ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عمي جوعان يحب الحرس القومي !!!


أمير أمين

إنبثقت ثورة 14 تموز عام 1958 كنتيجة حتمية لإرادة الشعب العراقي وقواه الوطنية المخلصة, وخاصة الضباط الأحرار وأحزاب جبهة ألأتحاد الوطني , للتخلص من ربقة النظام الملكي الذي كان يسير وفق ارادة الدوائر الأستعمارية وعملاءها المحليين , الذين ناصبوا الثورة العداء منذ الأيام الأولى لنجاحها . وعملت قوى الردة بالتخطيط لاسقاط الثورة مجندة اذناب الاستعمار من الاقطاعيين الكبار والبعثيين والقوميين وكل القوى التي اصابها الضرر بهذا الانجاز الوطني الخلاق , وعملت بالتعاون مع القوى الخارجية العربية والاجنبية مستفيدة من الاخفاقات الداخلية المتمثلة بعدم فسح المجال الحقيقي لعمل القوى الديمقراطية العراقية سواء كانت احزابا او منظمات لممارسة حق العمل العلني او المشاركة الفعلية في ادارة دفة الحكم , وخاصة محاولة تهميش دور الحزب الشيوعي والذي كان يتصدر نضالات جماهير الشعب إبان الحقبة الملكية , والذي كان يعمل بمثابرة على شحذ همم رفاقه ومؤازريه من جماهير الشعب العراقي لصيانة الجمهورية وتفويت الفرصة على اعداء الشعب من الخونة والانتهازيين الذين نجحوا في غفلة من الزمن لينقضوا على الثورة حالمين بتحقيق احلامهم المريضة بعد ان جاءوا بزمرة ارهابية عدوانية لا تعرف غير لغة الدم , زمرة الحرس القومي في انقلاب 8 شباط 1963 .
وفي مدينة الناصرية كانت عصابات الحرس القومي تتكون من شلة منحرفة اخلاقيا وسياسيا كغازي سيف وكريم السيد خلف وعباس حمادي وغيرهم , والذين اتخذوا من المدارس والنوادي والفنادق وغيرها مسالخ بشرية , كمدرسة خالد بن الوليد وبيت امر اللواء الذي يقع في صوب الشامية محاذيا لمحلة الاسكان , وهو بيت كبير يحيط بحديقته الواسعة سور عالي , يتوسطه باب حديدي يكون مغلقا في اكثر الاحيان , وفي نهار احد الايام مررنا انا وبعض اخوتي ووالدتنا بهذا البيت , فرأينا إمرأة طاعنة في السن كانت تبكي بحرقة على ولدها المعتقل داخل البيت والذي ذكرت إسمه عدة مرات وهي تنوح , إقتربنا من المرأة وجلست امي الى جانبها وسرعان ما شاركتها البكاء , وبقينا نحن الاطفال ننظر مذهولين مما حدى بالحارس القومي ان يصوب غدارته نحو صدر أمي ويتفوه بكلمات بذيئة مضيفاً : هذه المرأة ال.... تبكي على إبنها فلماذا تشاركيها انت البكاء , وماذا تفعلين انت هنا ؟ فردت أمي خائفة : إنكسر قلبي عليها , فهي إمرأة كبيرة , كما إنني أبكي لأن لي أخاً معتقلاً هنا أيضاً !!, فلم يتمالك الحارس القومي نفسه وهدد ألأثنين بإطلاق النار , ولكن زميلاً له منعه من تنفيذ تهديده وطرد الجميع بالقوة قائلاً : إنصرفوا فوراً وإلا !! فأسرعنا خائفين الى البيت وكانت امي تسبهم الى ان وصلنا سالمين , ولم نعرف مصير المرأة المسكينة وأين ذهبت .
في هذه الايام العصيبة من حكم الحرس القومي الذي تجاوز قليلاً التسعة شهور , ظهر شخص غريب في الناصرية , شخص له جسد ضخم ورأس دائري كبير وله نظرات جامدة , كان يرتدي دشداشة يلبس عليها سترة طويلة , لقد إتخذ هذا الشخص من مكان في شارع الحبوبي وسط المدينة موقعا للأستجداء من المارة ,ولا يدري أحد من أين وفد هذا الشخص , ولماذا ظهر فجأة في شوارع المدينة ! وكنا نحن الاطفال نتندر ونقول إنه هبط من المريخ ! وقد أطلق عليه الناس لقب ( عمي جوعان ! ) واللقب جاء من جملة كانت الوحيدة التي لا تفارق شفتيه , فعندما يرى إنساناً ماراً من أمامه يمد يديه قائلاً : عمي جوعان ! عمي جوعان ! وإن حصل على شيء من المال او لم يحصل , فهو يواصل ترديده للجملة حتى يغيب الشخص الذي يستهدفه من ندائه !
كان عمي جوعان يركب القطار مساءاً للحصول على المال من الركاب المسافرين من الناصرية الى بغداد ولكنه يعود مجدداً من السماوة في القطار العائد الى الناصرية من بغداد ...
يوم 18 | 11 | 1963 يعتبر يوم حظ إستثنائي لعمي جوعان , ففي هذا اليوم إمتلأت جيوب هذا الشحاذ العجيب والغريب بالدراهم الكثيرة ! ففي هذا اليوم إنقلب عبد السلام عارف , الذي كان رئيساً للجمهورية , على حلفائه وزملائه البعثيين , معلناً ( ثورة جديدة ! ) في سلسلة الثورات الكثيرة التي إبتلى الشعب العراقي بقادتها وأبطالها !! وقد طلب عبد السلام عارف من الحرس القومي الأستسلام , ولما كان الحراس القوميون ( أبطالاً بأمتياز !! ) فقد بادرت امهاتهم واخواتهم لتسليم ملابسهم العسكرية ورشاشات البور سعيد التي كانوا يرهبون الناس بها , تسليمها الى عمي جوعان لكي يقوم هو بدوره بتسليمها لرجال الشرطة لقاء درهم أو اقل من درهم ! اما أصحاب الملابس ورشاشات البور سعيد ( الميامين ! ) من جرذان الحرس القومي فقد تواروا عن الانظار بعد ان طاردت الشرطة فلولهم المنهارة , فإختبئوا في إسالة الماء وفي بستان زامل , وفي اي مكان لا يخطر على بال ! حتى إن بعضهم وجد داخل تنور هامد , وقد نسى نفسه في بنطلونه العسكري قبل ان تسلمه عائلته لعمي جوعان !!!
في هذه الايام السعيدة نسبياً على الشعب العراقي , وكلياً على عمي جوعان , اصبح الناس في الناصرية يمزحون بان عمي جوعان هو الممتن ألأكبر والشاكر الحقيقي للحرس القومي !! فقد أحب عمي جوعان هذه الحثالة !! وبارك من أعماقه تخاذلها وجبنها ونذالتها , إذ لولا ذاك التخاذل والجبن لما إمتلأت جيوبه بالدراهم الحلوة !
ومثلما بقي سر مجيء عمي جوعان الى الناصرية مجهولاً وغامضاً فقد كان إختفاؤه مماثلاً لذلك , إذ صحت المدينة ذات صباح لتجد أن لا أثر لعلامة مميزة من علاماتها , فقد غاب عمي جوعان ولا نعرف كيف وأين ؟!

الجمعة 10/2/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة