ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

وثيقة تاريخية :


وصايا عبد الكريم قاسم أثناء الحرب الفلسطينية الأولى [1]


إعداد : عقيل الناصري

عثرت أثناء البحث على مسودة وصايا سبق وان كتبها المقدم الركن عبد الكريم قاسم اثناء حرب فلسطين الأولى عام 1948 ووزعها على معيته بعد استلامه قيادة الفوج الأول في اللواء الأول. تلقي هذه الوثيقة الضوء على بعض صفات قاسم وتركيبته السيكولوجية وطبيعة قيادته العسكرية وإهتماماته المتناهية بالنسبة للعنصر البشري بالتوافق الجدلي مع الدور المناط به وخاصةً للمراتب الدنيا في السلم الوظيفي وبالاخص ضباط الصف والجنود. إن أهمية الوثيقة تكمن في معالجتها لقضايا القيادة العسكرية في مستوياتها الوسطى والسفلى حيث تتجسد المسؤوليات الضخمة التي تتمثل بتنفيذ الخطط الحربية من خلال الاهتمام بالعُددْ وبالاعتناء بالأفراد. كما تدعو هذه الوصايا وتؤكد بصورة بليغة على أن يكون الآمر صلباً أكثر من كونه متساهلاً لجعل القطعات مستعدة ومجهزة لتقوم بالواجبات التي تناط بها بغية الحفاظ على ارواح الجنود الذين تحت إمرته وهم المادة الواعية لإدارة الحرب، آنذاك على الاقل، والذين يستحقون كل العناية الكاملة بما يضمن حياتهم كما تنص الوصايا, وفي الأخير فإن الآمر الصلب الذي يصر على قيام رجاله بواجباتهم بصورة صحيحة يعتبر أكثر اهتماماً برجاله من الآمر المتساهل الذي يتحاشى القرارات غير المريحة.
ننقل الوثيقة كما عثرنا عليها ونترك فسحة التفكير للقارئ للتأمل فيها وفي مضامينها الفنية ومدى عكسها لماهيات قاسم ليس من الناحية العسكرية التي برز فيها حسب، بل لذات قاسم بحد ذاتها ومدى مبدئيته في تحمل المسؤولية. كما أنها تحمل فهم قاسم لطبيعة العلاقة الانسانية في المواقف الحرجة ومدى تقديره للأنساق الأوامرية ، ذات الطبيعة الخاصة في المؤسسة العسكرية، ويشير كذلك إلى اهمية التنظيم ومدى تحقق الهدف المرتجى.
لقد انعكست هذه الوصايا في الكثير من المواقف العملية التي شهد لها أعداء قاسم قبل مناهضيه، وكانت واحدة منها هي تلك الواقعة التي اشار إليها طالب حامد قاسم في كتابه الذي حرره الاستاذ عبد العباس عبد الجاسم ،حقيقة التاريخ وتاريخ الحقيقة- عبد الكريم قاسم، وملخصها ينصب في كون عبد الكريم قاسم اثناء العودة للوطن بعد وقف مهزلة الحرب ، قد " غاب والجنود فوق ظهور مركباتهم وهم يتحرقون إلى العودة ، سكتوا وكأن على رؤوسهم الطير ولكنهم آثروا الانتظار ، فجأة تلو لهم سيارة المقدم الركن عبد الكريم قاسم من بعيد ، استعد الضابط ونائبه للتحية.
- لعلي أطلت انتظاركم ، لا يهم، كل الليل عشاء كما يقولون، قال عمي ملاطفاً ضباطه.
- سيدي خفنا عليك، قال النقيب ، لم تكن قد ابلغتنا بالمهمة، لاننا عائدون.
- ألم تكونوا وقد غلبتكم فرحة العودة، قد نسيتم وراءكم من نسي أن يعود معنا؟
- لا سيدي كل المراتب فوق المركبات.
- إلا واحداً، قال عمي قبل أن يكون زعيماً،إنه ذلك العريف اذي دفناه قبل شهر، لقد عدت إلى زيارة قبره، لقد حق عليَّ أن لا أنساه وهو في قبره، لقد صببت عليه الزمزمية، الله يعلم أنه ستقر روحه، هناك في رملة المفرق. سكت النقيب وقد خجلت مشاعره أمام هذا الموقف النبيل... [2]"

كانت الوثيقة تحمل عنوان وصايا آمر فوج ندونها بغية الوقوف على بعض من الجوانب للشخصية السياسية في لباسها العسكري وندع القارئ الكريم الى التمعن في مضامينها ليس ببعدها التقني / العسكري بل في المغازي الانسانية والاهتمام بالذات الفردية والجمعية، عسى ان نكتشف ونقارن بين الزعامات الحالية وتلك التي مرت بتاريخ العراق الحديث :

وصايا آمر الفوج

الغاية :
منذ استلامي قيادة هذا الفوج قمت بمناقشة فلسفتي الشخصية وسياستي مع عدد كبير منكم, ولقد كانت هذه المناقشات بشكل شفهي وجهاً لوجه, وأنني واثق إن ككلاً منكم يدرك بأنني متمسك بشدة ببعض القضايا, لذا فإنهمن الأفضل أن أسطر هذه القضايا كي يكون لديكم متسعاً من الوقت لقراءتها واستيعابها في وقتكم الخاص وبإدراككم نهجي المتعلق بالجندية سوف يكون باستطاعتكم تقدير السبب الذي دفعني لممارسة القيادة بهذا الاسلوب, وبالرغم من قناعتي بأنكم قد لا توافقونني في كل ما أكتبه, إلا أنني أتوقع تحمسكم وإسنادكم المخلص لي, إلا أن ذلك لا يعني أنكم ستقبلون كل شيء على علاته حتى إذا كانت غير مناسبة, لكنني اشجع فيكم روح المناقشة وأؤكد أن لكم مطلق الحرية لبحث الموضوع في اي وقت ترونه مناسباً, ولكنني لأذكركم أن تكون مجادلاتكم ذات فائدة وغير عقيمة.

الأسس :
كل قرار اتخذه, وكل سياسة أعلن عنها, وكل أمر أصدره, وكل عمل فرض إنجازه, سيكون محصوراً في ثلاثة, نعم ثلاثة لا غير , وإنها مقترحات أساسية وهي :-
1- إن الواجب الذي يكلف به احدكم يجب أن ينجز بشكل تام وبأحسن صورة.
2- وأن تتحلون بسلوك المهنة.
3- ويجب على كل قائد وآمر في جميع المستويات أن يتحمل مادياً ومعنوياً مسؤولية المحافظة على معيته بدنياً وعقلياً.
4- وهناك مع هذه الممقترحات الثلاث عدد من المجالات الأخرى التي تتطلب بحثاً.
ولإيضاح المقترحات الأساسية بشكل واضح فإنني سأقوم ببحث المجالات الأخرى كمقدمة لموضوعي, ثم يأتي بعد ذلك دور أرائي في كيفية التفكير والعمل لإنجاز واجباتنا كآمرين مسؤولين.

مسؤولية القيادة :
مسؤولية القيادة تعبير شامل, وأن الشيء الرئيسي الذي يجب على القائد أن يضعه نصب عينه هو أنه مسؤول عن كل شيء تحققه وحدته أو تفشل في تحقيقه, وهذا ما يجعل واجب القائد ثقيلاً إلا إنه الفاصل الرئيسي الذي يميز بين الذين يستطيعون القيادة والذين لا يستطيعون, وأنكم قد لا تخولوني مسؤولياتكم , لكن عليكم أن تشعروا مرؤسيكم إنهم مسؤولون أمامكم.

سلطة القيادة :
إنها تختلف كثيراً عن المسؤولية, لكنها في الوقت نفسه ذات علاقة وثيقة بها, وإنها تعني القوة التي تخول القائد لكي يقوم بفرض وتنفيذ الأوامر, وإنها القوة التي يستطيع بها الآمر إدارة الرجال المسؤول عنهم, وإن أي تنظيم سوف لا يعمل بصورة مرضية ما لم يكن له تخويل للسلطة بدرجة ما, وأنا أطلب منكم أن تكونوا حذرين من السلطة التي تخول لكم, وأن تسند معيتكم عند الضرورة, وأما من جانبي فسأقوم بإسنادكم حتى ولو اعتقدت إنكم على خطأ, لذا ارجو إلا تكون أخطاءكم كثيرة.

سلسلة القيادة :
استخدم سلسلة القيادة بشكل تعصبي, ولقد كنت شخصياً افاجيء بعدد من الواجبات التي يطلبها الآمرون مني, ولكن ذلك كان طريقاً سهلا لتعليمي مسؤولياتي, وقد تغتقد إنه ليس من العدل بمكان أن أحملك مسؤولية حذاء غير مناسب لأحد جنودك أو من معيتك أو إصابة أحدهم بمرض ما, ولا اعتقد أنه سيكون بإمكانك معالجة ذلم ما لم تتشبث بالاستفادة من سلسلة القيادة لمعالجة كل صغيرة وكبيرة في سريتك أو فصيلك.

الأركان :
إن هيئة ركن المقر تعود لي, وكما سمعت من قبل , فإن كل ضابط ركن يمارس (4) واجبات لمساعدتي على ممارسة القيادة, فضابط الركن يقوم بالتخمين, وإبداء المقترحات, وتهيئة الأوامر وغصدارها, والأشراف على تنفيذها, ويجب أن يكون واضحاً لديكم إن الهيئة المذكورة تتحدث بأسمي , ولكن مع ذلك ليس لها صلاحية القيادة , وبتعاونكم معها سوف لا تكون هناك مشاكل, وأنني أذكر جميع آمري السريا أن بإمكانكم بالاتصال بالأمر مباشرة, وإن ضابط الركن قد يقترح رفض طلباتكم , لكن لا تنسوا أن القرار النهائي والخير يبقى في يدي.

التنظيم :
الأبطال لا يربحون الحروب, إنما الذي يربحها هو التنظيم في المعارك, وإن التنظيم الذي تقوده يتألف من رجال وسلطة مع مسؤولية وأدوات للحرب, وإن قيادتكم مرتبطة من خلال قيادة الفوج ومسندة من قبل تنظيم اللواء والفرقة. لقد خسرت المعارك عندما كان هناك خلل في التنظيم, وهذا الخلل قد يحدث نتيجة ارتفاع عدد الخسائر بسبب عدم تأمين تفوق ناري وأسلحة وأعتدة بشكل صحيح. إن جعل جميع هذه العناصر تعمل بصورة منتظمة هي المسؤولية الكبرى للقائد, والقائد الجيد هو الذي يستطيع إدامة ماكنة القتال في الفترات الحرجة.

الجندي :
إنه يمثل محور ومركز وجودنا, فمهارته وشجاعته هما اللذان يؤمنان لنا إنجاز الواجب, وحتى يقوم الجندي بعمله فإن الأوامر قبل ذلك لا تعود أكثر من مجموعة من الضوضاء, وكل إجراء يتخذ لمساعدته وإسناده لكي يعيش حياة صحيحة يعتبر هاملا مهماً لجعله أداة مؤثرة في القتال.

صفوة الجنود :
يمثل كل من رأس العرفاء والعريف الأول وعريف الفصيل مكاناً في سلسلة القيادة, وإن هؤلاء جميعاً هم قادة’ أنهم جزء من سلسلة القيادة, لكنهم ليسوا فيها, فأمري السرايا يصدرون أوامر المعركة إلى آمري الفصائل وليس إلى العرفاء الأوائل . كما أن آمري الفصائل يصدرون الأوامر لآمري الحضائر وليس لعرفاء الفصائل, ويقال إن الجيش الألماني كان يطلق على العريف الأول لقب " أب السرية ", وهذا تعريف رائع ومناسب لضباط الصف الأقدمين, وإن الناس الجيدين لا يثمنون.

التجهيز والاقتصاد :
حتى في أحلك مراحل الحرب في فلسطين فإن موضوع التجهيز كان يأخذ أسبقية خاصة, وأسباب ذلك معروفة لدى الجميع إذ إن التجهيز يؤمن ومن ثم يرزم وينقل على نفقة الحكومة, سواء كانت المواد صلبة أو هشة أو سائلة, وكل شيء تزود به أنت وقطعاتك هي من ثروة الأمة, كما لا يوجد هناك مصطلح يطلق عليه ( المواد المستهلكة), أن التمييز الذي يجب أن تأخذه بنظر الاعتبار هو أن هناك المواد القابلة للاستهلاك, فإذا كنت تستطيع أكل المادة أو شربها أو صبها, فيمكنك إذن أن تدعوها قابلة للاستهلاك, أما إذا لم يكن بإستطاعتك معاملتها بهذا الشكل, فعندها تكون المواد غير قابلة للاستهلاك. إن المواد غير القابلة للاستهلاك يجب أن تحفظ وتدام وتعاد إلى نقطة الاستلام, أما المواد غير المستهلكة التي تفقد أو تتلف فيجب تغريم أثمانها بالطرق الأصولية, أن شهادات صلاحية الاستهلاك سوف تدقق من قلبي قبل تنزيلها من ذمتكم كي أتأكد من عدم تلفها بسبب الإهمال وعدم العناية, وعلى جميع الوحدات سحب كل المواد غير القابلة للاستهلاك للخلف كي يمكن استخدامها مرة أخرى حتى الذي تعرض لدرجة من التلف, ويجب أن يعاد للخلف على أن يكتب نوع التلف والسبب, ويجب أن تكون الرعاية التامة لهذه المواد, وعلى الآمرين على كل المستويات التركيز على هذه النقطة للوصول إلى 100% من الاعتناء بمثل هذه المواد, وبغض النظر عن نوع التجهيز الموجود تحت اليد فإن المهم عدم فقدانه أو كسره أو أتلافه, وإنما إعادته بنفس الوضعية التي كان عليها عند الاستلام في المرة الأولى أن لم يكن أحسن من ذلك.

الواجب :
يتألف الواجب من المهمة وغايتها على السواء, وأن الغاية هي العنصر الأساسي خاصة في محيط القتال في فلسطين. عليه يجب عليكم تنمية عادة استيعابها لكي نتوصل إلى أحسن السبل في تنفيذها, واعتيادياً على مستوى السرية والفوج وسنجد فرصاً قليلة لتقييم المسالك المفتوحة للقيام بعمل ما, وأعتقد إننا تسعى إلى المسلك العملي أكثر من السعي وراء أحسن المسالك. وعندما تعطي واجباً معيناً لرجالك, فكر أن يكون له علاقة باهتمامهم الشخصي, فمثلاً إننا نقوم بحركات ليلية للقبض على أفراد من قوات العدو الذين يزرعون مصائد المغفلين أو أي صنعة تستطيع أن تصبغ بها العدو وتزيد في نفس الوقت من حماس رجالك, وقبل كل شيء عليك أن تخبرهم لماذا يجب أن يتم هذا لأنه أقل ما يستحقون مع بيان السبب, وعلى هذا الأساس فإنهم سيعرفون لماذا يقاتلون, وبذلك فإنهم سيكونون أكثر تحمساً, وهناك من الوحدات والآمرين من يحقق الواجب بشكل غير متكامل, أما أنا فسأكون متشدد في هذا المجال وأؤكج على إنجاز كل واجب بأحسن أشكاله سواء كان واجباً مهماً يتضمن تدمير العدو أو روتينياً يتضمن إملاء قاعدة نار بأكياس رمل, وعلى كل حال فإن كل واجب يجب أن يتميز تنفيذه بصورة تعرضية وبحماس مع كل تصميم وتركيز, وتذكر دائماً أنك يجب إنجازه بشكب صحيح لأول مرة, وأنا هنا أؤكد لكم من أنني سأصر على القيام به مرة ثانية في حالة عدم إنجازه بصورة صحيحة, وإذا أعدتم العمل ثانيةً لأنكم فشلتم به في المرة الأولى فإن ذلك قد يؤدي إلى إزعاج معيتكم, وعندما أحملكم مسؤولية عدم اهتمامكم برجالكم, وعليه ينبغي أن تصمم على إنجاز الواجب للمرة الأولى وبأسلوب يدل على الاحتراف.

كيف تحافظ على أرواح رجالك :
أن المحافظة على أرواح رجالك هو من أصعب الواجبات, فبيس هناك من ولجب أصعب من هذا, فهو صعب لأنه يتطلب درجة كبيرة من القيادة لإنجازه بصورة صحيحة أكثر مما يتطلب أي شيء آخر من مسؤولياتكم الباقية, وأنها تتطلب صلابة وخشونة مع رجالك طيلة النهار حتى ولو أدى ذلك إلى الملل, أنكم تحتاجون إلى صلابة لأن كل سياسة تتخذونها لإدامة حيوية رجالكم هي غير محبذة من جانب معيتكم. إن القطعات قد تدرك جيداً الغاية من حرصكم للمحافظة على أرواحهم, لكن الإنسان بطبيعته ميال للراحة , لذا فإن هذه القطعات لا تميل للتعب وفي أكثر الحالات حتى انكم لا تحبذون التعب لكن مع كل هذه عليكم القيام بها وستقومون بها لأن عدم القيام بذلك يعد جريمة وتقصير في الواجب, وهذا ما ينطبق على الآمرين الذين يفضلون أن يكونوا محبوبين على حساب الواجب, وأن هؤلاء الآمرين هم الذين يسببون موت رجالهم لا لسبب عدا أنهم لا يملكون الإرادة الكافية لإجبار معيتهم على إنجاز الشيء الصحيح الذي يقيهم من الموت في ساحة القتال , إن الآمر الصلب وحده الذي يستطيع أن يحافظ على أرواح جنوده , واليكم بعض الأمثلة على ذلك :
1-الحفر في كل ليلة :
في إحدى الليالي كانت قطعاتنا متعبة, فقد كانوا مشغولين طيلة النهار, أنهم يتحركون والتعب ظاهر عليهم, لماً أنكم لم تحققوا تماساً مع العدو منذ أسابيع, والعلامات تدل على عدم احتمال حدوث اصطدام مع العدو هذه الليلة (حسب اعتقادكم) لكن لا أنتم ولا غيركم منجمين, إذن فليس هناك شيء إيجابي يثبت عدم إحتمال هجوم العدو على موضعكم , وإن هذا لا يبدل من حقيقة جنودكم وعدم ظهور علامات إلتماس القريب مع العدو, وإذا أردت لجنودك الراحة وليس القيام بالحفر فإن هذا أسهل قرار ممكن أن يتخذه آمر ما. ففي بداية تشرين أول أتخذ أحد آمري الفصائل في هذا الفوج وفي موقف مشابه القرار السهل, فكانت المباغتة تامة لهذا الضابط ولفصيله عندما هاجمه الصهاينة عند الضياء الأول لليوم الثاني, والحقيقة لم تسقط حتى ولا قنبرة واحدة داخل المحيط وأقرب القنابر سقطت على بعد 30مترا من أقرب جندي, لكن جرح 3من خيرة الجنود وكان من حسن الصدف في رأي إن آمر الفصيل هو المسؤول الأول عن ذلك لآنه أهمل القيام بالعمل الصحيح, إذ أنه لم يقتل أي أحد منهم وذلك نوع من الجبن, ولو كان آمراً صلباً لفرض على رجاله إرادته وأجبرهم على الحفر, أنكم قد تقومون بالحفر كل ليلة بالرغم من عدم الحاجة إليه, ولكن مع هذا فانتم سوف لا تفقدرون شيئاً سوى بعض الراحة, ويقابل ذلك في حالة عدم الحفر ومهاجمة العدو لكم, الضحايا الكبيرة وإراقة الدماء بلا ضرورة, وطيلة فترتي لقيادة هذا الفوج سيكون لكل رجل منكم حفرة في كل ليلة, وهذا يشمل الجميع حتى أنا وفي كل مكان بغض النظر عن الوقت أو التعب الذي سوف يتعرض له رجالكم, وقد يدب الملل في معيتكم لكن مع كل هذا عليكم الاستمرار بالحفر ومهما كانت وجهات نظركم فمن الأفضل الاحتفاظ بجنود احياء أفضل من الاحتفاظ بجثث هامدة, فعليكم الحفر.
2- الخوذة الفولاذية:
أن الخوذ الفولاذية هي أكثر التجهيزات إزعاجا في الجيش, إنها حارة وغير محبذة وتسقط دائماً من الرأس عند المسير, فإنها تمثل إزعاجاً وتعباً حتى للرجل الصبور, بإمكانك أن تلبسها لشهر, لكن ذلك لا يعني إنك ستعتاد عليها أكثر من هذا, إنها لا توقف الإطلاقة لكن كونها تحمي من الشظايا فلابد من لبسها إذن, وإذا نجى رجل واحد من الفوج لأنه كان لابساً الخوذة الفولاذية فإن جميع الازعاجات الأخرى التي تسببها هذه الخوذة تعتبر شيئا رخيصاً, أنني مقتنع أن لبس الخوذ ينقذ حياة الرجل, ولذا أطلب أن يلبسها كل واحد في كل يوم عندما نكون مشتركين في عمليات القتال.
3- كرسي الرشاشة :
يجب أن تكون النار في صفحة الدفاع بمستوى عال من التنظيم, تذكر أن الميزة الوحيدة للمدافع هي حريته في إختيار الأرض المناسبة للمعركة في مواضع مهيأة, ويجب أن يكون بإستطاعة المدافع استخدام النار المؤثرة عندما يصبح هو تحت تأثير النار المعادية, والرشاشات لا تؤمن نار مؤثرة ما لم توضع على الكرسي وفي مواضع تؤمن أقصى درجة من الحماية للرماة, لأن إستخدام ركيزة الرشاشة فقط غير مؤثر ليلاً حتى لو كان خلفها أحسن الجنود الرماة. إن إستخدام ركيزة الرشاشة قد يكون مثالياً نهاراً لكن درجة التاثير ستكون 50% عنه ليلاً, وعندما تكون الرشاشة مركبة على الكرسي فبإمكانها أن تعالج أي هجوم معادي, والسبب بسيط, إذ ستكون مركبة بشكل جيد ومهيأة على خطوط ثابتة ولا يحبذ حمل أجزاء كرسي الرشاشة, فهي مزعجة كما هو الحال بالنسبة للخوذة الفولاذية خاصةً في مناطق الأحراش. لكن مرة أخرى إن هذه إلإجراءات تمثل فاصلا بين الحياة والموت, وأنا لا اريدكم أن تموتوا, وكلكم يعرف مئات النقاط التي يستطيع من خلالها المحافظة على أرواح رجاله وإدامة الأسلحة والعتاد ومراعاة قضايا الأمن عند الحركة وفي حالات التوقف والانتشار والمواصلات الجيدة والضوضاء والضياء والضبط والسيطر على النار والمبادئ الرئيسية للتعبئة التي تفرق بين الجندي المدرب والجندي المستجد, وقد تكلف هذه النقاط خسائر أو تحمي الأرواح ويعتمد تنفيذها على الجدية التي يتمتع بها الآمر وإن تطبيقها فيه بعض الصعوبة والذي يلاقي صعوبة أكثر عند تنفيذها هو رجل المشاة الذي تغلب عليه صفة التعب من جراء واجباته, وهنا يجب أن يحتل المكان المرموق في نظرنا ونقدم كل شيء من شأنه أن يسهل صعوباته, لكن مساعدته في مشاكله لا يعني أبداً التهاون في المحافظة عليه حياً.

كيف تحافظ على صحة رجالك :
أنني أعرف المحافظة على صحة رجالك بمعناها الواسع, أنه لأمر واقع أن تحافظ على صحة جنودك بدنياً وعقلياً, وهاتين النقطتين هما من المسؤوليات القيادة التي يجب ممارستها شخصياً وعدم تركها بيد الآخرين, فمثلاً سيكون الطبيب مسؤولاً عن تطبيق طرق الوقاية من مرض الملاريا مثلاً, ولست أنت مسؤولاً عن القضايا المالية التي تتعلق برواتب جنودك, إلا أن الحقيقة اليوم هو منذ زمن الجيوش الإسلامية, إن الآمر الجيد هو الذي يشعر بحاجات جنوده ويعالجها, وإلا من سيرعي هؤلاء؟ وكل ما كان الجندي حديثاً, كلما إحتاج أكثر لمساعدتك, أنه يعتمد كلياً على سلسلة القيادة التي تقوده, وعلينا أن لا نخيب آماله. أما من جانبي فأنني أوعدكم ومقري, من أننا سنعمل كل شيء لتسهيل مهمتكم في المحافظة على صحة رجالكم, وسنقوم بإسنادكم في كل عمل تتخذونه لإدامة المستوين الصحي والبدني لمعيتكم بكل ما يتيسر لدينا من مصادر, وإذا لم يكن لدينا ما تحتاجونه فسنسعى لتأمينه بطريقة ما, وبغض النظر عن نوع العمل الذي تتخذونه يجب أن لا يغيب عن بالكم حالة الجندي التي يجب أن تأخذ القسط الأوفر من تفكيركم, لأن هذا الجندي هو نفسه الذي يقاتل لأنك أمرته بذلكك, وهو نفسه الذي يقتل لأنه نفذ أوامرك. وعلى هذا الأساس فأنني أعتقد وأنتم تعتقدون كذلكك ايضاً بقوة, إن ههذا الجندي يستحق العناية 100% من قبل سلسلة قيادته, ولذا فعلينا أن لا نخيب أمله فينا حتى ولو مرة واحدة.


[1] زودني بهذه الوثيقة الملازم الثاني الاحتياط السابق بكر كريم محمد عندما كان يخدم في الكتيبة الجبلية السادسة في اربيل في عامي 1960-1961 .. أني مدين له بالعرفان المعرفي. والوثيقة مستلة من كتابي الأخير: عبد الكريم قاسم – من ماهيات السيرة الذاتية 1914=1958, الصادر عن دار الحصاد في دمشق 2006.
[2] طالب حامد قاسم وعبد العباس عبد الجاسم, حقيقة التاريخ وتاريخ الحقيقة، ص. 77، الكتاب العربي ، بغداد التاريخ بلا.

الأثنين 11/12/ 2006

| أرشيف الذكريات  |