ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(24)

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الرابع)
(6)

وصل الرفيق الراحل صالح مهدي دكله إلى الناصريه في النصف الثاني من أيلول 1967 وهو في طريقه إلى بغداد لحضور الاجتماع الطارىء للجنه المركزيه ،الذي عقد على الفور لمعالجة الانشقاق الذي اعلن عنه ، في بيان يوم 17/ايلول /1967 وركز في اللقاء السريع على شجب الانشقاق والحفاظ على وحدة الحزب .
لقد لعبت محلية الناصريه دوراً مهما في تعرية الحجج الباطله التي رددها المنشقون لتبرير عملية الإنشقاق منطلقين من مبدأ ثابت لدى الشيوعيين العراقيين كون الاخلال بوحده الحزب ، والعمل على شقها يعتبر خيانة للطبقة العامله وحزبها الشيوعي ،وان من اقدس المقدسات لدى الشيوعيين الحفاظ على وحدة حزبهم ،ومما ساعدنا على ذلك جملة أمور أبرزها ، النشاطات الثوريه مثل أنتفاضة فلاحي الغموكه ،والتحرك الفلاحي في الخميسيه ،وتشكيل الفرق المسلحه وهي الامور التي زايد عليها المنشقون ،والاسراع في توزيع بيان الحزب الذي صدر عن الاجتماع الطارىء للجنه المركزيه ،ورسالة الرفيق جندل التي فضحت أساليب القرصنه التي مارسها المنشقون سواءأ في أعتقال أثنين من قادة الحزب (زكي خيري ) و(بهاء الدين نوري ) . ووضع الحراسات عليهما وأتباع أساليب بعيده عن المبادىء السياسية والإنسانيه في التعامل معهما ، وفي نهب بعض ممتلكات الحزب أضافه إلى أشغال المنظمه في مناقشة مسودة البرنامج وتقييم سياسة الحزب ،ولهذا لم يلتحق أي رفيق من الناصريه مع المنشقين في البداية لانهم لمسوا مدى جدية الحزب في عقد المؤتمر ،وان دعوات قائد المنشقين (عزيز الحاج رمزي ) ،ما هي الا دعوة حقٍ اريد بها باطل خاصة بعد ان علموا انه ساهم مساهمة كبيرة في أعداد وثائق المؤتمر وتبين للجميع انه لجأ إلى الانشقاق ليس لكون الحزب يماطل في عقد المؤتمر كما يدعي وإنما لخوفه من تعريته وجماعته وتعرية أساليبهم اللامبدئيه في حالة عقده.
كان من بين قرارات الاجتماع الطارىء للجنة المركزيه بعد الانشقاق ،المباشره في التهيئه لعقد الكونفرنس الثالث للحزب عوضاً عن المؤتمر ،لهذا عقدت لجنة المنطقه الجنوبيه كونفرنساً ،بحضور الرفيق صالح مهدي دكله وممثلين عن تنظيمات البصره والناصريه والعماره ، أدان الكونفرنس الانشقاق بضعف وأطلق علينا في حينها (نصف منشقين) ،وجرى فيه أنتخاب قيادة المنطقه الجنوبيه ومندوبي الكونفرنس . أنتخبت عضواً في لجنة المنطقه، ومندوباً للكونفرنس الا انني لم أحضره لأعتقالي في الناصريه يوم 6/12/1967 قبل أنعقاده ببضعة أيام .
أن سبب أعتقالي يعود إلى أن أحد السجناء السياسين المدعو (عقيل حبش) الهارب من سجن الحلة ، لجا إلى بيت الرفيق ستار الذي كنت موجودا فيه بعد أن طاردته قوات الأمن ، وداهمت البيت مفرزه من الامن والشرطة وأعتقلتني مع صاحبه والرفيق محمد جواد الذي جاء لمعالجة الرفيق ستار ، في حين تمكن عقيل حبش من الإفلات منهم ، اقتادونا نحن الثلاثة إلى مديرية امن الناصرية وهناك علموا بأني محكوم غيابيا لمدة عشر سنوات .
تعرض الرفيقان ستار ومحمد إلى تعذيب وحشي في حين ما نالني شيء بسيط جدا ً ويعود ذلك لأني محكوم غيابيا وللتهديد الذي وجهة بعض الرفاق إلى مدير الامن مدعين انهم من الفرق المسلحة المتواجدة في الاهوار ولتكليف عريف الامن (محسن)بضربي وهذا الشخص هو الذي سبق ان رافقني من الناصرية إلى السماوه عام 1961 كما ورد في الصفحات السابقة .
انفرد العريف معي في أحدى غرف الامن وبدلا من ضربي أنهال على الجدران والمنضده الموجودة في الغرفة بالضرب ،بعدها طرحني ضرباً مدعياً ان الاستمرار في ضربي سيؤدي إلى هلاكي ( . ولابد من الاشاره هنا إلى انني لمست خلال عملي الحزبي وتنقلي في مناطق عديده في الارياف والمدن ان الكثير من أبناء شعبنا ،ومن شرائح مختلفه ومهن عديده يتعاطفون معنا ويقدمون لنا المساعده عندما تحين الفرصة المناسبة رغم انهم بعيدون عن الحزب ، وفي ذهني الكثير من هذه المشاهد وهنا أدرج واحده منها - فقد زرت أحد زملائي المعلمين ممن كان على صلة سابقة بالحزب في بيته في مدينة الرفاعي بعد أطلاق سراحه واعادته إلى الوظيفة ،وأعطيته مجموعه من البيانات والجريده ،وقبل مغادرتي البيت بقليل ذهب الى زوجته في غرفة العائلة وعاد مسرعا وسلمني ثلاثة دنانير تبرعاً للحزب ،رفضت أستلامها لان وضعه الاقتصادي متردٍ ، ولم يستلم بعد أي راتب خاصة وانني سمعت أخذ ورد بينه وبين زوجته دون أن اتبين ما دار بينهما وقدرت انها أعترضت على تبرعه بالمبلغ والظاهر انه قدر سبب رفضي لاستلام المبلغ لذلك غادر الغرفة مسرعاً وعاد برفقة زوجته التي قالت لدينا خمسة دنانير وأراد أعطائك ثلاثه منها ، الاّ أنني طلبت منه أعطائك الخمسة دنانير بكاملها ،لاننا نستطيع تدبير أمورنا ، اما انتم كيف تدبرون أنفسكم -. أخذت المبلغ بعد أن كفكفت دموعي باستحياء لان الموقف على بساطته يعبر عن تضحيه ونكران ذات كبيرين وهذه الميزه غرسها حزبنا لدى عوائل رفاقنا وكل الظن أنها ستتعزز وتتطور على مر الايام والسنين وهذا هو السر في نهوض حزبنا ، رغم التصفيات العديده التي تعرض لها ).
وبعد أن عجزت دائرة الأمن من الوصول إلى خيط للنفاذ منه إلى المنظمة ، رغم التعذيب الشديد الذي تعرض له الرفيقان ، أستدعى مدير أمن الناصرية والدة الرفيق ستار ليلا إلى المديرية ، وحاول مساومتها لاطلاق سراح ولدها الذي كان ينزف دما بسبب الضرب الشديد الذي تعرض له وحياته مهدده بالخطر ،في أي لحظه لانه مصاب بمرض السل الرئوي مقابل ان تخبره عن وقت وصولي إلى البيت والفترة التي قضيتها عندهم والاشخاص الذين أتصلت بهم في البيت ،رفضت العجوز المساومة مدعيه انها أمرأة مؤمنه ولا يمكن ان تظلم بختها وتؤذي الاخرين ،ومما قالته امام المدير لقد وصل الرجل الذي وجدتموه في البيت لأول مره قبل ساعات ،ويدعي انه معلم جاء إلى الناصريه لمراجعة الدائره ،ولم نعرف عنه أي شيء ، ويدعي انه يعرف ولدي الكبير الذي أنتقل إلى جوار ربه ولا ادري كيف حفظت هذه الام المناضله كل هذا الكلام وبشكل دقيق ،لأني انا الذي ادليت بهذه المعلومات أمام المفرزه عند دخولها إلى البيت لكي يسمعها الاخرون من أجل تطابق الافادات.
لم تتوقف الاجراءات الأمنية عند هذا الحد بل قاموا بالاغاره على البيت عدة مرات لتفتيشه ، كنا نعيش أنا والرفيق ستار حاله من القلق الشديد لوجود مخبأ في البيت فيه كل الوثائق الحزبيه ، خاصة أستمارات الجرد التي أعدتها المنظمه بعد الانشقاق بقرار من الحزب لكل رفيق تتضمن ، اسمه الصريح وعنوانه الكامل ومهنته وأسمه الحزبي ومعلومات وافيه عن تأريخ أنتمائه للحزب ودرجته الحزبيه ، وابرز نشاطاته ،أي بعباره أخرى تقديم كل الرفاق في الناصريه وبدون أستثناء لقمه سائغه للامن وبدون عناء ان عثروا على المخبأ ،الا ان ما لم يكن في الحسبان جاء هذه المره من زوجة الرفيق ستار فقد أخرجت كل الوثائق من المخبأ وتوجهت بها إلى الريف حيث تسكن عائلتها ،ووضعت الوثائق في عدة أكياس نايلون خوفا عليها من التلف ،وطمرتها في حفره دون ان تشعر احدا من إفراد عائلتها وبذلت جهود كبيرة لأيصال هذه المعلومه الينا .
بعد اعتقالنا بعدة أيام وصل إلى الناصريه حسين ياسين الذي هرب من سجن الحلة وألتحق بالمنشقين ،وضموه بصفة مرشح إلى قيادتهم وأوكلو له مهمة قيادة العمل المسلح في أهوار الناصرية وكانت باكورة أعماله المسلحة في أهوار الغموكه ،عمليه بائسه واحده ذهب ضحيتها المناضل المعروف خالد احمد زكي مرافق الفيلسوف البريطاني ( رسل ) رئيس لجنة الدفاع عن الشعب العراقي أبان محنة شباط ،والذي قدم من أوربا وأرسل مباشرةً إلى هور الغموكه – بهذه الاعمال الارتجاليه أراد عزيز الحاج ورهطه أسقاط الدكتاتوريه وأقامة نظام ديمقراطي شعبي وصولاً للأشتراكيه والشيوعيه ، اما القاعده التي بقيت مرابطه في الهور فقد ذبحت على يد المنشقين أنفسهم بالتعاون مع الاجهزه الأمنية في الناصريه بينما أدعى ،عزيز الحاج رياءا ،انهم قتلوا على يد أهالي المنطقه في أعترافاته التي عرضها تلفزيون بغداد .
نقلت إلى سجن الحلة لقضاء محكوميتي فرفضتني ادارة السجن لانه تحول إلى سجن للعاديين فقط، بعد هروب السياسيين منه واودعوني لدى امن الحلة تعرفت هناك على الرفيق ( محمد حبيب ) وهو من اهالي ناحية المدحتية واحد الكوادر العاملة في ريف الفرات الاوسط وهو غيـر ( محمد حبيب ) الذي ساهم في انتفاضة الشهيد ( حسن سريع ) كما التقيت بالراحل ( معن جـواد )(1) معلم من اهالي المحاويل وهو احد الكوادر الحزبية العاملة في الفرات الاوسط ايضا وقضيت معه ايام جميلة رغم وجودنا في الموقف للانسجام الكبير بيننا .
بعدها سفرت من امن الحلة إلى الناصرية لتنسيبي من هناك إلى احدى السجون السياسية ، اشترك معي في ( كلبجة ) واحدة شاب صغير من البادية وخلال المسافة التي قطعناها إلى محطة قطار الحلة اصيبت يدي بجروح واضحة بسبب حركات غير طبيعية يمارسها هذا البدوي ، وبعد وصول القطار إلى المحطة والصعود إلى القاطرة المخصصة لنقل السجناء طلبت من الشرطي ان يربطني بالمقعد واكون مسؤولا عن البدوي لأني لا استطيع تحمل هذا الوضع لغاية الناصرية رفض الشرطي طلبي، كان في القاطرة مجموعة من السجناء السياسيين مسفرين الى سجن نقرة السلمان ، يتولى مسؤولية تسفيرهم رئيس العرفاء الذي سبق وان تعرفت عليه في موقف السراي ،وما ان لمحني في القاطرة حتى توجه نحوي ، وبعد المجاملات المتعارف عليها انّبَ الشرطي على عمله وطلب منه تحرير يدي من الكلبجة قائلا له ( ان هؤلاء ليسوا مجرمين انهم مناضلون شرفاء من اجلك واجلي واجل كل الناس الفقراء والمعوزين ولا يمكن ان يهربوا منا ويعرضونا إلى مخاطر، المفروض بنا ان نساعدهم قدر الامكان، وانا مسؤول عنه من الحلة إلى السماوة ، امتثل الشرطي للأمر وتعامل معي بكل لطف لغاية امن الناصرية ) .
بقيت انا والرفيق ستار عدة ايام في موقف ( سديناوية ) وكان معنا في الموقف كل من رزاق لفته وهو بعثي من جماعة احمد حسن البكر اصبح فيما بعد مرافقا لصالح مهدي عماش وعلي ماما احد ابرز شقاوات الكرخ والذي لعب دورا كبيرا في مطاردة البعثيين بعد انقلاب تشرين ، مما دفع اذاعة دمشق في برنامجها الموجه للعراق والذي يشرف عليه ابو عروبة إلى مهاجمته عدة مرات . حصلت مشادات بينهما انتهت بمعركة حامية جرح فيها رزاق لفته وابعد إلى موقف اخر. كان علي ماما يحدثنا عن اعتماد بعض المسؤولين على العصابات في حل الخلافات التي تحصل بينهم فان العصابه الفلأنيه هم جماعة شامل السأمرائي الذي كان وزيرا للداخلية في وقتها والعصابة الفلأنية تابعة إلى طاهر يحيى الذي يشغل منصب رئيس الوزراء وهكذا كان يجري استخدام هذه العصابات بعد تزويدها بالمبالغ الطائلة اثناء انتخابات المنظمات المهنية والنقابية ومما قالة بالحرف الواحد ( قدمت لنا القائمة المناهضة للشيوعيين في انتخابات نقابة المحامين مبلغ محترم مقابل منع المحامين الشيوعيين من الوصول إلى صناديق الاقتراع ) وقد اعترف بان اية انتخابات ديمقراطية ستكون لصالح الشيوعيين ومما هو ملفت للنظر انه يحفظ عشرات المواد من قانون العقوبات البغدادي الذي يضعه تحت وسادته دائما عن ظهر قلب ويستطيع ان يحدد مدة الحكم بشكل مضبوط عن الجرائم العادية بعد الاستماع لافادة المتهم التي جرى تصديقها امام الحاكم . ورغم وجوده في التوقيف الا ان الاخبار تصله اولا باول وغالباً ما يستلم او يسلم مبالغ نقدية للزائرين، ولكثرة ما وزع علينا من الفاكهة التي تصله بكميات كبيرة – علق أحد الموقوفين في حينها قائلاً : أحنا بموقف السديناوية لو بسوق العاصمة - وقضيت هذه الفترة ، بين رعاية زوجة الرفيق ( ستار ) ووالدته ومضيف علي ماما.

(1)  معن جواد العامري: معلم من اهالي المحاويل .أحد الكوادر الحزبية في الفرات الأوسط .ويتمتع بجماهيرية واسعة ، وقدرات تنظيمية جيدة. تعرض خلال مسيرته النضالية إلى السجن والإعتقال أصبح ممثل الحزب في لجنة الجبهة الوطنية بمحافظة بابل. غادر البلاد بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها الحزب عام 1979 وتنقل بين الكويت وكردستان العراق واليمن والاتحاد السوفيتي واستقر اخيراً في السويد . عاد إلى الوطن بعد سقوط الدكتاتورية الاّ ان المرض لم يمهله طويلاً فقد غادر حزبه وشعبه وهم في أمس الحاجة اليه

يتبع


¤ الحلقة الثالثة والعشرون

¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الحادية والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

االأحد 10/6/ 2007

| أرشيف الذكريات  |