ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(8)

 

جليل حسون عاصي

الفصل الثاني
(4)

صدر أمر وزاري بنقلي و6 من رفاقي المعلمين إلى مديرية معارف الناصرية في بداية العام الدراسي 1960/1961 كان ثلاثه منهم أصحاب عوائل وبينهم من لا يستطيع العيش في منطقه نائبه بسبب وضعه الصحي ، الأمر الذي يتطلب تعيينهم في أماكن تتناسب مع ظروفهم ،وبعد أخذ ورد مع مدير معارف الناصرية، وافق على تعيينهم في أماكن مناسبة وتنسيب الاربعه الآخرين ، وكنت واحداً منهم إلى مدرسه في قضاء الجبايش الذي يعتبر منطقه نائيه في ذلك الوقت ،التحق رفاقنا الثلاثة بمدارسهم ،وبقينا نحن الاربعه وهم كل من (اسود عباس العريبي ) (وعبد رسن) (وعبد الامير حاج محمد الرويشد) وانا في الناصريه . للتعرف على الطريق الذي نسلكه للوصول إلى الجبايش ، استفسرنا من بعض معارفنا الا اننا لم نحصل على الجواب الشافي وكأن الجبايش تقع في جزر ( الواق واق ) وليس مدينة تابعة اداريا إلى الناصرية واخيرا تعرفنا على احد المعلمين من الذين سبق له العمل هناك فاشار علينا بوجود طريقين لوصولنا إلى الجبايش .
الاول ـ الناصرية ـ سوق الشيوخ ـ كرمة بني سعيد ـ الطار ـ الجبايش
الثاني ـ ناصرية ـ ناحية الفهود ـ الجبايش ، وسلوك اي من الطريقين لابد ان يتوزع ما بين النقل بالسيارة والنقل المائي عن طريق الماطورات او الزوارق العادية ، وحدثنا كثيرا عن طبيعة المنطقة واهالي المدينة وطباعهم ، واشار علينا بضرورة شراء بعض المواد لانها غير متوفرة في المدينة كما أخبرنا بأن هذه المدرسة هي المدرسة الوحيدة في القضاء، وفي صباح اليوم الثاني توجهنا بالسيارة إلى ناحية الفهود، اوصلنا السائق بعد ان عرف وضعنا إلى المحطة التي تنطلق منها وسائط النقل إلى الجبايش ، اخبرونا في المحطة بأن الماطورات متوقفة هذه الأيام بسبب ضحالة الماء ، وعليه لابد من تأجير زورق عادي ، لم نجد أي صعوبة بالاتفاق مع اصحابه ، لان الزوارق متوفرة بكثرة والطلب عليها نادر جدا لهذا فان اصحابها مستعدون لقبول أي اجر مهما كان بسيطا ، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلونها والتي لا تتناسب قطعا مع الاجر المدفوع ، صعدنا إلى الزورق وجلسنا في وسطه حذرين لاننا لم نالف التنقل بهذه الواسطة التي تتحرك صعودا ونزولا من الجانبين لعدم التوازن خاصة في بداية الرحله بينما اتخذ اصحاب الزورق اماكنهم احدهم جلس في صدر الزورق في حين اتخذ الاخر مكانه في الموخرة وواصلا عملية الجذف لساعات طويلة.
كانت حركة الزورق في البداية بطيئة جدا رغم الجهد الكبير الذي بذل من قبلهما لضحالة المياه ، ووجود نباتات كثيفة طافية على سطح الماء تعيق حركته وبعد منتصف النهار بقليل توقف الاثنان عن الجذف وقاما باعداد الطعام وقدما لنا وجبة غداء شهيه تتكون من الخبز الحار الذي عملوه بايديهم وبطريقة خاصة لم نألفها او نسمع بها سابقا ، والسمك المسكوف ، وكانت طريقة عملهما سريعة ومتقنة بعدها واصلنا سيرنا بعد احتساء عدد من اقداح الشاي إلى أن وصلنا مسطح مائي واسع ليس فيه اثر لليابسة خال من النباتات الطافية على سطح الماء ، تلوح لك من بعيد نباتات طبيعية من القصب والبردي على مساحات محدودة وعلى اشكال هندسية مختلفة تبين لنا ان هذا المكان هو ( هور الحمار ) ، وان مجرى نهر الفرات يختلط مع الهور عند دخوله في هذا المكان، ومن الصعب التمييز بين مجرى النهر وبين الهور في ايام الصيهود لأن جريان الماء يصبح ضعيفاً، خاصة لمن يجهل الطريق وغالبا ما تتحطم محركات الماطورات بسبب عدم التفريق بينهما ، مما يؤدي إلى ارتطامها بالارض - ومن خلال معلوماتهم البسيطة توضحت لدينا الاهمية الكبيرة للبروتوكول الذي عقد بين العراق والاتحاد السوفيتي بعد ثورة 14 تموز 1958 عندما كان الاستاذ الراحل الدكتور ( ابراهيم كبة ) وزيرا للاقتصاد والذي تضمن تعميق مجرى نهر الفرات ليكون صالحا للملاحة ، وهذا سيؤدي إلى ظهور آلاف الدونمات من اليابسة التي تعتبر من افضل الاراضي الصالحة لزراعة الشلب وفعلا قامت الشركة باجراء المسوحات اللازمة ، الا ان الاتفاقية التي كانت تتضمن ايضا عدة مشاريع اخرى منها استخراج النفط الموجود في هور الحمار ، وبناء معمل لتعليب الأسماك وآخر لكبس الواح البردي المضغوط تم إلغائه نهائيا رغم حاجة البلد الماسة له ووفرة المواد الاولية وبكميات كبيرة - .
اصبحت حركة الزورق ايسر واسرع وتزايدت سرعته بعد رفع الشراع على سارية الزورق مما اتاح لاصحابه الجلوس إلى جانبنا والتحدث معنا لان عملهم اقتصر على تسيير دفة القيادة فقط ، تحدثا طويلا عن البطالة المتفشية بين اوساط الشباب فالعمل مقتصر بالمنطقة على صيد الاسماك وصيدالطيور في وقت تواجدها وهو غالبا ما يكون في الفترة الممتدة بين نهاية الخريف وبداية الربيع أي بعبارة اخرى تقتصر على فصل الشتاء تقريباً من كل سنة . بعدها تهاجر الطيور من حيث اتت وتكلما كثيرا عن المسافات التي تقطعها عند الذهاب والاياب من المناطق التي تنطلق منها ، وعن الاختام التي يعثرون عليها مربوطة في ارجلها واجنحتها ، وان صيد الأسماك في هذه المناطق غير مجزي ولا يتعدى اكثر من سد حاجة العائلة التي اعتادت على تناوله يوميا وبدون انقطاع وان حدث ما يمنع الصيد في يوم من الأيام تلجأ العوائل إلى طبخ السمك الجاف وهو مخزون في كل بيت ، وبيع قسم قليل منه على المسافرين وبعض الموظفين الذين هم من خارج المنطقة ولا يعرفون الصيد اما المحترفون الحقيقيون لصيد الاسماك فيتوغلون داخل الأهوار إلى أماكن بعيدة ومعزولة تكون الحركة فيها محدودة ونادراً ما يصل إليها الإنسان . أما الصيادون فيبذلون جهود كبيرة لحين العثور عليها وتعرف هذه الأماكن محلياً بـ ( التهل ) وهي أشبه بالكلك الطافي فوق سطح الماء ، تتكون بسبب تراكم النباتات الطبيعية التي تتهشم بفعل الرياح ، وتبقى مكدسة في مكان واحد فوق سطح الماء ، لأن المياه راكدة تقريباً . وبمرور الزمن تصبح طبقة صلبة وسميكة تتجمع تحتها الأسماك بكميات كبيرة ونوعيات جيدة ومن الحجم الكبير طلباً للدفئ في فصل الشتاء لأن الأسماك تتعرض للبرد كما يتعرض الإنسان . و حياة هؤلاء الصيادين اشبه بحياة العسكرية فهم يقيمون هناك فترة طويلة من الوقت و يزورون عوائلهم من خلال اجازات دورية بين فترة واخرى ، يتعاملون مع وسطاء يجهزونهم بكل ما يحتاجون اليه من طعام وكساء وسكائر وشاي وعدة الصيد ... الخ ويقومون بنقل السمك بواسطة الماطورات إلى مدينة البصرة ومدن اخرى ، بعد تبريده بطريقة بدائية من خلال وضع الثلج عليه وتعمل النساء والرجال الكبار في صناعة الحصران في حين يقوم الشباب بتوفير القصب لهم من اعماق الهور ويعمل آخرون بتربية الجاموس وبيع منتجاته من الحليب ومشتقاته اغلب الشباب متخلفون عن الخدمة العسكرية لذلك لا يستطيعون العمل داخل المدن خوفا من مطاردة الانضباط العسكري، ونسبة الامية عالية جدا بينهم، والمؤسسات الصحية محدودة، والتوعية الصحية نادرة جدا ، وغالبا ما يلجا المرضى إلى السادة او الأضرحة المنتشرة في المنطقة للاستشفاء.أما الدواء فأكثر الأحيان يكون بواسطة الكي بالنار أو استعمال بعض الحشائش والنباتات الطبيعية أو عن طريق الحجم أو اللجوء الى السادة لقراءة الآيات القرآنية وكتابة الأدعية .واخيراً جرى حديث عن النشاط السياسي في المنطقة وعن الصراعات الدائرة بين الاحزاب السياسية خاصة بين الشيوعيين والبعثيين وضربا ا مثله عديدة على ذلك وختما حديثهما كونهما من انصار الزعيم عبد الكريم قاسم لكي يقطعا طريق المناقشة وللتحوط منا,
وصل الزورق مدينة الجبايش مساءاً وتوقف عند الكورنيش المعد لترسوا الزوارق عنده و كان وقوفه مقابل المدرسة حيث لا يفصلك عنها اكثر من مسافة عبور الشارع توجه نحو الزورق عدد من الشباب كانوا صدفة جالسين على الكورنيش يستمتعون بالمناظر الجميلة والنسيم العليل في تلك الليلة الخريفية بعد ان استنهض اصحاب الزورق همتهم قاموا بنقل الأمتعة من الزورق ووضعها على الكورنيش وبعدها إلى المدرسة بعد ان عرفوا ان المجموعة التي يقلها الزورق معلمون منسبون إلى المدرسة يتقدمهم فراش المدرسة الذي كان موجودا بين الشباب وبعد انجاز المهمة توجه الفراش مباشرة إلى بيت مدير المدرسة واخبره بالأمر.
حضر مدير المدرسة رحب بنا وطلب منا المبيت في ادارة المدرسة بعد ان رفضنا مرافقته إلى البيت وفي اليوم التالي اشار المعلمون والمدير علينا بمقابلة القائمقام لاستحصال موافقته بالسكن في احدى الدور العائدة للإدارة المحلية والتي كانت غير مشغولة من قبل أي احد وفعلا وافق القائمقام على الطلب واستغل وجودنا عنده ليخبرنا بوصول برقية من مديرية امن الناصرية تمنع علينا مغادرة المدينة لاي سبب كان الا بأذن منه واجهتنا في البداية صعوبات عديدة لعدم وجود الاسرة والافرشة والاغطية وحاجيات اخرى غير متوفرة في سوق المدينة الأمر الذي يتطلب شرائها من البصرة باعتبارها الاقرب والاسهل علينا. وفر لنا زملاؤنا المعلمون والمدير بعضا منها بشكل مؤقت لحين موافقة القائمقام الذي دخلنا في مفاوضات معه واخيرا وافق على طلبنا بعد عدة ايام وبتأثير من قبل مدير المدرسة أيضاً الذي تربطه به علاقات جيدة على شرط ان يرافقنا بالسفرة احد مفوضي الشرطة .
كانت مدينة الجبايش او ما يطلق عليها ( بندقية العراق ) او ( المشتى العراقي ) لما تتمتع به من جو دافئ في فصل الشتاء فيما لو قيس بالنسبة إلى مناطق الجنوب الاخرى ويعتقد الجميع سواء من المسؤولين او من ابناء المدينة خاصة المتعلمين منهم ان الدولة في حالة اهتمامها بالمنطقة واعدادها اعدادا جيدا كمنطقة سياحية لاصبحت احدى المشاتي المهمة التي يتقاطر عليها السياح من جميع انحاء العالم لانها تتمتع بمناظر جميلة وخلابة فهي عبارة عن بقعة خضراء في مسطح مائي واسع تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات فيها شارع واحد يسمى شارع الكورنيش يبلغ طوله بحدود ( 600-700 ) متر تتراصف على واجهته الأبنية الحكومية ( البلدية ، القائمقامية، المدرسة الابتدائية ومحلات تجارية على امتداد الشارع في الجهة المقابلة للكورنيش ومن المفارقات ان هذه المحلات تحوي مواد مختلفة بل ومتناقضة في بعض الاحيان ، فمثلا توجد في المحل التجاري الواحد ( اقمشة ، ماكنة خياطة ، حبوب ، تمر ، فاكهة ، عطارية ) وقد علق احدهم على هذه الحالة كونها ( خرج عطار ) ويقطع الشارع الرئيسي عدة قنوات تجري فيها المياه من النهر إلى الهور ، نصبت عليها القناطر لمرور المشاة ، تعرف واحدة منها باسم (قنطرة كامل قزانجي) - وهذه التسمية تعود إلى ان هذا المحامي القدير والمناضل المعروف وشهيد الوطن فرضت عليه الإقامة الاجبارية في مدينة الجبايش انتقاما منه لمواقفه الوطنية وفضحه للدسائس التي كانت تحاك في الخفاء لانضمام العراق إلى ما سمي اخيرا ( بحلف بغداد ) وصادف في تلك الفترة حصول فيضان عام 1954 ، وبعد ان اجتاحت المياه المدينة اتخذ من القنطرة مكانا له لهذا بقي هذا الاسم ملاصقا بها ، ومن حق هذا الرمز الوطني الكبير علينا ان نعرّف الناس ببعض مواقفه الكثيرة فقد اغتالته ايادي المتآمرين القذرة بعد اعتقاله ووضعه بالقلعة الحجرية بالموصل اثناء مؤامرة الشواف يوم 9 / 3 / 1959 كما اغتالت زميله المحامي القدير والوجه البارز في حركة السلم العراقية الشهيد ( توفيق منير ) نفس الايدي الملطخة بالدماء يوم 8 / 2 / 1963 ومن المعروف ان الشهيدين اسقطت حكومة نوري السعيد عنهما الجنسية العراقية وابعدا عن الوطن عام 1956 إلى تركيا واصرا على ان يأخذا حفنه من تراب الوطن معهما وعند عودتهما إلى الوطن عادت معهما نفس الحفنة من التراب بعد ثورة 14 تموز 1958 وهكذا كانت مكافئة المتأمرين لهذين العلمين البارزين القتل بهذه الطريقة الوحشية وكما ترون كيف تعامل المجرمون السفاحون مع احرار العراق خلال عقود من الزمن - .
ان عدد دور السكن في المدينة قليل جداً لان مساحة اليابسة محدودة نصفها مبني من القصب الممزوج بالطين والنصف الاخر يتراوح بين الطابوق واللبن والطين ،أضافه إلى عدد من الدور تابعه للإدارة المحلية يشغلها الموظفون من خارج المدينة ،والثقل السكاني موجود بالمناطق المحيطة بالمدينة داخل الهور تتناثر بيوتهم وكأنها روابي تحيط بها المياه من جميع الجهات لدرجة ان التنقل من بيت لاخر يتم عن طريق المشاحيف الصغيرة ، والأرض التي شيدوا بيوتهم عليها من صنع أيديهم فهي بالأساس مغمورة بالمياه لذلك يقومون أولاً بتحديد مكان البيت ثم يكدسون فيها كميات من القصب والبردي وهذا يسمى بـ(الجباشه ) .وتثبت هذه الجباشة من جميع الجوانب بحزم من القصب لكي لا تجرفها المياه بعدها يدوسون على الجباشه بأرجلهم ويمزجون معها كميه من الطين لكي تتماسك وتستمر الاضافات عليها سنوياً لكي تبقى أعلى من منسوب مياه الهور. وجميع هذه البيوت مبنيه من القصب والحصران والبردي . كما يخصصون مكان منعزل للحيوانات ،وفي عام 1961 طالبت مديرية الادارة المحلية في الناصرية الأهالي بدفع ضريبه على القطع السكنيه ،امتنعوا عن دفعها لانهم صنعوها بأيديهم ،ووقفت بلدية الجبايش إلى جانبهم وفعلا ألغيت الضريبة ، يمتهن عدد غير قليل من أبناء الجبايش مهنة صيد الأسماك . لهذا فأن المنطقة تصدر كميات كبيرة منه الى البصرة وبغداد وحتى دولة الكويت بواسطة الماطورات رغم منع تسويقه لأن الإجراءات الحكومية في ذلك الوقت تقضي بأن تكتفي المنطقة من أنتاجها المحلي أولاً ويسوق الفائض عن الحاجة الى المناطق الأخرى . إلا أن الأجهزة الإدارية تسمح لهم بتصديره مقابل رشوة تدفع عن كل ماطور . ومن أجل أشعار أبناء المدينة بأن السلطات المحلية جادة وحريصة على تطبيق القانون وبالاتفاق مع الصيادين . تجلب الشرطة يومياً واحداً من الماطورات المحملة بالسمك وتبيعه في السوق بأشرافها بالتسعيرة الرسمية حسب مكيال خاص يعرف بـ(الوجيه) وهو ما يساوي ثلاثة كغم بسعر (70) فلساً وتعمل أغلب العوائل في الهور وأطراف المدينة بحياكة الحصران التي تصدر كميات كبيرة منها إلى جميع أنحاء العراق وتبيع النساء في سوق المدينة الحليب ومنتجاته من اللبن والجبن المعمول على شكل ضفائر جميله .
لقد عودتنا الحياة ان المشاكل لا تنتهي ابدا فما ان تحل مشكلة حتى تجد اخرى بانتظارك والمشكلة هذه المرة هي كيفية اعداد الطعام رغم توفر المواد الغذائية بشكل كبير ونوعية فاخرة وباسعار رخيصة جدا ولكن ما العمل ؟ فليس لدينا اية خبرة في اعداد الطعام ، خاصة وان المادة الرئيسية والتي لا يخلو أي بيت منها يوميا هي السمك والطيور وطبخها يحتاج إلى مهارة خاصة في التنظيف والاعداد ولابد في هذه الحالة من الاستعانة بشخص للقيام بهذه المهمة وبعد جهد توصلنا ومن خلال المعلومات التي زودنا بها احد المعلمين إلى امرأة كبيرة السن ( من الاخوان ذوي البشرة السوداء ) تعمل في بيت مدير الشرطة باجر شهري قدره 750 فلسا وظهر ان لديها الوقت الكافي للتوفيق في عملها بين الاثنين وبعد مفاتحتها وافقت على العمل باعداد الطعام وتنظيف البيت وغسل الملابس باجر شهري قدره دينار واحد وتقديرا للجهود التي تبذلها حرصناعلى تزويدها يوميا بحزمة من السكائر من النوع الذي تستخدمه العجائز دائما والذي يعرف ( سكاير مزبن ) وهذا خارج الاتفاق وبعد بضعة ايام من وجودها اخذت العلاقة تتحول من علاقة عمل إلى علاقة بين ام وابنائها واتفقنا على تسميتها الام تيمناً بالأم الروسية بطلة ( رواية الام ) للكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي فقد احبتنا واحببناها كثيرا لأنها تبذل المستحيل من اجل خلق وضع مريح في البيت لذلك تجدها تنظفه بشكل جيد وترتب الحاجيات بوضع كل منها في المكان المناسب وتهيئ لنا طبخة لذيذة ونظيفة غالبا ما تكون من السمك او الطيور ، وتحرص على استخدام كل المواد التي تجعل مذاق الطعام حلوا دون ان تكلفنا بشرائها وانما تحصل عليها من زوجة معاون الشرطة ولم تكتف بهذا بل تعمل كل ما باستطاعتها من اجل تخفيف المصاعب والمشاكل التي تواجهنا لاننا عشنا في البداية عيشة القلعة المحاصرة للمراقبة الشديدة التي تعرضنا لها في البيت والمدرسة الأمر الذي خلق حالة من الخوف والحذر بين ابناء المدينة في التعامل معنا. ووصل الأمر لدرجة ان اختلاطنا باهالي المدينة اقتصر على ثلاثة اشخاص فقط وهم نوعية خاصة . ( الاولى أمراة متخلفة تدعى (تبينة) عمرها يتجاوز الـ(50)عام ,طويلة القامة نحيلة الجسم ، اقرب إلى الرجل منها إلى المراة ,تمشي حافية القدمين باستمرار ، ترتدي دشداشة سوداء و معطف قديم ، من معاطف شرطة ايام زمان ، تحلق شعر راسها( نمرة صفر)، وتغطيه بقطعة قماش سوداء غير نظيفة، تقاطيع وجهةا غير متناسقة ، لم يبقَ من اسنانها سوى بضعة اسنان.كانت ترافقنا يوميا وتسير معنا في شارع الكورنيش ، وتجلس معنا في احد المقاهي الواقعة على طرفي الشارع والتحدث حول امور كثيرة.تعمل خادمة في احد البيوت ، لقاء اطعامها و اسكانها .لقد قضينا معها وقتا" ممتعا" تعرفنا من خلاله على هذا العالم الخاص، وطبيعة تفكيره، وطموحه، ورغباته الخاصة، و نظرته إلى المجتمع، وكان بمثابة عتب واحتجاج صامت على ابناء المدينة الذين قاطعونا . والآخر شاب متخلف ومعوق في احدى يديه واحدى رجليه ، فضلا عن انه اصم وابكم ،هوايته الوقوف إلى جانب شجرة السدر التي تنتصب امام بيتنا ، للحصول على بعض ثمارها والذي يعرف بـ(النبق) ويبذل محاولات كثيرة وشاقة إلى ان يتمكن من الحصول عاى واحدة منها .حاول احدنا التحرش به من خلال مخاتلته و اخذ (النبقة) بعد سقوطها من الشجرة مما ادى إلى الدخول في صراع مرير يتخلله الصراخ والزعيق ، ولا ينتهي الا بتسليمها اليه. تطورت هذه العلاقة بينهما إلى صداقة حميمية بحيث لا يستطيع احدهما الاستغناء عن لقاء الاخر وممارسة العاب كثيرة منها لعبة (الدعبل)،ومن الصعب وصف ردود فعل الشاب المعوق تجاه الغش باللعب الذي يمارسه صديقه المعلم متعمدا".
اما الثالث فهو شاب تجاوز عمره الثلاثين عاما"، مصاب بلوثة عقلية يصل صباح كل يوم إلى المدينة لان عائلته تسكن داخل الهور ، يجلس في شارع الكورنيش قرب المدرسة ، ينتظر توزيع التغذية المدرسية على التلاميذ ، لياخذ نصيبه منها، هادئ الطبع ، همه الأول والأخير ان يملأ معدته ومن المستغرب ان الابتسامة لا تفارقه دائما".نقضي فترة الفرص بين الدروس والدروس الشاغرة في الحديث معه. حاول احدنا تكوين علاقة بينه وبين (تبينة)، وفعلا"انسجم الاثنان ، لدرجة انه كان يعطيها قسم من المواد الغذائيةالتي يحصل عليها ،ويبقي حصتها على حدة في حالة عدم وجودها وينسجم مع المعلم ويهتز طربا" عندما يردد له اغنية .
على درب اليمرون اريد اكعد ونادي
متى أحبابي يعودون متكلي يحــادي

لقد التقطت لهؤلاء الثلاثة عشرات الصور وبأشكال مختلفة الا ان حياة التشرد ادت إلى ضياعها). ولم تقتصرالمعانات بهذا الحد وانما حزّ في انفسنا استدعاء احدنا المدعو ( عبد رسن)من قبل المجلس العرفي العسكري والحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة اشهر مما ترك تأثيره السلبي هو الاخر علينا .

يتبع


¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 11/2/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة