ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 19 )
تشكيلات الانصار ـ الايام الصعبة الاولى
في ناوزنك (1) تجّمع رفاقنا في كوخ صغير بناه الپيش مرگة التابعبن لجلال الطالباني ليكون سجنا لعملاء السلطة، ولا يتسع لاكثر من ستة اشخاص، ولا يبعد عن المقر القيادي لجلال سوى مائة متر. ويحجب الكوخ مرتفع جبلي، فخصصه الرفاق سكنا للكادر الحزبي ، وسكنوا هم في خيام صغيرة لا تقيهم من المطر والبرد.
اعتبر الرفاق وصولنا خطوة هامة على طريق اهتمام الحزب بالمرحلة النضالية الجديدة. فوجود رفيقين من قيادة الحزب هو دليل على ذلك الاهتمام .
بقينا جميعا بلا اية افرشة وبلا تدفئة، واقتصرت التغذية على الخبز والبطاطس والقليل من التمر. ولم يكن بحوزتنا اي مبلغ من المال سوى ما تبرع به رفاق واصدقاء حزب توده في منطقتي سره دشت و مهاباد، اضافة لمبلغ 2400 دينار جلبتها معي.
كان عدد الرفاق يقرب من 80 رفيق وصديق، ولانملك من السلاح سوى 6 بنادق جلبها رفاق منطقة بشدر وبتوين معهم .
وتوالى وصول الرفاق من بغداد واربيل والموصل. وقد استشهد الرفيقين خليل سمو ( عضو المحلية ) وهو من اهالي بحزاني، وكواش خدر ( ابو سمرة ) الذي كان يعمل حارس في مقر اللجنة المركزية وهو من اهالي بحزاني ايضا، اثناء هجوم طائرتي هليكوبتر على قرية سماقولي وصادف وجود الرفيقين هناك وهما في طريقهما للالتحاق بنا نهاية اذار 1979 . وتم دفنهما في سماقولي .
ورغم المصاعب ، ورغم ما مرت به منظماتنا منذ عام 1978 من منعطفات حادة، الا ان اصرار الرفاق كان بأتجاه النضال المسلح لمواجهة عنف السلطة وانقاذ ما يمكن انقاذه من تنظيمات الحزب، و رد الاعتبار لمكانة الحزب وهيبته على الساحة السياسية.
كانت بداية التشكيلات الاولى للانصار اواخر عام 1978 عفوية، ولم تسبقها دراسة او تهيئة من قيادة الحزب. وواجه الرفاق اوضاعا صعبة وقاسية وخطيرة للغاية عند وصولهم الى ناوزنك، حتمت عليهم تنظيم انفسهم ، ودفعتهم للعمل من اجل الحصول على اية قطعة سلاح للدفاع عن حياتهم .
وهكذا تشكلت النواة الانصارية من رفاق قدموا من مختلف مناطق العراق ، ينقصهم السلاح والتموين والخبرة واهم من كل ذلك ينقصهم القرار الحزبي .
في اواخر شهر اذارعام 1979 ، كنت في ناوزنك ، عندما وصلتني رسالة من مهاباد يعلن مرسلها انه ( ابو سلام )، ويطلب فيها حضوري الى مهاباد. استغربت من ان الرسالة مرسلة من رفيق اخر غير الرفيق ابو سرباز، وهو المسؤول الاول في المنطقة وعضو مكتب الاقليم .
وصلت مهاباد وفوجئت بوجود بهاء الدين نوري ، و لم اكن اتوقع مجيئه لعدم اشعارنا بذلك من قبل قيادة الحزب، اضافة الى انه كان قد سبق الجميع بمغادرة العراق. ولم يكن بهاء يحمل اية رسالة من رفاق اللجنة المركزية الموجودين في سوريا، والاكثر غرابة من كل ذلك هو دعوته لنا للاجتماع. انتقدت الرفيق ابو سرباز على افساحه المجال لممارسة غير صحيحة، فكلانا ( ابو سرباز وانا ) اعضاء في مكتب الاقليم ولم تكن لبهاء اية صلة بالاقليم .
بعد ايام وصل الرفيق كريم احمد ( ابوسليم )، واعتبرنا وصوله خطوة اضافية اخرى على طريق تكريس توجهنا لتشكيل فصائل الانصار، رغم عدم وجود قرار حزبي بتشكيلها.
عقدنا اجتماعا قاده ابوسليم وبحضور( ابوسرباز وبهاء وانا )، ولم يدعى إليه ابو ئاسوس بسبب تجميد عضويته في اللجنة المركزية على ضوء التقرير المقدم من ابو حكمت ، كونه ( ابوئاسوس ) ترك منظمته واختفى وقطع اتصاله مع مكتب الاقليم لمدة شهر واعتبر تصرفه ذاك ضعفا منه.
تحدثت في الاجتماع عن تصرفات بهاء اللااصولية وطلبت تثبيت مسؤولية الرفيق ابو سرباز واتباع الاصول التنظيمية السليمة في عملنا. بعد الاجتماع طلب بهاء التوجه الى ناوزنك للالتقاء بالرفاق هناك ، فطلبنا منه التريث للذهاب معا برفقة ابو سليم ، لكنه لم يوافق وغادر رغم اعتراضنا الى ناوزنك.
وصل بهاء الدين نوري الى ناوزنك وقام بخرق تنظيمي آخر، اذ دعى الرفاق الى اجتماع موسع ، اجرى فيه انتخاب هيئات جديدة للقاعدة بعد ان حل التشكيلات القائمة انذاك ، وقام بعملية استطلاع مفتعلة في مناطق العمق الايراني لايجاد مواقع لاختفاء الرفاق في حالة اي هجوم عراقي، لان قيادة الحزب، حسب إدعاءاته، ليست جادة بتسليحهم، وانه يفضل انسحابهم بإتجاه الاراضي الايرانية. و كانت غاية بهاء في ذلك تحريض القواعد الحزبية ضد قيادة الحزب وخلق وضع فكري مرتبك يستفاد منه .
ولم يلتزم ايضا بقرارنا بإنتظار الرفيق ابو سليم للالتقاء ( جميعنا ) مع جلال الطالباني ، حيث اجتمع به بمفرده تاركا لديه انطباعا سيئا، نقله جلال للرفيق ابو سليم اثناء لقاءهما فيما بعد .
وحينما رجع بهاء الى مهاباد، عقدنا اجتماعاً شرح فيه ما قام به من اجراءات في ناوزنك، واقترح نقلي الى مهاباد كمسؤول للمالية ( ونحن لا نملك شيئا من المال ) وطرح افكارا لتغييرات في التشكيلات الاخرى. لم نوافق على ما قام به ، واعتبرنا ذلك خرقا للاصول التنظيمية ، وقررنا العمل وفق التشكيلات الاولى. ولم تكن غاية بهاء من كل تلك الخطوات سوى التحكم بقيادة الانصار.
عدنا الى ناوزنك حيث التقى ابو سليم بالرفاق هناك واطلع على تلك الظروف المأساوية التي يعيشون بها ، فلم يستطع السيطرة على مشاعره فأجهش بالبكاء. ربما اختلطت فرحة اللقاء بالرفاق مع الشعور بالتقصير سواء كان متعمدا او خارج الارادة.
كان وضع الرفاق مؤلما جدا، ولم يجلب لهم الرفيق ابو سليم شيئا على الاطلاق، ولكن رغم ذلك اعتبروا مجرد مجيئه بادرة طيبة.
وعقد الرفيق اجتماعا مع الرفاق تحدث فيه عن وضع الحزب بشكل عام وسياسته الجديدة على ضوء التطورات الاخيرة، وذكر بأن الحزب جاد بتسليح الرفاق تسليحا جيدا، بما في ذلك اسلحة مضادة للطائرات .
لكن كل تلك الوعود لم تتحقق الا بعد اكثر من سنة، في الوقت الذي كانت طائرات النظام خلاله تصول وتجول وتقذف حممها فوق رؤوسنا. ولم يصلنا من تلك الاسلحة سوى عدة رشاشات مقاومة الطائرات قديمة لا تصلح للعمل.
كان الرفاق المتواجدون في الداخل يأملون بعودة التعاون مع النظام. واستمرت جريدة الحزب بالصدور بأنتظام رغم تقليص عدد صفحاتها الى اربع ، وعلى صفحتها الاولى صورة رأس النظام ، واستمر الوزيران في بغداد واعضاء المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة كردستان ، في مواقعهم شكليا. ونشرت طريق الشعب مقال لاحد اعضاء المكتب السياسي في الداخل، باقر ابراهيم، يؤكد فيها ضرورة تعميق سياسة التحالف الجبهوي.
وهكذا كان الحزب على مفترق طرق حاد ، او بين سياستين، احداهما تدعو لاعادة العلاقة مع البعث واخرى تتوجه بأندفاع نحو الكفاح المسلح .
ومع الأنقلاب الذي قام به صدام حسين واستلامه السلطة في تموز 1979، وقيامه بالتنكيل برفاقه في قيادة البعث والكادر المتقدم ، وخلق عداء مفتعل مع سوريا ، تبلور وضع جديد خيّب امال من كان يعتقد بأمكانية العودة والتواصل مع البعث. فأندفع الرفاق بشكل اكثر من السابق بالعمل بأمل اصدار قرار من قيادة الحزب بتبني خيار الكفاح المسلح بأعتباره الخيار المناسب ولربما الوحيد ضد عنف اجرامي لم يفلت منه احد حتى اعوان السلطة.
واخيرا تم إتخاذ ذلك القرار في اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1979.
ولم يكن خافيا على الرفاق واصدقائهم ذلك الصراع الداخلي الحاد في الحزب، وخاصة بين قيادته في الخارج حول تبني اسلوب الكفاح المسلح، وبين الرفاق القياديين في الداخل الذين يعتبرون خيار الكفاح المسلح خيارا تدميريا لا يجوز تبنيه. وعلى النقيض من ذلك باشر الرفاق، قياديون كانوا ام اعضاءا عاديون، بالعمل المسلح وبأصرار كبير رغم المعارضة التي واجهتهم . وقد اثبتت السنوات التي مرت خطأ وخطورة ذلك التفكير لان الذي انقذ الحزب من التفتت والتشتت ووضعه في موقع متميز بين فصائل المعارضة العراقية هو الكفاح المسلح. لقد تمكن رفاق الحزب واصدقائه من رفع مكانة الحزب وسمعته عاليا بين جماهير كردستان وبين القوى السياسية في الداخل والخارج.
معركة الانصار الاولى في جوار قورنة (2)
استمر التحاق الرفاق بسبب استمرار حملة البعث القمعية وتفاقم شراستها ضد منظمات حزبنا ، فأزداد عددنا حتى تجاوز ال 180 رفيقا حينما وصل الرفيق ابو سليم .
حينها لم يكن لدينا سوى 14 قطعة سلاح، ثمانية منها فقط آلية ( كلاشنكوف ) استلمناها كهدية من جلال الطالباني ، اضافة لمدفع هاون 60 ملم واخر 81 ملم .
تقدم رفاق منطقة رانية بمقترح للمكتب العسكري لزيارة عوائلهم ولاثبات وجودهم كقوة عسكرية مسلحة امام السلطة وامام جماهير المنطقة. اعترضنا على المقترح لقلة الاسلحة، ولكن وبتدخل مباشر من الرفيق ابو سليم وتأييده للمقترح، اضطررنا الى الموافقة على تشكيل مفرزة من 11 رفيقا مزودين بسبعة بنادق ( اي بنصف ما لدينا من سلاح ).
توجهت المفرزة الى مجمع جوارقورنه بقيادة الرفيق علي حاجي (3) يوم 14 /4/1979. وقام الانصار بزيارة عوائلهم ، وقرروا الخروج من المجمع فجر يوم 15 /4.
كان الجيش قد علم بوجود المفرزة ، فنصب الكمائن في طريقها، وفعلا وقعت المفرزة في كماشة تلك الكمائن، واضطرت الى خوض قتال عنيف تمكن خلاله رفاقنا من قتل 12 عسكري بينهم ضابط، في حين سقط الرفيقان رسول شيخه علي وعلي. وتمكن بقية الرفاق من إختراق الطوق وعبور البحيرة الى الجهة الاخرى وتوجهوا بعدها نحو الجبل .
ورغم الخسارة الكبيرة، فقد كان للعملية صداها الواسع في المنطقة. واكدت على ان الحزب الشيوعي ما زال موجودا ويعمل لاسترداد هيبته وعافيته.
بعد ذلك بفترة قصيرة عاد الرفيق ابوسليم الى الخارج، بعد ان تم الانتهاء من فتح قاعدة جديدة لنا في منطقة حلبجه وارسل لقيادتها ملا علي .
(1) - ناوزنك ، منطقة حدودية بين ايران والعراق تقع وراء جبل ممند المشرف على قلعة دزه ، وهو جبل منيع . اتخذها جلال الطالباني مقرا لقيادته واستقر فيها رفاقنا في الايام الاولى .
(2) ـ جوار قورنة ـ قرية صغيرة تبعد عدة كيلومترات جنوب رانيا ، حولتها السلطة الى مجمع سكاني بعد انهيار الحركة المسلحة ، يسكنها العديد من انصارنا .
(3) ـ علي حاجي ، من اهالي جوار قورنة ، عضو في الحزب التحق مع اخيه محمود اوائل سنة 1979 ، شجاع نسب لقيادة سرية بتوين ، استشهد في اربيل سنة 1984 في معارك مع مسلحي اوك .
يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |