ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 35 )
تطور في العمل العسكري
العمليات المشتركة والخاصة بانصارنا
1. تقدم الجيش والجحوش على مقر سيدرة ( حدك ) ومقر مراني لحزبنا
استلمنا معلومات تؤكد استعدادات السلطة لشن حملة عسكرية ضخمة باتجاه مقرات الپيشمرگه والانصار ( مقر محلية الشيخان في " سيدره" ومقر الفوج الاول لانصارنا في "مراني"). وتعززت تلك المعلومات بعدما بدأت القطعات العسكرية والجحوش معززة بالدبابات والمدفعية الثقيلة تتحشد في منطقة " اتروش".
في بداية كانون الثاني 1987 تقدمت تلك القوات على محورين. الاول باتجاه قرية "نصره وربتكي" وصولا الى قرية "كفركي" للسيطرة عليها. والثاني باتجاه قرية "شيليا" وصولا الى قرية "كانيكا" للسيطرة على قمة الجبل والقلعة "قلعة كانيكا" المطلة على منطقة برواري ﮋيري، لتصبح مقراتنا بعد ذلك هدفا سهلا للمدفعية الثقيلة.
قررنا في الحال ارسال تعزيزات الى الفوج الاول من سرية مقر القاطع ومن الفوج الثالث بأمرة الرفيقين ابو ايفان وابو ليلى.
اتخذ الانصار و الپيشمرگه من سلسلة جبل "كفركي" وقمة "كانيكا" خطا دفاعيا لصد التقدم. وقد حدثت عدة مواجهات ومعارك بطولية في اطراف قرية كفركي، تمكن فيها الپيشمرگه والانصار من انزال خسائر كبيرة بالجحوش. الا ان كثافة القصف المدفعي كان يعرقل تقدم الانصار. وفي كانيكا استطاع الجحوش التسلل الى القلعة تحت ستار من الضباب الكثيف، ليسيطروا عليها وليباغتوا انصارنا. فسقط اثناء المواجهة الشهيد فارس جرجيس عيسى (جنان) ، ثم انسحب الرفاق بعد ان قاموا بسحب الشهيد الى مواقعهم الخلفية.
وتحت ضغط تقدم الدبابات والقصف المدفعي المكثف وضخامة القوات المهاجمة، اضطر الانصار و الپيشمرگه الى الانسحاب من مواقعهم نحو مواقع اخرى لضمان حماية المقرات. بينما استمر تقدم القطعات المهاجمة نحو سلسلة جبل "شكفتي" المطلة على مقر حدك في "سيدره" ولتسيطر على الطريق الواصل الى منطقة الزيبار.
قررنا التوجه الى الفوج الاول للاشراف ميدانيا على المعارك الدائرة هناك. تحركنا باتجاه قرى "بري كارا" على امل العبور نحو مقرنا في "مراني" استغلالا للوقت ، حيث إن الطريق لا يستغرق الا ساعات قليلة. و لكن كثافة الثلوج حالت دون عبورنا ، فاضطررنا الى الإلتفاف قليلا عن طريق "كافية" ومنها الى "مراني". وقد إاستغرق هذه الالتفاف قرابة 12 ساعة اضافية من السير.
في الساعة 12 ظهرا وصلنا "كافية" واتصلنا بالرفاق في الفوج الاول لنبلغهم باننا نتوجه اليهم. وتحركنا بالفعل بإتجاه " مراني " فوصلنا مساءا قرية " اشرتي " التي تبعد 4 ساعات عن المقر. ومن أجل تجنب الكمائن، قررنا عدم الاستمرار في السير ليلا ، خاصة بعد تدقيقنا في سير المعارك ، وإتضح لدينا ان قوات السلطة قد سيطرت على سلسلة " شكفتي" واصبحت بذلك تسيطر على طريق " سيدره – مراني ".
في الصباح تابعنا السير، واثناء ذلك التقينا بمجموعة من عوائل انصارنا وبنصير مراسل يحمل رسالة مكتب الفوج الاول تخبرنا بضرورة العودة لان الطريق مقطوعة اليهم، وان القطعات العسكرية تحكم طوق حصارها على المقرات.
توجهنا نحو قاطع اربيل، ومن هناك تمكنا من الاتصال بقيادة الفوح الاول. في الثانية عشر ليلا اتصلوا بنا ثانية من خلال مكتب القاطع لابلاغنا بمقترح الانسحاب. ويبدو ان الرفيقين ابو ايفان وابو ليلى كانا يعارضان ذلك المقترح ، ويقترحان بالمقابل مواصلة القتال.
تدارس مكتب القاطع الاوضاع والمقترحات بسرعة ، واصدرنا قرارنا في تلك الليلة بالانسحاب. و تم ابلاغ مكتب الفوج على ان يتم الانسحاب بحدود الساعة الثالثة فجرا وبالاتجاه الذي يرونه مناسبا وبدون خسائر. وفعلا تمكن انصارنا من عبور الثلوج الكثيفة في گلي افوكي ليجتازوا جبل گارا نحو منطقة بري گارا وبدون خسائر.
دخلت القوات الى المقرات واحرقت بعض الغرف، لتنسحب معتبرة ان مهمتها قد انتهت. فعاد رفاقنا مباشرة الى المقرات.لقد تمكن مكتب الفوج الاول بقيادة الرفيق ملازم هشام من خوض معارك بطولية ناجحة، استطاع الانصار من خلالها توجيه ضربات موجعة بالقوات المهاجمة و بدون خسائر كبيرة. اذ كانت الخطط مبنية على الدراسة الميدانية والجماعية، وعلى استشارة مكتب القاطع بإستمرار. وبفضل تخلصهم من الممتلكات الثقيلة بإخفائها، وارسال عوائل بعض الانصار الى خارج المقر قبل احكام الحصار عليهم، فقد أصبح من السهل إنجاز مهمات الانصار القتالية، ومن ثم انسحابهم بنجاح ومرونة.
2. مانكَيش تحت سيطرة الپيشمركَه والانصار لمدة ثلاثة ايام
على اثر الانكسارات التي تلاحقت على القوات العراقية على جبهات الحرب، وقيام ايران بإحتلال الفاو وهرب الاف الجنود والتحاق عدد منهم بالحركة المسلحة الكردية ، باشر بعض رؤساء الجحوش بالتقرب من حدك لمد الجسور والاحتياط لكل التطورات.
وفي اوائل 1985 بادر جعفر بيسفكي - احد رؤساء الجحوش - الى مد الجسور مع حدك وأخذ يبتعد تدريجيا عن مسؤولي السلطة في المنطقة. ويبدو ان معلومات حول ذلك قد وصلت الى السلطة، فتم استدعائه للالتقاء بقائد الفيلق في كركوك ، فرفض جعفر الذهاب. كلفت السلطة احد اقرب اصدقائه ( محمد كلحي) لاقناعه ومرافقته الى كركوك ، فوافق جعفر شريطة ذهابهما ورجوعهما معا.كان جعفر قد اتفق مع اخيه "سيف الله" وابنه" آزاد" وبقية المقربين اليه على التمرد ضد السلطة والالتحاق بالحركة المسلحة الكردية في حالة اعتقاله في كركوك.
وبمجرد رجوع " محمد كلحي " لوحده يوم 13/5/ 1985، اعلنت قوة جعفر تمردها واتصلت مع الپيشمرگه للتنسيق من اجل السيطرة على مانكيش . حشّد حدك قواته لدخول البلدة يوم 14/5 وفي نفس اليوم دخلت السرية الثالثة لانصارنا يقودها الرفيق وردا اوديشو(ملازم ابو ميسون). ثم وصلت السرية الاولى يقودها الرفيق سلام العبلي (ملازم نعمان) في حين تأخرت السرية السابعة ولم تستطع دخول البلدة حتى اليوم الاخير 17/5.
بقيت مانكيش لثلاثة ايام تحت سيطرة الپيشمرگه الذين غنموا معدات عسكرية كبيرة منها ثلاث مدرعات ( كانت واحدة منها من حصة انصارنا حيث نقلت الى مقر الفوج الثالث ).
وكان طبيعيا جدا ان لا يتمكن الپيشمرگه والانصار من الاحتفاظ ببلدة مثل مانگيش الواقعة وسط منطقة سهلية تحيط بها الجبال من الجنوب ومفتوحة من بقية الجهات ويخترقها طريق معبد ينطلق من زاويته وصولا الى زاخو والعمادية شمالا ، وطريق اخر معبد الى سواره توكه.
إستعدت السلطة لحملة ضخمة لاستعادة السيطرة على مانگيش. فتقدمت الدبابات يرافقها قصف مدفعي مكثف وتدعمها الطائرات. واستطاعت لدبابات دخول البلدة بعد انسحاب الپيشمرگه والانصار واتباع جعفر بيسفكي الذين التحقوا جميعا مع حدك، وكان عددهم اكثر من 500 مسلح.
3. اقتحام ربيئة السن الصخري ـ زاويتة
قرر مكتب الفوج الاول (قاطع بهدينان) القيام بعملية اقتحام ربيئة قرب " زاويته " تسمى ربيئة " السن الصخري".
في ليلة 16-17/12/ 1986، قامت قوة من انصار السريتان الثانية والرابعة التابعتان للفوج الاول بتنفيذ العملية الجريئة وفق طريقة التسلل بهدوء. واستطاع انصارنا الوصول الى الساتر الخارجي بعد عبورهم حقول الالغام المحيطة بالربيئة. وفي الساعة الثانية عشر والنصف ليلا قام الانصار بهجوم مباغت وسريع على الحرس وتم اسرهم وتجريدهم من السلاح. ثم توزعت القوة الى اربعة مجاميع نفذت واجباتها بشجاعة، واسرت جميع افراد الربيئة ( 15 عسكريا )، وانسحبت بعد ذلك مع الاسرى والغنائم الى المواقع الامنة، حيث تم اطلاق سراح الاسرى جميعا. اما الغنائم فقد كانت قناص روسي " ازفيديا " مع خمسة مخازن و1500 اطلاقة و 13 بندقية كلاشنكوف مع مخازنها إضافة الى جهاز لاسلكي تومسون وجهاز لاسلكي شنوا مع تلفون و2 لوحة للطاقة الشمسية مع صندوق قنابل يدوية و مولد كهربائي و جهاز تلفزيون ملون.
كانت هذه العملية باكورة عمليات نفذها انصارنا في مجال اقتحام الربايا. وتبعها قيامهم باقتحام مقرات الافواج، ليؤشر ذلك الى نهوض كبير في العمل العسكري. ورافق ذلك بالمقابل تدني واضح في معنويات القطعات العسكرية والجحوش.
ان المواقف البطولية وصمود الانصار والبيش مركة في مواجهة حملات السلطة وتقدماتها على المنطقة ، ترك اثره البالغ في تقوية وتعزيز معنويات الانصار واستعداهم للانتقال الى اسلوب الهجوم على مواقع السلطة .. ومنذ ذلك الحين شهدت بهدينان انتصارات كبيرة استمرت حتى حملة الانفال ...
4. اقتحام فوج سوتكي
يعسكر فوج سوتكي في منطقة "برواري بالا" على طريق ناحية "كاني ماسي" – "بيكوفا" وتحديدا قرب قرية "رفينه". وتحيط بالفوج عدة ربايا للجحوش من شماله وجنوبه وتسيطر على المرتفعات المحيطة به. اما مقر الفوج وبناياته فتقع في قرية "رفينه". ويخيل للمرء وهو يلقي نظرة على موقع هذه التشكيلة العسكرية انه من الجنون بحق مجرد التفكير بالاقتراب منه، ناهيك عن اقتحامه دون حيازة مدفعية قادرة على تدميره ومن ثم اقتحامه بالاليات.
تم الاتفاق على تشكيل قوة مشتركة من پيشمرگه حدك يقودها "سيد صالح " وقوة من انصارنا يقودها ابو ايفان للسيطرة على الفوج.
دُرست كل المعطيات والاستطلاعات بشكل دقيق وتقرر اعتماد خطة للاقتحام ترتكز على عنصر المباغتة.
تحركت القوة نحو هدفها، وتوزعت الى عدة مجاميع اتخذت مواقعها القريبة من الربايا لشل حركتها اثناء الهجوم على مقر الفوج. اما المجموعة الرئيسية فقد توجهت نحو المقر بهدوء تام. و تمكنت بشكل مباغت من السيطرة على المقر واسر جميع من فيه من الضباط والجنود دون اية مقاومة. وبنفس الاسلوب تحركت بقية المجاميع لتفرض سيطرتها على اهدافها وتأسر 43 من الجحوش في الربايا استسلموا بمجرد معرفتهم بسقوط مقر الفوج.
كانت غنائم البيش مركة والانصار قرابة 200 بندقية من مختلف الانواع. وانقطع الطريق العسكري الى ناحية " كاني ماسي ". وحاولت قوة عسكرية كبيرة معززة بطائرات عمودية اعادة فتح الطريق، لكنها جوبهت بمقاومة الانصار الذين تمكنوا من اسقاط احدى الطائرات عند قرية "تاشيش". وبعد اسبوع كامل من القتال اعادت السلطة سيطرتها على الطريق.
5. احتلال فوج مطار بامرني
يقع المطار العسكري جنوب قرية "بامرني" في السهل الواقع بين جبل گارا وجبل متين. وتحيط بالمطار من الغرب بعض التلال ، و تقع في وسطه بناية برج المراقبة ودائرة المطار، والى الشرق تقع بناية مقر فوج الحراسة التي تشغلها سرية من الجحوش. وتحيط بالمطار 14 ربيئة جحوش، اضافة الى سرية عسكرية تشغل برج المراقبة مع مدفع هاون 82 ملم ومدعومة بمدرعتين.
بعد استطلاع الفوج، تقرر تشكيل قوة مشتركة قوامها (150) مسلحا من پيشمرگه حدك وانصار حزبنا مجهزين ب (30) قاذفة RPG7. وحددت المواقع بدقة وفق خطة محكمة ركزت على المواقع التالية :
1. خمس ربايا موزعة على سلسلة الجبل جنوب قرية بامرني وتشرف على المطار من شماله. و تم تكليف انصارنا بالسيطرة عليها.
2. ربيئة شمال شرق المطار تطل على الطريق، و تم تكليف قوة مشتركة للسيطرة عليها.
3. ربيئة جنوب المطار تقتحمها قوة مشتركة.
4. مقر الفوج وفيه سرية جحوش. و تم تكليف مجموعة من البيش مركة للسيطرة عليه.
5. ثلاث ربايا على تل غرب المطار تقتحمها قوة مشتركة .
6. بناية المقر وشخص لها ثلاثون مقاتلا بقيادة سيد صالح وابو ايفان، وزودت بعشر قاذفات RPG7 .
كانت اشارة البدء عند مباشرة القوة الرئيسية هجومها على بناية المقر.
توجهت كل المجاميع الى مواقعها المخصصة لها بهدوء منطلقة من جبل گارا. وتمكنت القوة الرئيسية من الوصول الى الساتر الامامي. وفي لحظة واحدة انطلقت عشر قذائف RPG7 نحو الهدف أثارت ارباكا كبيرا، ولتعلن بدء المعركة. دامت المواجهة عند الهدف الرئيسي حوالي نصف ساعة، ليعلن بعدها الضباط والجنود استسلامهم. اما مقر الجحوش فقد استمر بالمقاومة 45 دقيقة قبل اعلان استسلامه، وهناك استشهد احد أفراد پيشمرگه حدك.
تم اسر (60) فردا من العسكريين والجحوش. وغنم الپيشمرگه والانصار 250 قطعة سلاح مختلفة مع مدفع هاون 82 ملم ومدرعتين وعدد من السيارات بالاضافة الى مبلغ 35 ألف دينار. في اثناء المعركة، لم تجرأ القوات العسكرية المرابطة في سرسنك على التحرك لنجدة القوات في المطار. ولم تتمكن قوات السلطة من الرجوع لتشغل الموقع الا بعد اسبوع كامل.
يتبع¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |