ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الجمعة 10/9/ 2010


 

الشهيد أبو ظفر رمزاً للحب والشهادة 

ناظم عبدالملك ديبس (أبوذكرى)

بعد منتصف الاربعينيات من القرن الماضي وبالتحديد ربيع عام 1946، ولد محمد بشيشي حسين الظالمي (أبو ظفر). نشأ وترعرع في وسط عائلة تسكن في منطقة الغربي من مدينة السماوة، هذه المدينة الفراتية الباسلة، مدينة الشهداء والمناضلين، ونكرة السلمان وفي محلة تقدمية ذات توجه يساري، وكان الشهيد أبو ظفر منذ صباه هاديء الطبع ومؤدب، كرس جل وقته بالانصراف للدراسة، فكان طالبا مجتهدا ومهذبا، وفي امتحانات البكالوريا للإعدادية حصل على درجات عالية أهلته للقبول في كلية الطب والتي كانت حكرا على أبناء الذوات، وتخرج من كلية الطب بتفوق عام 1970، وفي حياته المهنية كان طبيبا ناجحا وجديا وانسانيا ومخلصا في عمله.

تزوج عام 1970 من المدرسة بلقيس رحيم الربيعي مدرسة اللغة الانجليزية بعد أن عاش الإثنان قصة حب نموذجية وفريدة من نوعها دامت عشر سنوات قبل الزواج، وهي بالتحديد فترات الدراسة الإعدادية والجامعية، ولقدسية هذه العلاقة فإنهم يحتفلون سنويا بيوم اللقاء الأول المصادف يوم 13-01-1964.

إنخرط في العمل السياسي خلال فترة السبعينيات، وبعد الهجمة البربرية الشرسة على حزبنا الشيوعي المجيد في أواخر 1978 غادر الرفيق أبو ظفر الوطن مجبرا وليس مخيرا، حاله حال بقية الرفاق الذين تركوا الوطن بألم وحسرة وحزن. وقبل سفره التقيت معه في بغداد وفي مقهى الزهاوي الكائنة في شارع الرشيد، وتبادلنا أطراف الحديث وودعني مسرعا على أمل اللقاء القريب في صوفيا/ عاصمة بلغاريا الشعبية،وفعلا بعد أيام التقينا من جديد في صوفيا، وكان معنا الرفيق عودة ناجي الحمداني/ أبو تضامن،والذي سبقنا في الوصول الى صوفيا، ورفاق آخرين التحقوا فيما بعد، حيث أصبحت العاصمة صوفيا المحطة الرئيسية للرفاق القادمين من داخل الوطن،فكانت صوفيا أول محطة في رحلة الشهيد أبو ظفر في المهجر وأول فراق لحبيبته وزوجته بلقيس.

ورغم أن المكوث لم يدم طويلا، ولكن كانت أيام عصيبة وعاصفة،حيث اشتدت الهجمة على حزبنا في الداخل والخارج وحصلت مصادمات بيننا وبين أزلام النظام من المجرمين المحترفين،الذين ارسلوا من بغداد خصيصا لهذه المهمات، وبالتنسيق بين مرتزقة النظام والميليشيات البلغارية مقابل إغراء هذه الميليشيات بالمال والهدايا لتضييق الخناق علينا حيث ازدحمت فنادق صوفيا بالرفاق القادمين من الوطن، فقامت هذه الميليشيات بحملة تفتيش تشمل قسما من هذه الفنادق وتدقيق جوازات سفر الرفاق وتهديدهم بالتسفير بحجة انتهاء فترة الزيارة المقررة في الفيزا،وكنت في حينها مسؤولا عن فندق (سرادنه كورة) والذي يضم القسم الكبير من الرفاق القادمين من الداخل، ولتعاون ادارة هذا الفندق معنا وتعاطفهم مع قضيتنا تمكنا من سحب بعض الرفاق واسكانهم معنا،وتوزيعهم على غرف الرفاق الموجودين وعدم تسجيلهم في سجل الفندق.

وكان من بين هؤلاء الرفاق الشهيد أبو ظفر حيث حل ضيفا علينا أنا والشهيدة أم ذكرى،فسررنا بهذا الضيف العزيز والرائع،وبعد مكوثه أيام قليلة حلت هذه القضية الشائكة، بعد حصول الموافقة من السلطات البلغارية العليا بالاقامة الرسمية لجميع الرفاق فشكل ذلك دعما لقضيتنا وضربة للنظام الدكتاتوري في بغداد.

والأبعد من ذلك تم التوجيه الى الميليشيلت البلغارية من قبل قيادة الحزب الشيوعي البلغاري لحماية هذه الفنادق وتشكيل اللجان المشتركة بيننا وبين قيادة هذه الميليشيات، فإنقلب السحر على الساحر كما يقال، وأصبحت الامور على ما يرام.

وفي ليلة 13-01-1979 وفي الفندق الذي نسكن به وفي غرفتنا المتواضعة أقمنا حفلة صغيرة ومختصرة احياءا لذكرى عزيزة على الشهيد أبو ظفر وهي ذكرى اللقاء الأول مع العزيزة ام ظفر،وقامت الرفيقة الشهيدة أم ذكرى بترتيب هذه الحفلة من حيث الاعداد،وحضر هذا الحفل مجموعة من الرفاق كان من بينهم من أبناء السماوه رزاق علي محمد العيسى / أبو سامح،والذي كان طالبا يدرس في صوفيا،والرفيق الشهيد علي حسين بدر/ أبو حاتم، والذي كان يدرس في المدرسة الحربية،والرفيق عودة ناجي/ أبو تضامن، وكما حضر من المنظمة الطلابية الرفيق عبد فيصل مسؤول المنظمة في صوفيا والرفيق جواد كاظم من أهالي الحلة،كما حضر الرفيق عبدالله/أبو نجم من الحلة أيضا وآخرين.
وتألق الفنان البصري الرفيق فالح الطائي/أبو شمس، والذي أحيا الحفلة بأغانيه العذبة وعوده الجميل،وكانت ليلة جميلة عشناها مع الرفيق أبو ظفر.

ومن خلال معايشتي مع الرفيق أبو ظفر وجدت في شخصيته صفات فريدة من نوعها،فهو بحق شخصية مميزة، وذات نظرة ثاقبة ويتمتع بالجهادية ونكران الذات العاليين،وكان عصامي يحسب للأيام الصعبة،ويكتفي بوجبات غذائية محددة ورخيصة وصحية لكي يوفر للرفاق المحتاجين ما يتمكن لمساعدتهم ومن دخله الخاص،وكذلك يرفع من معنويات الرفاق ويسهل الأمور ويدعو للتفاؤل ويبتسم للحياه، لذا تجده يمتلك صفات القائد والسياسي المحنك.

غادرنا صوفيا في نهاية كانون الثاني 1979 متوجهين الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الى عاصمتها عدن، من مدينة صوفيا الباردة جدا الى مدينة عدن الحارة جدا،واستقبلنا من قبل المسؤولين اليمنيين بحفاوة بالغة جدا، وكنا الوجبة الكبيرة والاولى من الرفاق التي وصلت الى عدن ومن مختلف الاختصاصات العلمية والمهنية.

وفي عدن ومن الأيام الاولى بدأنا بالعمل في مؤسسات الدولة الرسمية،فذهب الرفيق أبو ظفر الى المحافظة الرابعة (شبوه) ومركزها (عتق) ليكون طبيبا للمحافظة المذكورة،وهي منطقة نائية وبعيدة جدا عن مدينة (عدن)،وهي صحراء رملية قاحلة محاذية للربع الخالي الذي نشاهده في الأفلام، وعند دخوله الى مدينة (عتق) إستقبل بحفاوة من قبل المحافظ علي شائع هادي القيادي البارز في الحزب الاشتراكي اليمني والذي استشهد في احداث عام 1986 مع كوكبة من قياديي الحزب الاشتراكي اليمني.

وفي عتق كرس الدكتور ابو ظفر كل وقته لتقديم الخدمات الطبية والصحية للمواطنين اليمنيين الجنوبيين،وكما اهتم بصحة المدينة والاشراف الصحي على المرافق الخدمية والاجتماعية الموجودة في تلك المدينة،وحاول جاهدا أن يصل الى أبعد مريض لم يتمكن من المجيء الى المستشفى في المدينة لكي يعالجه ويعطيه الدواء المطلوب،وحتى ساهم لأسباب انسانية بولادات النساء في المناطق النائية،وقد ذاع صيته في محافظة شبوة وبين الناس والقبائل هناك، وقد كتب المحافظ المرحوم علي شائع هادي والذي اصبح فيما بعد وزيرا للداخلية رسالة تفصيلية عن الخدمات الطبية والصحية الكبيرة التي قدمها الدكتور الشيوعي محمد بشيشي في فترة زمنية قصيرة تعادل سنوات عديدة لأطباء هنود قدموا للعمل في هذه المنطقة وبامتيازات كبيرة ولم يفعلوا شيئا لهذه المنطقة مثلما فعل الدكتور(ابو ظفر).

لذا أصبح الدكتور محمد موضع تقدير القيادة اليمنية وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس الجمهورية الشهيد عبد الفتاح اسماعيل ورئيس الوزراء علي ناصر محمد ووزير الدفاع الشهيد البطل علي عنتر والشهيد علي شائع هادي وزير الداخلية وكل القيادة اليمنية في الجنوب آنذاك، وبعد محافظة شبوة (عتق) انتقل الى مستشفى الأطفال في عدن ليواصل مهمته الانسانية النبيلة، وفي عدن كانت طموحاته في مواصلة دراسته التخصصية في جامعات بريطانيا،وفعلا قام بمراسلة هذه الجامعات وفعلا حصل على الموافقة المبدئية للدراسة في هذه الجامعات لكن شاءت الظروف ان تقف في مواجهة طموحاته الشخصية المشروعة،ففضل مصلحة الحزب على مصلحته الشخصية فكان من بين الرفاق الذين لبوا نداء الحزب الى كردستان طوعا، ورغم معارضة القيادة اليمنية وفي مقدمتهم رئيس الحكومة علي ناصر محمد والذي اصبح رئيسا للجمهورية، ولكن الرفيق ابو ظفر أصر على النزول بعد أن تدرب على السلاح وفي دورات خاصة، وعزم على الرحيل تاركا عائلته في اليمن الجنوبي /عدن.

وصل الى كردستان صيف 1981 بعد انتظار دام عدة شهور في مدينة القامشلي السورية وفي هذه المدينة الحدودية والتابعة الى منطقة الجزيرة في سوريا قدم خدمات طبية كبيرة لعوائل الرفاق من الحزب الشيوعي السوري الشقيق من أبناء المنطقة، وكذلك للرفاق المتواجدين في هذه المدينة لغرض التوجه الى كردستان.

فكانت المحطة الجديدة للرفيق أبو ظفر هي جبال كردستان العراق وحيث شاءت الاقدار أن تكون المحطة الأخيرة في مشوار حياته، وفي كردستان كان طبيبا ومقاتلا وسياسيا محنكا، ونجح في عمله الطبي في معالجة حالات مستعصية وميؤوس منها، وفي عام 1983 انتقل الى مقر القيادة في بشتاشان للعمل في المستشفى المركزي وكان له الدور الأساسي في تأسيس هذه المستشفى، ولم يدم هذا الاستقرار طويلا حيث حلت الكارثة في الأول من آيار بسبب العدوان الغادر من قبل قوات الاتحاد الوطني الكردستاني واسشهاد كوكبة مقدامة من خيرة رفاقنا الأبطال ومن الكفاءات العلمية والكوادر السياسية والعسكرية،وتم الانسحاب من بشتاشان عبر جبل قنديل.

وفي 27 أيلول 1984 عندما توجهت مفرزة الطريق من منطقة القامشلي السورية متوجهة الى كردستان العراق وعند عبور نهر دجلة وقعت المفرزة بأيدي جلاوزة النظام وفي كمين غادر،وكان الرفيق أبو ظفر بصحبة مفرزة الطريق بعد أن قضى اجازة في لقاء زوجته وأطفاله في اليمن الجنوبي/عدن وشاءت الأقدار أن يكون هذا اللقاء والوداع الأخير.
وفي القاعدة العسكرية القيادية قاطع بهدنان في (كلي زيوة) حيث كنت في حينها موجود في هذه القاعدة وصل الرفيق ابو افكار من مفرزة الطريق ورأى القصة المأساوية باستشهاد رفاق مفرزة الطريق أبو هديل وأبو ايمان وأبو جهاد وأبو سحر وناهل ومعهم الرفيق أبو ظفر حيث تجمع الرفاق في ساحة القاعدة والقى الرفيق مهدي عبدالكريم/أبو عباس، عضو اللجنة المركزية للحزب،كلمة التأبين، وساد في القاعدة المذكورة صمت وحزن عميقين لإستشهاد هذه الكوكبة الباسلة من الرفاق الشجعان والتي شكلت خسارة كبيرة للحزب، والشيوعيين الانصار في كردستان وكما عم الحزن والمواساة جميع قواعد الحزب في كردستان.

رحل الشهيد أبو ظفر وهو لم يبلغ العقد الرابع،وفي عنفوان شبابه، مودعا حبه الأول وطموحاته وأحلامه ،لن يواصل مشواره،إنه حقا رمزا للحب والشهادة.

المجد كل المجد للشهيد البطل أبو ظفر والى رفاقه الشهداء الأماجد، وعهد اللشهداء بمواصلة المشوار.

رفيق دربك وأخوك وصديقك المخلص
ناظم عبدالملك ديبس (أبوذكرى)




 

free web counter