيدة نتسامر ونستمع لبعض الموسيقى. أخبرتهم لغرض المزاح فقط عن ما دار بيني وبين الرفيق عباس بهديني وعن هيامه بالرفيقة سلوى , حين لمعت الفكرة في رأس الشهيد أبو كفاح , وهو أن نكتب رسالة على لسان الرفيقة سلوى موجهة إلى النصير البطل عباس بهديني تبثه فيها لواعجها وتخبره إنها حسمت أمرها وستعود إلى الفوج قريبا لتقترن به . أحضرنا الورق والقلم وبدأنا بكتابة خطاب الحب , الذي كتبته بخط يدي اليسرى حتى لا يتم التعرف عليه , وجادت قريحة الرفيق أبو زيدون في مقدمة غرامية تلين قلب الحجر , واقترح الشهيد أبو كفاح أن نضمنها أغنية نجاة الصغيرة "حتى فساتيني التي أهملتها , فرحت به ,رقصت على قدميه ....." تلك الأغنية التي كان الرفيق عباس بهديني يعشقها ويرددها , بل زاد الشهيد أبو كفاح على ذلك بأن نختم الرسالة بالأغنية الشهيرة والتي تليق بالمناسبة " بدنا نجوز علعيد , وبدنا نفصل ثوب جديد, بدنا وبدنا ....."
لففنا الرسالة بشريط شفاف وجعلناها صغيرة كقطعة جكليت . دعكتها بالأرض لكي تظهر وكأنها مرسلة من بعيد ومن يد ليد, بانتظار من سيوصلها.


أبو العز و أبو خلود عند قلعة أربيل بعد 25 عام بالضبط على لقاء"كلي هصبة"

بعد أيام وصل إلى "كلي هصبة" هو ورفاق الطريق يرافقهم أبو العز المتمرد والمطرود من "جنة " القاطع بسبب من عدم انضباطه، بعد أن طردت أنا منها قبل أشهر بسبب حواء وبقرار من الرب الأعلى وبتنفيذ من آمر سرية مكتب القوة الرفيق أبو تحسين، بأسلوبه المهذب واللبق كعادته!!! عرفنا من الرفيق أبو العز انه يحمل بريدا إلى مقر الفوج , رجوناه أن يرتاح معنا وألححنا عليه أن ينزع (عليجته) وأن يشرب من ماء العين الباردة , وافق أبو العز ووجدنا الفرصة في أن ندس رسالة الحب مع البريد القادم من القاطع وإنها ستصل إلى الرفيق عباس بشكل رسمي.
انتحى بي أبو هديل جانبا مبلغا إياي قرار القاطع بالانظمام إلى مفرزة الطريق. كان فرحي كبيراً حينها وكانت أسباب الفرح هذا عديدة. أولها إن الانتماء إلى مفرزة الطريق كان حلما يراود الكثير من الأنصار بسبب من مكانتها ومهامها وحب المغامرة والصعاب, وثانيها الخروج من رتابة المقر وواجباته التي لم تكن قريبة إلى نفسي, وثالثها الخلاص من بعض من الرفاق الذين لم اختر علاقاتي بهم بل كانت مفروضة موضوعياً، بحكم التواجد في المقر والرفقة المشتركة. تلك العلاقات التي كنت أحس وسطها باغتراب روحي, بل أوصلني البعض منها إلى حد الكفر بها. ورابع تلك الأسباب هو إمكانية التواجد في المدينة، حيث المدنية والقراءة والنساء والأناقة والخمر والأفلام والنوم بلا حراسات ولا" قابوريات" أسابيع قبل العبور ثانية .وربما خامسا وسابعا وعاشرا........... ولكل أسبابه للفرح، وربما لكل أسبابه للكدر.

لم يكن وصول مفرزة الطريق لمقر الفوج الثالث والتحاقي بها مدعاة لفرحي أنا فقط، بل كان الفرح والارتياح قد عم الكثير من ضيوف الفوج، لأنه وببساطة كان يعني وصول قطار السفر بعد انتظار، فقد انتعش المزاج وعلت الأصوات والحركة خصوصا في الليل، حيث النار والسمر والشاي وحيث تطغي رائحة الحليب المشترى من قرية "ميسكة" والمخبأ بطرق وأماكن سرية كانت قد دوخت قيادة الفوج الثالث بحثاً عنها.كان نصيبي من هذا قد وصلني عن طريق عباس بهديني , الذي كان فرحاً تلك الليلة بالرسالة التي قلبت كيانه .

تحركت المفرزة ومعها نحو الثلاثين من الرفيقات والرفاق العزل لا يحملون معهم سوى حقائب صغيرة احتوت على ما خف حمله وغلت وعزت قيمته، وبعض من زاد للطريق. أناسا بثياب مهلهلة وقسم منها مرقعة بعد أن أبدلوها مع من بقي في المقرات. أناسا بعضهم كان مريضاً جسديا، وبعضهم الآخر ممن تركت التجربة وقساوتها أثرا على أرواحهم، إضافة إلى آخرين كانوا قد ابتعثوا لدورات وزمالات دراسية، يعودون بعدها وقد اكتسبوا معارف وخبرات ترفد الحركة الأنصارية. مجموعة كبيرة تتوحد وتختلف بهمومها وهواجسها وأحلامها, أسلمت أمرها ومنحت ثقتها لبعض من الفتية لم يتجاوز سلاحهم أكثر من ست بنادق كلاشنكوف وأدلاء ثلاثة على الجانب التركي.

استغرق الطريق قرابة اليومين في الأراضي العراقية وصولا للحدود وثلاثة أو أربعة أيام أخرى في الأراضي التركية، ومن حسن حظنا كان الوقت صيفاً، وكان النوم ممكناً حتى في العراء. كان عدونا الجوع، واكتفينا بالقليل من الزاد حتى نتجنب المرور بالقرى النائمة، ولكن آه من الغول الذي لايرحم .... العطش ثم العطش . هذا الغول الذي يدفعك للرجوع إلى الغريزة الأولى في حيوانية الكائن البشري وتجليها في أناه وأنانيته، ,في استسلامه واسترخاصه للحياة، في حبه وصراعه من اجل البقاء حين يفقد السيطرة على الأعصاب، وينقلب إما إلى وحش كاسر لا يهتم بالآخرين أو إلى كائن ضعيف يستسلم ويطلب منك تركه على قارعة الطريق أو يستعطفك أن تقدم له رصاصة الرحمة. يتوارى الترف الإنساني، ويقبل بالقليل القليل من متع الحياة، وحين تتضاءل الخيارات وتصبح المواجهة إما الموت عطشاً، وإما الموت قرفاً، يتشبث النسغ الصاعد وتتعطل كل الحواس. حينها تهديه غريزته للخيار الثاني وينكفئ على وجهه يعب الماء الآسن المغطى بطحالب العفن وخضار الضفادع ورائحة الوحوش.

ساعات ونقترب من المرتجى, ينشط الإدلاء ورفاق الطريق في استثارة الهمم ورفع المعنويات، ترتفع دعابة أبو العز وجدية أبو هديل حين نقترب من دجلة. تنفخ الإطارات الداخلية "الاجواب" كأنها أطواق النجاة، ترمي الأجساد التعبة أنفسها في اللجة، يتصاعد الخدر وتتصاعد الرغبة واللذة الشفيفة حين تصل أمواج دجلة العابثة إلى مابين الأفخاذ صعودا للسرة، وتشهق الأنفاس حين يلامس الماء الصدور، ويملأ القمصان بين النحر وبين المؤجل.

حين تطأ الأقدام غرين الجهة الأخرى من دجلة فجرا,، حيث الأرض الأمان، ترتمي الأجساد على رمل الطريق، تمتلي العيون دمعاً وهي ترنوا للجهة الأخرى حيث انقضى بعض من سنين العمر، وبعض من الفرح وبعض من الانكسارات. هذا ما كان شعور العابرين إلى سوريا . أما شعورنا نحن أعضاء مفرزة الطريق ,وهذا ماعرفته لاحقاً, فأنه شعور من ينزل في محطة قطار لفترة ثم يواصل السفر, حيث سنعبر دجلة مرات ومرات .

 


 

free web counter