ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(14)


محمد علي الشبيبي

في سجن نقرة السلمان

يوميا وبعد الفطور يجلب زملاؤنا المسؤولون عن الاتصال بالادارة ماوصل الى السجن من بريد، والزميل جمعة اللامي هو المسؤول عن احضار البريد. خبرة العاملين في هذا المجال وطول فترة مزاولتهم لهذا العمل، تمكنهم من معرفة البريد لكل قاعة حتى وان لم يكتب على الظرف رقم القاعة. حيث ترسل كل قاعة زميلا كساعي بريد لها، ويلتقي سعاة البريد في قاعة واحدة وتوزع عليهم الرسائل والرزم الخاصة بقاعاتهم ليقوم كل واحد منهم بدوره على توزيعها لزملائه في القاعة. الجميع يتلهف لوصول الرسائل فهي واسطتنا الوحيدة لسماع اخبار الاهل والاحباب والاصدقاء. ومن تصله رسالة يفتحها بلهفة لقراءتها، وربما يشارك جاره او صديقه في قراءة بعض فقراتها او يقرؤها بصوت مسموع اذا لم تحوي بين سطورها خصوصيات عائلية. بعض الرسائل تحمل في طياتها اخبارا سارة ونكات واخبارا عامة عن الجيران والاصدقاء، وبعضها الاخر يحمل مالايسر من اخبار فرضته الظروف القاسية على كاتبها. ويبقى الزملاء من لم يستلم بريدا يلفه الحزن والكابة لحين من الوقت، وخاصة هؤلاء الذين بعثوا مايكفي من الرسائل على امل ان يستلموا جوابا، وهم متشوقون وعطاشى لسماع ماحل بعوائلهم من ضيم وقهر. محاربة السجين بقطع المراسلات عنه، اي جعله في عزلة عن عالمه الخاص من زوجة وابناء ووالدين واشقاء، تهدف منه السلطات الاستبدادية الحط من معنوياته وكسر ارادته.

كنت استغل ليالي صيف النقرة بمراسلاتي للوالد والأهل، فصفاء الجو وجمال السماء والهدوء الذي يسود بعد نهار حار وعاصف بالاتربة والرمال، يثير في النفس الشهية في الكتابة بعيدا عن توتر الاعصاب والإكتآب وانت ممدد على فراشك وبجانبك الفانوس النفطي حيث تتراقص في داخله شعلة النار متجاوبة مع انسام ليل الصيف الصحراوي. اكتب رسائلي للوالد كمعلم وصديق وزميل ، حيث كنت تلميذه في الصف الرابع والخامس والسادس ألابتدائي، فأكتب له عن مطالعاتي واخبار الأصدقاء واهم الاحداث في سجن النقرة، وعن معارفي الجدد من اصدقاء. وكانت رسائله لي دائما توجيهية، ينتقدني ويناقشني فيها على ما اكتبه او اقرأه ، وينبهني الى بعض الاخطاء في كتابتي ويشجعني على المطالعة والاستفادة من وجودي في السجن. وكان طيب الله ثراه متمكنا من اللغة العربية وقواعدها وهذا مايشهد به جميع طلبته وزملائه من المعلمين، وعندما كانت تجري احيانا مباريات في الخطابة بين المدارس كانت المدرسة التي يشرف فيها والدي على كلمة الخطابة واسلوب الإلقاء هي الفائزة الاوُلى. رسائل ألوالد لي، حتى بعد ان تغربت أثناء دراستي في بولونيا او عملي في ألجزائر بين اعوام (79/84) وعودتي مرة أخرى للدراسة في بولونيا اواخر عام 1984، كانت الوسيلة الوحيدة من عائلتي، للتواصل بيننا واخباري بما يجري في الوطن في ظل حكم نظام البعث الصدامي فيكتب لي باسلوب ادبي ومبطن لاينتبه اليه الرقيب. ومن سجنه في الحلة يكتب لي أخبار ألبيت ومايجري من أحداث في سجن ألحلة، ويرفق رسائله بإرشادات ونصائح لي. وكان معجبا بفلسفة يلخصها ببيت من الشعر ينصحني به دائما :
                   كن وردةً طيبها حتى لسارقها                    لادمنةً خبثها حتى لساقيها

لا تخلو رسائله لي وانا في سجن النقرة من النكات والقصص الطريفة، وكتب لي مرة عن حادثة طريفة وصدفة غريبة حدثت له وكان بصحبة ألشهيد ألشيخ عبد ألجبار ألأعظمي طيب الله ثراه (1). يقول فيها: كنت قبل يومين برفقة الشيخ في ساحة سجن الحلة الجديد نشرب الشاي ونتابع في نفس الوقت لعبة كرة الطائرة التي يمارسها اللاعبون عصر كل يوم، واذا بكبسة قوية من أحدهم لم يتمكن اللاعبون من صدها، فأكون أنا ضحية هذه الكبسة ويطير كأس ألشاي من يدي. واليوم كنت والمهندس شاطي عودة عصرا نشرب الشاي ونراقب كالعادة لعبة كرة الطائرة، فحدثت شاطي بما جرى لي بالأمس وطلبت منه ان نبتعد قليلا لأشرب الشاي بهدوء بعيدا عن منغصات كرة الطائرة الطائشة، وقبل ان اكمل ماحدث لي بالأمس وإذا بكبسة من لاعب تطيّر كأس ألشاي من يدي!!


مجموعة من قاووش 3 بالقرب من قاووشهم يشاهدون لعبة كرة القدم بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب
عام 1965، الواقفون من اليسار بيمان سعيد،مهدي، محمد الشبيبي، والجالس من اليسار غانم الخياط

عندما كنت في سجن الحلة كان جميع السجناء يتذمرون من ضغوط إدارة السجن وتعاملها معنا، حتى عوائلنا تعاني من ألتأخير وألانتظار الطويل تحت أشعة الشمس صيفا او تحت ألأمطار شتاءً ومن التفتيش المهين للنساء اثناء الزيارات الشهرية ، حتى ألأطعمة لم تنجو من خباثات المفتشين والمشرفين عليهم من ضباط، فكانوا يعبثون بالرز والمرق ويخربون حتى الكبة والدولمة والمحشي والكيك بحجة البحث في داخلها عن رسائل. وكان المسطر (مصطلح نطلقه على عملية تعداد السجناء) يجري بتجمعنا في ساحة السجن، وكما أذكر كان يجري في اليوم مرتين، صباحا وقبل انتهاء الدوام الرسمي. والمسطر يتطلب الأنتظام في طوابير من 10 اشخاص على ما اتذكر، ونجلس القرفصاء في ساحة السجن لفترة تتجاوز النصف ساعة تحت اشعة الشمس المحرقة صيفا، او شتاءاً تحت زخات المطر وفي البرد القارص. وكان بعض الحاقدين واللؤماء من الضباط (مأموري السجن) والمشرفين على تعداد السجناء يتقصدون تأخيرنا ونحن جالسين القرفصاء لأنتظار نهاية التعداد ، ويتحججون بعدم تطابق اعدادنا مع العدد الرسمي، وهكذا نبقى جالسين في ظل ظروف قاسية تسبب للكثيرين وخاصة كبار السن آلاما في السيقان والمفاصل والظهر وصداعا وغثيانا. والمسطر مهمة تحتاج للدقة والتأكد من العدد الكلي للسجناء ومطابقته للعدد الرسمي المسجل لدى الادارة. وتكمن صعوبته من اضطرار بعض السجناء لمغادرة اقسامهم، كأن توجد مجموعة من السجناء في المطبخ لتهيأة وجبات الطعام، واخرون في فرن الصمون، وقسم في الحمامات او المرافق الصحية او مشرفين على تسخين الحمامات، وهناك بعض المرضى الغير قادرين على مغادرة فراشهم، وهكذا يقوم المشرفون على المسطر بجمع كل هذه الاعداد ومقارنتها مع العدد الرسمي فإن تطابقت ينتهي المسطر وان اختلفت يعاد التعداد مجددا ونحن على نفس الوضعية من الجلوس، وقد تتكرر اعادة العد اكثر من اربعة مرات احيانا. كان ممثلينا في سجن الحلة يطرحون كل هذه المشاكل اما ألأدارة لحلها وتجنيب ماتتعرض له عوائلنا من اهانات وطول انتظار اثناء الزيارات، واقترحنا عليهم إجراء المسطر ونحن في غرفنا وعلى افرشتنا تجنبا لحرارة الشمس والبرد والامطار. ولكن ألأدارة كانت دائما ترفض هذه الطلبات. وقد ساءت معاملة العوائل بعد وصول مأمور سجن موصلي ألأصل، ويدعي تمسكه بالفكر العروبي والأسلامي ويقتدي برئيسه عبد السلام عارف، وكان هذا المأمور يتحين الفرص في كل مناسبة ليمارس خبثه وسوء اخلاقه معنا ومع العوائل فينطبق عليه المثل القائل (عصارة لؤم في قرارة خبث). واشتكت عوائلنا منه كثيرا وخاصة النساء، وكان يتدخل حتى في تفتيشهن بالرغم من وجود نساء من ادارة السجن مهمتهن التفتيش. ولم يعد السجناء يتحملون س المأمور العروبي المؤمن. وامام لا أبالية إدارة السجن مما يحدث من معاملة سيئة واستفزازية من قبل هذا المأمور قرر السجناء ان يقوموا بتأديبه بأنفسهم. هذا ماكتبه والدي في رسالته لي وانا في سجن النقرة من دون ان يكتب عن اسباب ودوافع السجناء لعلمي ومعرفتي بها من خلال وجودي في سجن الحلة، لكنه حدثني بتفاصيل الحادث بعد خروجنا من السجن في ايلول 1965. قرر السجناء ان يكون يوم تنفيذ الخطة اثناء الزيارة الشهرية وامام عوائلنا ، مستغلين الازدحام وتواجد جميع السجناء من كل الاقسام اضافة لوجود جميع العوائل من نساء ورجال واطفال وبذلك يكون من الصعب على إدارة السجن معرفة تفاصيل ماحدث ومن المسؤول عنه. تطوع بعض السجناء للقيام بعملية التأديب (2)، وكان أحد هؤلاء الملازم المدفعي فاضل عباس وللأسف لاتسعفني الذاكرة ببقية الأسماء. كان السجين الملازم المدفعي فاضل رياضيا، ذو جسم ممتلئ طويل القامة، ويتمتع بقوة وعنفوان الشباب. بدأت الزيارة وخرج السجناء لرواق السجن لمقابلة عوائلهم، وكان المأمور كعادته الإستفزازية يتجول في الرواق بين السجناء وعوائلهم بنظراته الوقحة للنساء وبطريقة استعراضية وإستعلائية وخبيثة، وهو لايعرف ماذا خطط له السجناء الشجعان وماذا ينتظره. حدد فاضل وزملائه المكان الذي يجب ان تتم فيه عملية التأديب، واختاروا المكان الذي تواجدت فيه بعض العوائل والنساء الشجاعات ليساعدن في عملية التغطية والتشويش والأحاطة بهم لمنع تدخل الحرس وابعادهم عن الحادث وعدم فسح المجال للحرس او اي شخص غريب لايثق به. كان المأمور يسير دائما برفقة الحرس، نجح السجناء بإستدراج الحرس وابعاده عن المأمور، وعند اقتراب المأمور من المنطقة المحددة للتأديب قابله فاضل بجسمه الضخم الرياضي وضربه بكتفه ضربة قوية جعلته يترنح ويقع ارضا، ثم امسك به من ربطة عنقه يطلب منه الأعتذار لأن كتفه (كتف فاضل) تأذى من الأصطدام! كان المأمور غير مصدق لما يحدث ومازال على عنجهيته ورد بخشونة على فاضل، فانهالت عليه بدون رحمة الراشديات والبوكسات والرفس بالاحذية من فاضل وزملائه! كانت صرخاته واستنجاداته تضيع بين هلاهل النساء وضحكاتهن وشماتتهن وتشجيعهن لفاضل وزملائه على تأديب المأمور ألتافه. لا بل ان النساء والاطفال وحتى الرجال من الزائرين احاطت بفاضل وزملائه، وعملوا حاجزا من الصعب، على الحرس، الوصول اليهم ومعرفة مايدور في وسط الحلقة، وهكذا اشبع المأمور ضربا بالاحذية، وساهمت بعض النساء بضربه بالاحذية والبصاق على وجهه، وسألنه بإحتقار اين هي شجاعتك التي تتضاهر بها امامنا اثناء التفتيش، وكان يتوسل بالكف عن ضربه واعدا اياهم بأن لا يعود الى الاستفزاز والاساءة. جاء الحرس لكنهم وجدوا صعوبة لأختراق تجمع الزائرين من النساء والرجال والاطفال، وكانت هلاهل النساء وصيحات الرجال المشجعة طاغية على صوت المأمور الجرذ ولم يتمكن الحرس معرفة مايدور ومن هو المستغيث. بعد ان ادى الملازم فاضل وزملائه المهمة بأحسن وجه واصبح المأمور منهكا بحيث لم يعد قادرا على الوقوف وتشخيص المحيطين به لما سببته اللكمات على وجهه وعينيه من ورم وكان الدم يسيل من فمه وانفه وتهرأت ملابسه، بعد هذا الحال المزري للمأمور الجبان، تركوه متسللين بين الجموع ليختفوا بين السجناء والزوار ويؤدوا واجب اللقاء مع عوائلهم، وبقي المدير محاطا بالنساء والاطفال يكيلون له السباب والتأنيب لسوء اخلاقه ويذكرونه بأن هذا هو جزاء كل متغطرس جبان وارعن. اخيرا تفاجأ الحرس بأن المستغيث كان مأمورهم، وهو ممدد على الارض لايقوى على النهوض. أثارت عملية التأديب ادارة السجن، ووصلت اخبارها الى مديرية السجون ووزارة الداخلية. ارسلت وزارة الداخلية وفدا للتحقيق بما جرى ومعاقبة السجناء. اُستدعي ممثلنا شاطي عودة طيب الله ثراه مع بعض الزملاء في المنظمة للتحقيق معهم لمعرفة القائمين بالاعتداء والكشف عن اسماؤهم. كان موقف ممثلنا والمنظمة وكل السجناء موقفا موحدا وواضحا، الإصرار بإنكار معرفتهم للأشخاص الذين قاموا بعملية التأديب، ومستنكرين تصرفات المأمور اللاأخلاقية اتجاه النساء اثناء الزيارات، وتصرفاته الأستفزازية للسجناء امام عوائلهم واثناء المسطر او خلال جولاته الغير ضرورية الى اقسام السجن والتي كان يقوم بها لغرض التحرش بالسجناء واستفزازهم. ولم تتمكن لجنة التحقيق من معرفة اسماء من قام بعملية التأديب، وخاصة ان الطيب الذكر شاطي عودة وضح للجنة التحقيق، وبالتفاصيل والأمثلة، ان تصرفات واخلاق المأمور السيئة جدا، والمتنافية مع اخلاقنا الاسلامية والعربية، خلقت له اعداء كثيرين بين السجناء والعوائل. وعادت اللجنة الى بغداد ولم تتمكن من معرفة القائمين بالاعتداء، لا بل اضطرت ادارة السجن بمديرها الموافقة على مطالب السجناء. وكانت أهم هذه المطالب، ابعاد المأمور من الاحتكاك اثناء الزيارات الشهرية بالزائرين وخاصة النساء ، ومنع المأمور من دخول الاقسام وخاصة اقسام السجناء السياسيين، وان يتم المسطر (التعداد) في القاعات والسجناء جالسين او ممددين في افرشتهم وبدون المأمور. كانت هذه اهم الانجازات التي كسبها سجناء سجن الحلة بعد عملية التأديب.


صورة لبعض الشغيلة من سجناء نقرة السلمان متجمعين قرب احدى الورش بجانب
قاووش رقم 6 لينقلوا بعض المواد بإحدى العربات التي صنعوها لتساعدهم في الاعمال والنقل

في احد ألأيام استلمت رسالة من البيت وعلى ظرفها توصية كتبها ألرقيب العسكري في مركز بريد كربلاء يطلب فيها من إدارة سجن ألنقرة إيصال ألرسالة لي! وقد اثارت هذه التوصية استغرابي مما زادتني فضولا وتشوقا لفتحها ومعرفة ماتحمله من اخبار من الاهل، بعد انقطاع طويل، ودوافع توصية الرقيب. بعد ان فتحت الرسالة وكانت بخط شقيقتي تخبرني فيها أن الرقيب ألعسكري في كربلاء أتصل بالبيت وسلمهم رسالة وصلت مني وفيها تذمر من ألرقابة وإدارة السجن لعدم أهتمامهم برسائل السجناء وعوائلهم واهمالها او انهم يتلفونها اما بسبب جهلهم او لكسلهم وعدم رغبتهم في ممارسة رقابتهم للأطلاع على رسائلنا بسبب كثرتها. كانت رسالتي هذه بعد انقطاع طويل وفيها نقد وهجوم شديد وقاسي على الرقابة والسلطة، وكانت لاتخلُ من القذف على السلطة وقادتها السياسيين واتهامهم بممارسة الضغوط علينا وسلب ابسط حقوقنا الأنسانية وهي التواصل مع عوائلنا عبر الرسائل. وقد وقعت هذه الرسالة، وهي تحمل بين سطورها شكواي وتذمري من انقطاع رسائل عائلتي لفترة طويلة بيد ألرقيب ألعسكري في كربلاء الذي اطلع عليها وأتصل بعائلتي موضحا لها موقفه، واعتذر للاهل عن كل تقصير واكد لهم انه مهتم بإيصال رسائل العوائل الى ابنائها في السجن وان اي انقطاع للرسائل سببه جهة اخرى غيره!. تكتب شقيقتي في رسالتها ان الرقيب اقسم بشرفه انه لم يحجب اية رسالة وعدم وصول الرسائل قد يكون سببه جهة اخرى غيره، ولكي يثبت لوالدتي صدقه طلب منها ان تكتب رسالة وتسلمها له مباشرة ليهتم هو بإيصالها، فكانت هذه الرسالة مع توصيته ووصلتني فعلا. حين كتبت الرسالة كنت منفعلا بسبب الضغوط النفسية التي اعيشها مع عائلتي وابعادي عن والدي واصبح كل واحد منا في سجن، وعدم امكانية عائلتي لزيارتي في سجن النقرة إلا بموافقة خاصة من الحاكم العسكري في بغداد، وزاد الطين بلة انقطاع الرسائل لفترة طويلة بالرغم من كثرة مراسلاتي لوالدي ولعائلتي. لذلك عندما كتبت رسالتي كنت منفعلا ولم اكن متهيبا من وقوعها بيد الرقيب، حتى وان كان الرقيب سيئا وحقودا، ففي اسوء الحالات سيتم التحقيق معي وتوجيه اتهام لي بالتهجم على السلطة والمسؤولين واحالتي للمجلس العرفي بتهمة جديدة، وهذا ماكنت اطمح له! فاحالتي للتحقيق وللمجلس يعني نقلي الى بغداد لعدة ايام وبذلك ستسنح لي الظروف بمقابلة عائلتي والتنقل بين المواقف والوصول الى بغداد، وسماع اخر الاخبار عما يجري في الوطن من المعتقلين الجدد في المواقف (المعتقلات)، والتمتع بمشاهدة ابناء شعبنا وشوارع مدننا الحبيبة وعاصمتنا التي احببناها بعد حرماني والزج بي في السجن ، وربما تتم اعادتي الى سجن الحلة لألتقي بوالدي واكون معه مجددا، ولايهمني بعد هذه المتعة ماسيصدره المجلس العرفي من حكم جديد واضافي. ولكن الرسالة وقعت بيد رقيب عسكري يتعاطف مع قضايانا ويتفهم معاناة السجناء. قررت ان اكتب رسالة لطيفة عنونتها للرقيب العسكري في كربلاء شاكرا اياه موقفه النبيل والشجاع. بعد ذلك استمرت رسائل ألأهل تصل بإنتظام مع توصية على ظرفها من الرقيب، أما رسائل والدي كانت غير منتظمة، وسبب ذلك لايعود للوالد وإنما لإدارة سجن الحلة والرقيب هناك كما أعتقد.

بعد خروجي من السجن صادفني شاب بملابس عسكرية في صالون حلاقة لصديقي الراحل صادق الحلاق طيب الله ثراه وبارك لي خروجي من السجن بالعبارة التي سمعتها لأول مرة عندما اطلق سراحي من سجن الكوت وهي (يفداك من راعك)، وطلب ان يكلمني على انفراد خارج الصالون، في وقت كان بعض المعارف (والاصدقاء) يتهرب ، حذرا او خوفا، من التحدث معي بكل اسف. خرجت معه من الصالون وقدم لي نفسه، انه الرقيب العسكري (للأسف لم اعد اتذكر اسمه) الذي اتصل بعائلتي واعتذر لهم وكتب ملاحظته على ظرف رسالة شقيقتي. شكرته لموقفه النبيل والشجاع، لكنه رد علي بأن ماقام به يمليه عليه واجبه وشعوره الوطني اتجاه قضايا الشعب وابدى رغبته باستمرار العلاقة معي ملمحا لي بطريقة حذرة برغبته على الأرتباط بالحزب وطلب مني مساعدته في ذلك!. فاجأني بطلبه هذا ولم اكن متهيأ لمثل هذا الطلب بسبب عدم مضي وقت طويل على اطلاق سراحي، 3 – 4 اسابيع ومازلت لم ارتب حياتي بعد، كما اني مازلت مقطوع الصلة بالحزب، واوعدته بالتواصل. وبعد استقراري وعودتي للتنظيم الحزبي (في بغداد) لم اتمكن من الاتصال به وانقطعت اخباره، وبعد متابعتي لأخباره من الأصدقاء علمت للأسف انه معتقل بتهمة الشيوعية!، ولم التقي به من بعد مطلقا فالف تحية وشكر لهذا الجندي الشجاع والشهم وليعذرني لعدم تذكري أسمه.

يـتـبـع


(1) – الشيخ عبد الجبار الأعظمي رجل دين وصاحب مجلة الثقافة الاسلامية وامام وخطيب جامع الوزير ببغداد وواعظ لواء (محافظة) بغداد العام. له مؤلفات في الدين والأدب واشهرها تفسير للقرآن الكريم بما يلائم روح العصرفي كتاب ضم ثلاثين جزءا. وله ايضا مؤلف عن( الاسلام والحرية) منع تداوله في الاسواق، و(تحت راية القرآن) مؤلف آخر صدر عام 1961 وحَرَمتْ مديرية الاستخبارات العسكرية تداوله بين صفوف الجيش، وهو احد اعضاء مجلس السلم الوطني في العراق. حكم عليه المجلس العرفي الاول في زمن سلطة البعث في ايلول عام 1963 بالحبس عشر سنوات مع الاشغال الشاقة. ( المعلومات مؤرشفة من كتاب شهداء الحزب شهداء الوطن صفحة 298 والكتاب من اصدار الحزب الشيوعي العراقي، وفي الكتاب نص محاكمة الشيخ الشهيد) استشهد الشيخ في عملية اجرامية مخططة من قبل المجرم صدام حسين في محاولة لأغتيال القائد الكردي مصطفى البرزاني، وذلك بخداع مجموعة من رجال الدين البارزين والشيخ من بينهم وارسالهم بحجة التفاوض مع البرزاني من اجل الحل السلمي للمشكلة الكردية بينما خطط صدام ومخابراته في التضحية بكل هؤلاء الرجال من اجل اغتيال البرزاني. وقد فشلت العملية وسلم القائد الكردي وراح ضحية المخطط القذر كل اعضاء الوفد طيب الله ثراهم.
(2) – ادعو جميع الزملاء الذين عاشوا تلك الفترة في سجن الحلة ان يكتبوا تفاصيل الحادثة هذه ليطلع شعبنا والعالم على نضالات هذه القوى الديمقراطية الخيرة ومعاناتها، في الوقت الذي غاب عن الساحة المدعين بالاسلام والعروبة، لا بل كنا نسجن ونعذب وتضطهد عوائلنا وتهتك اعراض العشرات من النساء بأسم الأسلام والعروبة، وإدعى بعض قادة السلطة استحصال الفتاوي لتبرير عمليات القتل ضد الحزب الشيوعي واصدقائه.
 

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

السبت 12/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة