| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

هذا الكتاب

 

 

 

 روايات خالدة


شيطان في الجنة  تأليف :هنري ميللر
 


رشا المالح

يروي هنري ميللر الكاتب الأميركي الشهير قصته الأخيرة مع التسول، التي شكلت منعطفا في حياته البوهيمية بقوله، كنت في باريس أجوب شوارعها، حينما مر بي رجل يرتدي هنداما ينم عن توجهه إلى الأوبرا، وحينما أصبحت قبالته رجوته أن يمنحني بعض المال حينها دفعني الرجل من أمامه بغلظة وتابع سيره دون أن يتفوه بكلمة.
ثم حينما أصبح ورائي أخرج من جيوبه بعض القطع المعدنية ورماها باتجاهي على الوحل حينها شعرت بانحطاطي ومذلتي ومهانتي، لكنني انحنيت على الأرض ولملمت بيدي النقود وأنا أزيل عنها الطين. في تلك اللحظة عاهدت نفسي ألا أتسول بعد الآن وذلك ما فعلت. عرف هنري الذي ولد في 26 ديسمبر 1891 في نيويورك، حقيقة الفقر والجوع وكل أوجه الذل والمهانة، حينما كان يعيش في باريس حياة بوهيمية بمحض اختياره. وهذا الكاتب ذو الروح الحرة الثائرة أمضى طفولته في بروكلين، وحينما سجل لدراسة الثانوية في نيويورك، انسحب بعد شهرين فقط لعدم احتماله الروتين الأكاديمي ليمارس بعدها العديد من المهن من سائق تاكسي إلى أمين مكتبة.
بدأ تجربته مع الكتابة في عام 1920 حينما كان موظفا في خدمة اتحاد البرق الغربي. وبعد مضي ثمانية أعوام ادخر من المال مع زوجته الأولى ما يكفي لتحقيق حلمه بالسفر إلى أوروبا. وفي عام 1930 وبسبب خلافه مع زوجته غادر إلى باريس وعاش فيها ليتابع حلمه بالكتابة.
كانت بداية دخوله إلى عالم الأدب مع نشره لروايته الشهيرة »مدار السرطان« 1934، ثم ألحقها بروايته الأخرى »مدار الجدي« 1939، سجل فيهما وقائع حياته ومغامراته وتجاربه في باريس كمغترب، علما بأنهما نشرتا أولا في باريس.
وحينما أخذ الروايتين إلى الولايات المتحدة منعت الرقابة نشرهما لمدة ثلاثين عاما، كان ذلك لدى عودته إلى وطنه بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. وهناك قرر أن يجوب بلدان الولايات المتحدة، ونتج عن ذلك كتابه عن أدب الرحلات »كابوس مكيف الهواء«.
ومع زيادة شهرة مؤلف المدارات وشعبيته لدى القراء، مرت كتابته بتحول مهم، حيث أصبح يميل بأسلوبه إلى الصياغة الأدبية وبأفكاره نحو النزعة الروحية مع العمق في التحليل.
أمضى ميللر السنوات العشرين الأخيرة من حياته في محيط باليساديس حيث كرس طاقته للرسم بالألوان المائية، وعاش من بيع لوحاته الفنية التي كانت تلقى نجاحا كبيرا. وحينما سئل خلال تلك الفترة عن الكتابة قال، »إنها لعنة. نعم إنها شعلة تهيمين عليك وتمتلكك. حيث لا تكون سيد نفسك.
إنها أمر مريع لا تستطيع معها الاسترخاء أبدا. كان الناس يحسدونني على هذا الإلهام وأنا أكرهه فهو يسيطر عليك تماما. وأنا كنت أتطلع بفارغ الصبر للخلاص منه لأتحرر«. توفي ميللر في 7 يونيو 1980، في بيته وكان معه صديقه بيل بيكريل فقط، وذلك بعد أن مني بخمس زيجات فاشلة.
ومن رواياته التي لم تحظ بشهرة كبيرة على الرغم من أهميتها، رواية »شيطان في الجنة« التي نشرها في عام 1956، وربما يثير هذا العمل اهتمام القارئ العربي نظرا لموضوعه الذي يمس نسيج حياته وعلاقاته الاجتماعية. وتعكس هذه الرواية بمضمونها الإنساني والاجتماعي ما تعانيه الكثير من العائلات في الماضي والحاضر في مختلف أرجاء الوطن العربي.
يعتمد ميللر في هذا العمل على أدب السيرة الذاتية أسوة بجميع أعماله وهو ما تميز به عن أقرانه من الأدباء، ولغته في هذا الكتاب تتميز بنبرة جامحة، ذات حرقة وصدق داخلي، واستخدامات ثقافية شتى، محلية وعامية تعطي لأسلوبه فرادة وطرافة وصدقاً نادراً.
وفي مقدمة الرواية يمهد لأحداث القصة من خلال معرفته الوثيقة بصديقته الروائية الأميركية أناييس نين في باريس في خريف 1936، التي قدمته بدورها إلى كونراد تيريكان الفلكي. ويصف ميللر هذا المنجم بأنه من الأرستقراطيين الذين جار الدهر عليهم ففقدوا ثروتهم بين ليلة وضحاها. وتيريكان غير قادر على التأقلم مع وضعه الجديد، فالبحث عن عمل بالنسبة له يعتبر مهانة، على الرغم من جوعه ومرضه.
يدرك ميللر بأن هدف صديقته من لقائه به، هو مساعدته لهذا البائس بصورة غير مباشرة من خلال ترتيب لقاءات له مع كبار الشخصيات ليقرأ لهم طالعهم، وبالتالي كسب بعض المال. وكان ميللر يدعوه بين حين وآخر إلى وجبة طعام دسمة ليعوض فيها ما ينقصه من غذاء.
وعلى الرغم من تعاطف ميللر معه، إلا أنه لا يغفل تحليل شخصيته بصورة واقعية، فهو ذو مزاج كئيب متشائم ومترفع، حريص على الترتيب في حياته حد الهوس، »متربصا منذ الغبش. بارد الطبع. رماديا، رابط الجأش، العين ذات بريق«. ولدى مغادرة ميللر باريس ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية تنقطع عنه أخبار تيريكان، ويعتقد أنه كان ضمن ضحايا هذه الحرب.
إلا أنه بعد وقت قصير من استقرار ميللر مع زوجته في بيته الجديد في »بارنغتون ريدج« في الولايات المتحدة، يصله مظروف سميك من أميرة إيطالية يتضمن رسالة له من تيريكان. ومن خلاله يعرف بأن الأخير حي، ويعيش في سويسرا في حالة بؤس شديد وقد أنهكه المرض.
على أثرها، يرسل له ميللر حوالات مالية بين الحين والآخر من مدخراته الضئيلة، إلا أن تيريكان يفيده بأن وضعه يزداد بؤسا ويحتاج إلى المزيد من المال. وفي النهاية خطرت له فكرة عبقرية كما يقول، مؤداها دعوة تيريكان للقدوم والعيش معه ومع زوجته ومقاسمتهما ما يملكان واعتبار منزلهما منزله حتى أواخر أيامه.
وهكذا يأتي تيريكان في فصل الخريف، وحينما يصل إلى المنزل يعرب عن إعجابه الشديد بالطبيعة والمكان، ويصفه بأنه جنة على الأرض.
وما هي إلا بضعة أيام حتى يبدأ تيريكان بمطالبه، فهو يصر أن يحضر له ميللر بودرة من ماركة ياردلي فهو لا يستعمل غيرها. وبعد حين يطلب حبوبا بمثابة مخدرات لتسكن الحكة التي يعاني منها، وحينما يخبر ميللر بأنها بحاجة إلى وصفة طبيب، يشعر تيريكان بالحنق ويلوم صاحبه على عدم اهتمامه به. وحينما يحضر ميللر طبيباً لمعاينة ضيفه، يخبر الطبيب أن ما يعاني منه علة نفسية، وبأن تيريكان مجرد طفل كبير يتطلب اهتماماً دائماً.
ويقتحم تيريكان حياة صديقه العائلية، ولا يتوانى عن توجيه ملاحظاته وانتقاداته لأسلوب تربية ميللر لابنته فالنتين، ويحرض زوجته عليه، ويصفه أمامها بأنه متكبر ومتعال بل أناني ولا يهتم بمشاعر زوجته. وتضيق الحياة بميللر ويتذمر جميع أصدقاء الكاتب من هذا الضيف الثقيل.
وحينما يحاول وضع حد لمتطلبات هذا الضيف الثقيل، يبدأ الأخير بالهجوم عليه وبلومه وعتابه لعدم قيامه بواجباته تجاهه. ويصر أخيرا على مغادرة المكان ونقله إلى المستشفى للإقامة فيها وبالطبع على نفقة ميللر.
وبعد معالجته ينتقل للإقامة في أحد الفنادق المتواضعة وبالطبع يطالب ميللر بتسديد الإيجار وجميع نفقاته بما فيها أجرة التاكسيات، فهو يأنف من ركوب المواصلات العامة.
ويستمر الاستنزاف المعنوي والمادي بالنسبة لميللر، فيطلب مساعدة أصدقائه، ويخبر تيريكان، بأنه لن يستطيع أن يزوده بالمال بعد الآن، وكل ما يمكن تقديمه هو ثمن بطاقة سفر إلى فرنسا. إلا أن الأخير يرفض بشدة ويهدده بالتهجم عليه في الصحف الفرنسية لتشويه سمعته، وكذلك بتقديم شكوى لدائرة الهجرة لكونه كفيله وعليه أن يتحمل نفقاته.
وهنا ينشد ميللر مساعدة السفارة السويسرية، حيث يجد السفير عملا لتيريكان، إلا أن الأخير يرفض بإصرار. حينها يتعاون الجميع على تسفيره، وفي كل مرة كان يتهرب منهم.
وأخيرا يتحرر ميللر من الكابوس بعد أن تمكن الأصدقاء من وضعه في الطائرة ليغادر إلى فرنسا. ولم تمض بضع سنوات حتى علم بأن تيريكان توفي في مأوى للعجزة بعد تعرضه لأزمة قلبية، رفض خلالها زملاؤه في المأوى مساعدته ولا عجب في ذلك.

البيان الآماراتية