ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 9 )
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

المحاكمة

تخرج اخي كفاح قبل انقلاب شباط بسنة من كلية التربية قسم الكيمياء بدرجة امتياز، ولتفوقه حصل على منحة دراسية للولايات المتحدة الامريكية. وفضل تأجيل منحته لمدة سنة ليجري مراسيم اجراءات عقد زواجه ومن ثم الزواج، بينما كان رأي الولد ان لا يفوت مثل هذه الفرصة الثمينة ويؤجل مشروع زواجه. وبعد اطلاق سراحه معنا ابلغ بكتاب رسمي بإلغاء منحته لأسباب سياسية! ولم يتمكن من العودة للتدريس وبقي قرار سحب اليد ساري المفعول بحقه وحق الوالد، حتى تم فصلهما من الخدمة بعد تقديمنا للمحكمة في المجلس العرفي الاول. لم تكن منحة أخي كفاح المنحة الوحيدة التي تم الغاؤها في العراق، فقد الغيت من قبل الانقلابيين مئات المنح والزملات والبعثات والتي كان يتمتع بها الطلبة من حملة الفكر الوطني الديمقراطي المعارض لنظام انقلاب شباط الدموي، وذلك لممارسة الضغط على الطلبة ومساومتهم على المهادنة. وقدمت حينها الدول الاشتراكية السابقة مساعداتها للطلبة الذين حرموا من امكانية اكمال دراساتهم بسبب الغاء منحهم الحكومية، وتم استيعاب الجميع موزعين على ألدول الاشتراكية.

الظروف الصعبة التي عاشتها العائلة من أعتقال وسحب يد والدي واخي كفاح سبب لنا ضائقة مالية كبيرة سببت لنا مصاعب في تدبير معيشتنا اليومية ومتطلبات الحياة، اضافة لما عانيناه من اعتقال وتخفي اخي همام وحرصنا على عدم انكشاف سره كل تلك الظروف تركت اثارها السلبية في تلك السنة على إستعدادي لإنجاز امتحاناتي النهائية للصف الخامس العلمي، والحقيقة انني اقترفت خطأ ولم احاول ألأستفادة من الوقت بعد الافراج عني في حزيران والتحضير للامتحانات في الدور الثاني، متخوفا من ضيق الوقت المتبقي للإمتحانات (فقط 2,5 شهر) أوفشلي في امكانية حصولي على معدل جيد، يساعدني على القبول في الجامعة حسب طموحي، بسبب انقطاعي عن الدراسة طول فترة الأعتقال. لذلك قررت ان اعيد السنة الدراسية وبدأت العام الدراسي 1963/1964 في الصف الخامس العلمي مع طلبة الدورة التي تلي دورتي.

بعد اقل من شهرين من انقلاب عبد السلام عارف على شركائه من بعثيين في جرائم شباط الدموي تم تبليغنا بموعد محاكمتنا امام المجلس العرفي الاول في 21/01/1964. كان كل الوطنيين الشرفاء من ابناء الشعب ينتظر ان يقوم الانقلابيون الجدد برئاسة عبد السلام عارف باطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين زج بهم نظام شباط الدموي في السجون، والغاء جميع القضايا بحقهم، وتقديم القتلة الذين مارسوا التعذيب والاعتداء على النساء والاطفال الى المحاكم وليس محاكمة الضحايا، على ألأقل لتبرير نواياهم ودوافعهم التي اعلنوها عن انقلابهم بأنهم جاءوا لينقذوا الشعب من الممارسات الاجرامية للحرس القومي وقياداته البعثية. لكن الانقلابيون الجدد واصلوا اضطهادهم للوطنين الشرفاء من شيوعيين وديمقراطيين واستمرت السجون تستقبل الاف منهم وصدرت عشرات الاحكام بالاعدام وتم تنفيذ الكثير منها. ولم تتورع حكومة عبد السلام وشقيقه عبد الرحمن من بعده من اصدار الاحكام القاسية حتى بحق النساء من المناضلات الشيوعيات، متجاوزين بذلك على ادعاءاتهم المنافقة بالعروبة والاسلام والقيم والاعراف السائدة، وإلا كيف يسمحون لمحاكمات صورية غير عادلة بأصدار حكمها على عشرات المناضلات واخص بالذكر المناضلة نرجس الصفار، بعد ان قتلوا ابنها الشهيد فاضل تحت التعذيب وامام اعينها، وعذبوا امامها حتى الموت زوجها الشهيد الخالد جمال الحيدري، وعذبوها حتى سببوا لها إعاقة جسدية منعتها حتى من الوقوف امام المحكمة، وهذا ما أشارت اليه في جلسة المحاكمة عندما سألها رئيس المحكمة ماهو رأيك (بثورة 8 شباط)!! فأجابت رئيس المحكمة بشجاعة: ان رأي هو رأي كل امرأة عانت من الانقلابيين وفقدت زوجها وابنها بالتعذيب اضافة لتعذيبي حتى اعاقتي في ظل حكومة انقلاب شباط!! واصدر رئيس المجلس حكما عليها بسبع سنوات رأفتا بحالها، فأين هو الاسلام والعروبة التي يتبجحون بها من هذه الممارسات!!

كانت المجالس العرفية، الأول والثاني، سيئة الصيت منذ تأسيسها، فقد ساهمت هذه المجالس في زج الاف الوطنيين في السجون بمحاكمات صورية مشابهة لمحاكمات النعساني ايام العهد الملكي وحتى اسوء منها. وتحضرني قصة فلاح كان معتقل معي في كربلاء ايام حكم الشهيد عبد الكريم قاسم. وكما اذكر كان اسمه عبيد، حكم على عبيد بالسجن 3 سنوات بجريمة قتل زوجته الحامل وامها وإصابة رجل بجروح غسلا للعار. حيث وجد زوجته بالسرير مع ألرجل وكانت الأم تقوم بدور الحارس لها. واثناء وجوده في الموقف تعرف على المعتقلين الشيوعيين وارتبط بهم بعلاقات ودية وكن لهم الاحترام واعجب بطروحاتهم وأخلاقهم وبساطة حياتهم، وتعلم على ايديهم القراءة والكتابة وساعدوه في ايجاد محامية ذات توجهات تقدمية للدفاع عنه مجانا. ودائما يتذكر محاميته بإعجاب كيف وقفت امام المحكمة، وهي ألمرأة، تدافع عنه وتلقي كلمة الدفاع مرتجلة، وكان الحاكم يصغي لها. ويقول لقد علمتني كلاما اوجهه للحاكم لم يتمكن من الرد عليه، حيث سألت الحاكم: من اجل من تعمل يوميا؟ فأجاب: من اجل عائلتي! فقلت له: لو رجعت ووجدت زوجتك مع رجل غريب في سرير النوم ماذا تفعل؟ فسكت ولم يجب. وفي سجن الكوت بعد اصدار الحكم عليه رفض ان يسكن مع السجناء الجنائيين وفضل العيش مع السجناء الشيوعيين ومشاركتهم حياتهم ومعاناتهم، حتى انه شاركهم في احد اضراباتهم عن الطعام. ويحدثنا عبيد بفخر كيف ان ادارة سجن الكوت ارسلت عليه لتساومه وتخيره بين تنفيذ اطلاق سراحه بعد انتهاء محكوميته التي اقتربت وبين تقديمه للمحاكمة بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي. وبعد رفضه المساومة زج به مقيدا بالسلاسل في الأنفرادي وهو مازال مضربا عن الطعام حتى توجب عليه احيانا ان يتبول في مكانه وهو مقيد بالسلاسل. ويتحدث بفخر وحب عن إعتزاز الشيوعين به وانهم دافعوا عنه حتى أجبروا ادارة السجن على إعادته ليعيش بينهم مجددا. وبعد انتهاء محكوميته بسبب قرارات الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم في منح السجناء مراحم في تخفيض احكامهم كلما حل عيد وطني اوديني، قررت ادارة السجن احالته الى أمن كربلاء بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي ومشاركته نشاطات الشيوعيين في سجن الكوت بما فيه اضرابهم. وبقي الفلاح عبيد محجوزا في موقف كربلاء ينتظر موعد احالته للمجلس العرفي. وقد سمعت بعد ان اطلق سراحي ان المجلس العرفي برئاسة شمس الدين عبد الله حكم عليه بعشرة سنوات، لأنتمائه للحزب الشيوعي!.

قررنا السفر ثلاثتنا الى بغداد صباح يوم 20/01/1964 أي قبل يوم من موعد المحاكمة، كان ذلك الصباح باردا وكئيبا لأننا متوجهين الى المجهول تاركين عائلة من سبع بنات وام اتعبتها مشاكل الحياة وحُربت العائلة بمصادر عيشها وذلك بحرمان رب البيت من ممارسة عمله الذي خدم فيه بأخلاص 27 عاما، لا لتقصير او خطأ في انجاز عمله الأنساني في التعليم وانما لمواقفه الوطنية الغير مهادنة.

لم تكتف الوالدة طيب الله ثراها وشقيقاتي بتوديعنا داخل البيت صباح يوم 20 كانون الثاني، بل خرجن الى باب البيت يحملن القران ألكريم وابريق مملوء بالماء. وأصرت ألوالدة ألا نسافر قبل ان نعبر فوق الماء الذي سكبته على الارض ونمر من تحت ألقرآن الذي رفعته فوق رؤسنا وهي تتلو بعض الآدعية والايات الكريمة، مؤكدة ان ذلك سيبرؤنا من اصدار أي حكم بحقنا من قبل ألمجلس ألعرفي ألاول ألسئ ألصيت والذي كان يرأسه أذا لم تخني الذاكرة أحمد محمد نافع ألعاني.

كانت الوالدة طيب الله ثراها قلقة من محاكمات المجالس العرفية لما عرفته وسمعته عنها من ظلم وتجاوزات قانونية وحقد على الوطنيين وخاصة الشيوعيين واصدقائهم، وهي تتذكر دائما كيف ان شمس الدين عبد الله اصدر حكمه علي بالسجن ستة اشهر رغم اني لم اتجاوز من العمر 17 عاما. كان لابد من الاستجابة لرغبة الوالدة التي عانت كثيرا بسبب اعتقالنا بعد انقلاب 8 شباط الفاشي، وهكذا تماشيا مع مشاعرها وقناعاتها، عَبَرنا فوق الارض المسكوبة بالماء الطاهر وهي تتلو آيات من القران ألكريم مصحوبة بادعية، راجية من الله ان يعيننا ويدفع عنا شر وحقد رئيس المجلس العرفي الاول. كنت احدق في وجه امي وشقيقاتي، كانت الدموع تنزل بحياء وقد ارتسمت على وجوههن علامات هي خليط من ألدهشة والحيرة والغضب يطغي عليها الخوف من نتيجة المحكمة، كأنهن يتسائلن لماذا كل هذا الحقد، وما ألجرم ألذي ارتكبناه!!؟

كنا شبه مطمأنين ان قرار المحكمة سيكون الافراج عنا، خاصة اننا أوكلنا نفس المحامي الذي أوكلته المجموعة التي سبقتنا وافرج عنهم جميعا قبل شهر. عندما افرج عن المجموعة التي سبقتنا، اشيع في حينها ان المحامي واسمه جمال بابان الذي توكل دعوتهم وأستلم مقدما عن كل متهم 100 دينار ، تقاسم المبالغ مناصفة مع رئيس ألمحكمة أحمد محمد نافع ألعاني ومع الادعاء ألعام راغب فخري مقابل ألبراءة والافراج عن المجموعة. لم يكن سهلا على والدي ان يتدبر اجورالمحامي أو قل رشوة المحكمة عن طريق سمسارها المحامي جمال بابان، فقد كنا نعاني من مصاعب مالية وكانت العائلة بالكاد توفر الحد ألأدنى لمتطلبات حياتنا المعاشية بسبب سحب يد والدي وشقيقي كفاح منذ الانقلاب الفاشي. وبعد توسط أحد الاصدقاء وهو ألمحامي عبد الرضا البارودي لدى المحامي جمال بابان، وافق على ان ندفع فقط 100 دينار عن ثلاثتنا، ولا أتذكر كيف تمكن والدي من تدبير المبلغ في الوقت الذي كنا نعاني فيه من صعوبة تدبير معيشتنا، لأن كل مايستلمه والدي من راتب شهري بعد سحب يده لا يتجاوز الأربعون دينار.

صباح يوم 21 كانون الثاني كان جميع المتهمين المحالين متجمعين في باب المحكمة في معسكر الوشاش مع قسم من عوائلهم وكان القلق مسيطر على الجميع وخاصة على العوائل. كانت قضيتنا تشمل 48 متهما من كربلاء، سبق وان اعتقلوا بعد إنقلاب شباط، كنا طلابا، عمالا، مدرسين وفلاحين، وكنت اصغر المحالين من كربلاء على الاطلاق، وكانت بيننا إمرأة واحدة اسمها نجاة او نجية ام الدجاج، وهي إمرأة بسيطة لاتتعاطى السياسة مطلقا، امية وفقيرة الحال تشتري وتبيع الدجاج لتدبر حياتها، وبسبب تحرشات مفوض ألأمن لطيف أللاأخلاقية بها ورفضها بيع دجاجاها له بالسعر الذي عرضه عليها، قرر حشر إسمها في ملف القضية وهذا ماوضحته في المحكمة.

دخلنا الى المحكمة بشكل جماعي ولم يتسع لنا قفص المحكمة مما اضطر بعضنا الوقوف خارج القفص. لااعرف كيف توارى ذلك القلق فجأة عن الجميع وتحول ألجو الى لاابالية فسادت روح الدعابة والمزاح بيننا، حتى ان بعضهم لم يتمكن من السيطره على نفسه فيضحك بصوت عال، وزاد الجو انشراحا، مقترح عبس الجصاص على حسين كاظم الموسوي رحمه الله (وكان يعرف بحسين أعور لأن احدى عينيه كانت من زجاج) وهو اخ الشهيد المقدم ابراهيم كاظم الموسوي (1)، ان ينزع عينه الزجاجية أثناء المحاكمة ويعمل ضوضاء بمساعدتنا داخل القفص، واذا استفسر ألحاكم عن سبب هذه الضجة يجيبه حسين بان عينه سقطت منه وهو يبحث عنها، علّ ذلك يبهج ألحاكم ويعفو عنا، لكن حسين رفض ألفكرة.

قرأ الادعاء لائحة الاتهام وهي التظاهر ومقاومة انقلاب 8 شباط. ثم طلب الشهود، وكانوا اربعة افراد جميعهم من شرطة أمن كربلاء. وسألهم عن اسماء المشاركين في التظاهرة. تقدم ألاول وذكر مجموعة من الاسماء، بعض ألاسماء التي ذكرها كانت من ألمجموعة التي سبقتنا، وبعضها مركبة من شخصين او ثلاثة اي اسم شخص أما ألأب من اخر ولقبه من ثالث، كان اي مستمع لهذه الشهادة يستنتج بان الشاهد ملقن ومفرط بالغباء، وكان معظم شرطة ألامن في ذلك الوقت يتصفون بالغباء والبلادة، حتى انهم لم يبذلوا جهده في حفظ مالقنوا به. بعد ذلك طلب رئيس ألمحكمة من الشاهد ان يشخص أصحاب هذه الاسماء. كان هذا الامتحان الثاني لهذا الشرطي البليد، فتقدم وبعد بحث في الوجوه اشار الى عبد الامير قنبر وقال هذا هو محمود ألصافي، والسبب الذي دفع هذا الشرطي لهذا الخطأ حسب مافسرناه في حينها، ان محمود الصافي كان اقصرنا وبسبب كثرتنا داخل القفص لم يتمكن الشرطي من إيجاده فإختار بدله اطول واحد فينا وهو عبد الامير قنبر. اعترض عبد الامير وقال ان اسمي عبد الامير وليس محمود الصافي. ولم نسمع من رئيس المحكمة الا كلمة اخرس انه يعرفكم من الاشكال. بعد ذلك أشار الشاهد الى والدي، مدعيا ان علي الشبيبي هو مسؤول الحزب في كربلاء وانه كان يسير خلف التظاهره لقيادتها وتوجيهها. وعقب والدي قائلا انه لم يكن حزبيا وهذا مااكدته ألتنظيمات الحزبية لكربلاء بعد إنكشافها، كما انه لم يغادر البيت يوم 8 شباط بسبب مرضه وكل ذلك مثبت بالتحقيقات التي اجراها الحرس القومي، لكن رئيس المحكمة لم يستمع لأي اعتراض من جانبنا، وكان يقمع المعترضين، ويعلق تعليقات بذيئة جدا ومهينة، وانتقد تقرير مديرية أمن كربلاء المرفق في ملف القضية. حيث اشار التقرير في احد فقراته مامعناه (..... الى ان المسؤولين من شرطة كربلاء ومديرية الامن كانوا يسيرون خلف التظاهرة يوم انقلاب 8 شباط لمتابعة تحرك المتظاهرين.....) وعلق رئيس المجلس ساخرا من هذه العبارة ومن تعامل ألأمن والشرطة مع المتظاهرين موجها كلامه لشرطة الأمن: تمشون ورائهم لحمايتهم !!؟؟ كان عليكم إبادتهم والتخلص منهم!!! وهذا التعليق يعكس عدم حيادية وحقد رئيس المحكمة واستهتاره بالعدالة وموقفه المسبق من قضيتنا.


في وسط ساحة السجن الجديد في الحلة امام أحد القواويش (القاعات) والدي يتوسط
شقيقتي الكبرى أحلام ونوال في احد ايام الزيارات من عام 1965

الحقيقة ان والدي لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي لكنه كان من الأصدقاء ألمقربين من الحزب إضافة لكونه من الوجوه الاجتماعيه والوطنيه لمدينة كربلاء، فكان من نشطاء نقابة المعلمين واصبح نقيب الفرع لدورتين وكان رئيس مجلس انصار السلام في كربلاء، كما أنه لم يغادر البيت يوم الانقلاب، فأنا الوحيد من البيت من شارك بالتظاهر، وكان والدي غير مقتنع بالتظاهرة وانتقدني وانتقد منظميها وكان يرى ان إفشال الأنقلاب كان يجب ان يتم من خلال عمل عسكري حاسم ومخطط بشكل مدروس. لكن تقارير الامن المرفقة كانت مغلولة بالسم والكراهية والكذب ومعتمدة على معلومات قديمة تعود للاربعينات، وكان مسؤولوا ألامن يصرحون دائما بأن والدي أخطر من أي حزبي قيادي، لأنهم يعتبرونه من شيوعيي الأربعينات الذين تخرجوا على يد مؤسس الحزب الشهيد الخالد فهد. حيث ساهم مع شقيقه الشهيد الخالد حسين (صارم) في تأسيس اول تنظيم شيوعي في مدينة النجف الأشرف. وكان مسؤولا عن لجنة محلية النجف قبل انعقاد اول كونفرنس حزبي عام 1944 وكان احد اعضاء المؤتمر الاول للحزب والذي انعقد في اذار 1945. واصبح تنظيم الحزب في النجف احد اقوى التنظيمات الحزبية في العراق بالرغم من الطابع الديني المحافظ للمدينة وتخرج من هذا التنظيم كثير من قادة الحزب وشهدائه وفي مقدمتهم سكرتير الحزب الشهيد الخالد سلام عادل والشهيد حسن عوينه وعضو اللجنة المركزية الراحل رحيم عجينة والشهيد الدكتور خليل جميل والشهيد محمد موسى وغيرهم.

لم يعر رئيس المحكمة اي اهتمام لاعتراضاتنا، خاصة أن بقية الشهود لم يكونوا اكثر ذكاء من الشاهد الاول كما ان شهاداتهم لم تكن اقوى حبكة من الشاهد الاول. وقد جنبهم رئيس المحكمة من مغبة تكرار هفوات الشاهد الأول فطلب منهم ذكر أسماء المتظاهرين فقط دون تشخيصهم، بينما طلب من كل واحد يذكر الشهود اسمه ان يظهر من بين رفاقه بالقفص ليراه ويتعرف عليه اعضاء المجلس، وكان هذا تواطئا مفضوحا وتعدي فض على العدالة. انتبه الرئيس الى وجود ثلاثة افراد من عائلة واحدة، والدي وانا واخي كفاح، فوجه سؤالا لأخي كفاح: من يكون بالنسبة لك حسين الشبيبي الذي اعدم مع فهد؟ فاجابه اخي انه عمي. اضاف العاني انه من قادة ألحزب ألشيوعي وعضو مكتبه ألسياسي واعدم مع مؤسس الحزب فهد!!! ورد عليه اخي وماهي جريرتي في ذلك؟!!. لم تدم الجلسة اكثر من نصف ساعة، ولم يسمح لنا بالدفاع عن انفسنا ولا حتى مناقشة ألشهود، كما ان محامي الدفاع جمال بابان لم ينطق بكلمة واحدة خلال الجلسة ولم يناقش الشهود حتى لم يدافع عن أي واحد منا، وهذا مايؤكد ان المحامي كان سمسارا للمحكمة، وان الاحكام معدة مسبقا. وبعد دقائق من مشاورات المحكمة اعلن قرار الحكم، وقد وزعنا قرار الحكم على اربعة مجاميع، الاولى حكم عليها بخمس سنوات وكنت انا، فيصل الشامي، عباس الجصاص، اسماعيل الجصاص، حسين الموسوي ومحمود الصافي والفلاح حمود واخرون من ضمن هذه المجموعة. المجموعة الثانية شملهم الحكم بسنتين وكان والدي من ضمن هذه المجموعة. والمجموعة الثالثة حكم عليهم بسنة مع وقف التنفيذ وكان أخي كفاح من ضمنهم. والبقية تم الافراج عنهم. غضب وثار الاهالي لهذه الاحكام الجائرة واستنكروا دور المحامي البائس والذي لم يحاول ولو شكليا بالدفاع عنا ليبرر دوره، وطالبه البعض باعادة مادفع له.

تم حجزنا موقتا في غرفة في معسكر الوشاش. كانت الغرفة التي حشرنا فيها صغيرة، وقد تحولت جدرانها الى لوحة كتابة، فسجل معظم المحالين للمجلس العرفي الاول او احتجزوا في هذه الغرفة اسماؤهم وجملا او اشعارا تؤكد تصميمهم على الاستمرار في طريق النضال بصلابة ودون مهادنة، وقد كانت هذه عادة جميع المعتقلين، حيث كنا ننقش اسماؤنا وعبارات واشعارا وتأريخ تواجدنا في المعتقل تذكر القادمين من بعدنا بزملاء ورفاق لهم في درب النضال مروا من هنا. ولقد لفت انتباه الجميع بيتين من الشعر الشعبي كتبها ألشهيد حسن سريع بخط يده، تؤكد شجاعة واصرار هذا الإنسان على الصمود والتضحية والشهادة، وهذه ألأبيات هي:
                 السجن لي مرتبة والقيد إلي خلخال
                                                                  والمشنقة ياشعب مرجوحة الأبطال

كم كان هذا البطل المجهول مؤمنا بقضية الشعب وبقي مخلصا ومضحيا بنفسه محاولا انقاذ اكبر عدد من رفاقه من خلال اعترافه بتحمل المسؤولية لوحده وأنه هو ألذي أرغمهم على حمل ألسلاح. ومازلت اتذكر ألحوار ألذي دار بين ألشهيد حسن سريع ورئيس ألمحكمة أثناء محاكمته، حيث كان ألبث مباشراً. كانت اجابات ألشهيد تدل على وعيه السياسي وشجاعته وتصميمه، وللأسف لاتتوفر لدي مصادر حيادية عن نص الحوار بين الشهيد حسن سريع ورئيس المحكمة، وانما اتذكر جيدا معنى وأفكار الحوار الذي دار في قاعة المحكمة، فلما سأله رئيس المحكمة: انت جندي بسيط فهل كنت من خلال حركتك العسكرية تريد ان تصبح رئيسا للجمهورية؟!
الشهيد حسن سريع : لا لم أريد شيئا لنفسي وإنما سأسلم السلطة لمن يستحقها!
رئيس المحكمة : ومن هو هذا؟
الشهيد حسن سريع : الحزب الشيوعي !
رئيس المحكمة: الاتعرف انك خالفت القانون بحملك رتبة ضابط وانت مجرد جندي ؟
الشهيد حسن سريع: لم اكن اول من خالف القانون فأنتم أول من خالفتم وفعلتم ذلك مع عبد ألسلام عارف وصالح مهدي عماش.

كان هذا بعض من الحوار الذي بث من خلال الجلسة العلنية للمحكمة، هذه ألاجابات ألشجاعة والتي تعبر عن وعي وتصميم مذهل اجبرت الحكومة الى عدم استمرارها في بث المحاكمة. هذه إجابات ألشهيد الخالد حسن سريع كما أسعفتني بها ألذاكرة عندما كنا نستمع لمحاكمته ونحن جالسين في احد مقاهي العباسية الشرقية الشعبية (مقهى حميد) في كربلاء، وكنا مدهوشين لشجاعة وجرأة هذا ألبطل، وكان موقفه الشجاع هذا دافعا لكثير من ألشباب للبحث عن تنظيمات ألحزب ألشيوعي للإنظمام اليها. وقد طلب بعضهم مني المشورة ومساعدته للإرتباط بالحزب. وقد اتصل بي كريم، وهو سائق لي معرفة سابقة به ويثق بي، وسألني عن رغبته بالإنتماء للحزب، وذكر اسم (هـ.ر) بأنه عرض عليه ألإرتباط، ولما كنت أعرف أن موقف (هـ.ر) ضعيفا ومشبوها في تحقيقات ألحرس ألقومي، حذرته من ألعلاقة معه فربما يكون مندسا لكشف ألتنظيمات ألجديدة للحزب. وقد تأكد لي إندساس (هـ.ر) عندما ألقي ألقبض على رسول عبد ألزهرة (رسول ألمختار) في بساتين كربلاء بعد مقاومته لهم بالسلاح واصابته، وهو كادر طلابي (كان طالبا في كلية التجارة) وشيوعي لم يلق ألقبض عليه في إنقلاب شباط وبقي يمارس نشاطه ألحزبي متخفيا في كربلاء. بعد الإفراج عن رسول بكفالة مالية، أخبرني أن (هـ.ر. و ح.ل) شاهدي ادعاء ضده في ألمحكمة. واخبرته بمواقف (هـ.ر) الضعيفة في التحقيقات وتعاونه مع الحرس القومي، وسألته كيف تمكن من الإندساس ونال التزكية؟! أجاب انه وجده في التنظيم ولا يعرف خلفياته في أثناء الإعتقال!

في موقف مركز شرطة السراي في بغداد حيث نقلنا الى هناك لغرض تسفيرنا الى سجن الحلة، جلس بجانبي ألاستاذ لطيف المعملجي وهو معلم موسيقى، ولاحظت على وجهه علامات الإنزعاج والتأثر حتى كاد يبكي واعتقدت بأن حكما صدر بحقه. سألته: لماذا انت متأثر؟ فنحن ايضا صدر حكم بحقنا، والدي سنتان وانا خمسة سنوات، لاتهتم فالنظام ساقط و سنخرج قبل ان ننهي محكومياتنا!! فاجاب: لم يصدر بحقي حكم بالسجن ولكنني متأثر للحكم عليكم انت ووالدك، وانت مازلت صغيرا، كم كان هذا الحاكم ظالما، حتى لم يسمح لأي منا الدفاع عن نفسه!

يـتـبـع


(1) – المقدم ابراهيم كاظم الموسوي، كان مسؤولا عن أمن محكمة الشعب ايام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، ولم يشارك باي مقاومة عسكرية للأنقلابيين لأنه كان مع عائلته في كربلاء، وكان يعتقد بأن رئيس الجمهورية عبد السلام عارف سيقف الى جانبه لأنه قدم مساعدات كبيرة له اثناء محاكمته ووجوده في محكمة الشعب، واعتقد خطأ انه حان وقت رد جمائله على عبد السلام عارف، لكن العروبي عبد السلام عارف خذله، وكان الرد سريعا بإعدامه بعد يوم من تسليم نفسه، ولم يسلم جثمانه الطاهر كما تقر به الشريعة لعائلته إلا بعد انقلاب تشرين الثاني، وشيع في كربلاء تشيعا جماهيريا يليق بشهادته.

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 11/7/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة