الأحد 22 /10/ 2006
 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

كتاب الناس

 

 

 

الامام سفيان الثوري


ابراهيم الخياط

العنوان هو اسم كتاب نعته مؤلفه الدكتور موفق سالم نوري بالدراسة التاريخية ، صدرت الطبعة الأولى عن دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة العراقية وضمن منشوراتها لعام 2004 .
في مقدمة يسيرة يأتي المؤلف على الواقع الاجتماعي الذي ولد في خضمه الإمام الثوري أواخر العقد الأول للهجرة، وبروز ظاهرة الثراء، مع ظهور فئتي الفقهاء والمحدثين ، واكتشاف النقص الهائل في تدوين السنة النبوية ، ويشير الى من ترجم للإمام الثوري كابن سعد والرازي والاصبهاني وابن الجوزي وفيما بعد الذهبي، حيث أصبحت هذه المصادر هي مناهل الدراسة التاريخية / الكتاب.
يتناول الفصل الأول نشأة الإمام الثوري، فأما نشأته الأسرية فيذكر ما جمعه عن نسبه واسرته، منوها ان شهرة الإمام سفيان بـ ( الثوري ) هي نسبة الى ثور، و ( ثور ) هي قبيلة مغمورة ولولاه لما علم الناس ان في العرب قبيلة يقال لها ( ثور ) ، ومشيرا ان ولادته كانت في ضواحي الكوفة ، وان جده ( مسروق بن حبيب بن رافع ) كان ممن شهد واقعة الجمل مع الإمام علي بن أبى طالب، وعندما شب لم يكن محبا للزواج ، وحين ألح صحبه عليه رضخ ،بيد انه رفض لما علم إنها ذات يسار ،محتجا انه يقصد قرينة له في الزهد والتقشف ،وحتى عندما آثرته هذه على مالها لم يلن معللا أنها اعتادت الترف ،فلا تصلح لحياته ، ومن رأيه في بغض الزواج ان العيال غالبما يدفعون آبائهم الى خرق المعايير الشرعية الصحيحة لتوفير القوت ، ثم انه لم يرد ان يكون للدنيا ومشاغلها نصيب في قلبه .
وفي نشأته العلمية يوضح المؤلف ابتداء طلبه العلم وسط نشاط المعارضة السياسية ولا سيما العلوية منها
للدولة الأموية ، وكذلك وسط تزايد اثر زهاد الكوفة ومتعبديها ، وعندما يذكر شيوخه يحسبهم ستمائة شيخ ولما يذكر تلامذته فيحسب عشرين ألفا _بقول ابن الجوزي _ من الذين رووا عنه واختلفوا اليه ، وكان الإمام الثوري كثير الترحال لإغراض العلم والحج والتجارة وحتى تواريا .
في الفصل الثاني يتناول المؤلف الاتجاهات العامة في حياة الإمام سفيان الثوري من عبادات وزهد وورع وتواضع ، إذ عد العبادة حرفة ، ورأى الزهد فضيلة ، فصرف وجهه عن الدنيا حين أقبلت عليه ، وعنده الزهد زهدان زهد فرض وهو الزهد في الحرام ، وزهد فضل وهو الزهد في الحلال ، ومن باب ما تورع به امتناعه عن توثيق علاقته مع السلطان ، ليس خوفا من ان يضرب أو يهان ،وليس لأنه لا يرى طاعة السلطان ، ولكن مخافة إكرام السلطان له، فيميل ويفتتن ،فلا يرى سيئة السلطان سيئة، اما تواضعه فعلى الرغم من ان الإمام الثوري كان إماما في الناس ، إلا ان غير واحد شهد انه لم يره يجلس في صدر مجلس قط .
واستعرض المؤلف في الفصل الثالث قضايا شتى في حياة الإمام سفيان الثوري مثل خوفه ، ونظرته الى فئات المجتمع ، وماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده ، ونظرته الى جيل الصحابة ، وموقفه من بعض العقائد ، وموقفه من الجهاد ، وموقفه كذلك من العمل والكسب ، فمن شدة تفكيره وتخوفه يذكر انه اشتكى من مرض ، فذهبوا ببوله الى نطاسي فلما نظر فيه قال : بول من هذا ؟ ينبغي ان يكون هذا بول راهب ، هذا رجل فتت الحزن كبده وما له دواء .
ومن وقائع ممارسته الأمر والنهي ، دخوله على أبي جعفر المنصور منبها له على إسرافه أثناء حجه، مقارنة بما آل اليه أبناء المهاجرين والأنصار من ضعف وسوء. وفي موقفه من العمل كان الإمام الثوري يقول ان الإنسان خلق مستخلفا في الأرض لإعمارها والعمل فيها ، وليس للقعود انتظارا لإحسان أو تصدق ، حتى وان كان هذا القعود من اجل العبادة.
افرد المؤلف فصله الرابع لعلاقة الإمام الثوري بالخلافة العباسية ، من خلال التحقيق التاريخي لتلك العلاقة وكذلك من خلال استعراض آرائه السياسية فأما علاقته فتجلت بقول المنصور: ( القينا الحب الى العلماء فلقطوا الا ما كان من سفيان الثوري فانه أعيانا فرارا") . واما آراؤه فيمكن ان نلخصها في نهيه عن إتيان أبواب السلاطين ، وابواب من يأتي أبوابهم ، وابواب من يهوى هواهم ، كما نهى عن النظر الى دورهم أو الى مواكبهم إذا مروا ، ولا يرى إجابة دعوتهم حتى وان كانت من اجل قراءة ( قل هو الله احد ) عليهم ،لقد كانت نفرته مطلقة من الظالمين وذوي الجور ، وبقيت مواقفه نقية صلبة إذ نهى من الاقتراب من منابر الظلمة أو أي من أعوانهم ، وكان يوصف ان كل مفاصل السلطة التي رأسها سلطان ظالم هي من الظلمة وأعوانهم ، وشهير حادث مروره مع صاحب له ببعض العسس النائم ،أراد ان يوقظه ( وقد حان وقت الصلاة) فمنعه الإمام الثوري مبينا ان في نومه راحة الناس ، ولم يجز العمل مع السلطة الظالمة حتى بذريعة كسب الرزق للعيال ، فقد كان يقول: لان تجعل في عنقك مخلاة فتسأل على الأبواب خير من ان تدخل في شيء من هؤلاء ، وان من اخذ من سلطان ظالم شيئا" يستعين به (حتى على الجهاد في سبيل الله ) فقد " لعن بكل قدم يرفعها ويضعها حتى يرجع "، وامتدت مواقفه لتشمل من تولى القضاء ، وحتى من هم في خدمة السلطان من الحرف ، وقد عد الإمام الثوري النظر الى وجه الظالم خطيئة ، وقال ان الظلم والصلاة لا يجتمعان ، وكان يقول بالمقاطعة الكلية للسلطان الظالم والجائر بما يقود الى عزله ومحاصرته ، فكان هذا أسلوبه الرئيس في الإصلاح والتغيير ، فعلى الرغم من إنكاره على الظالم، الا انه لم يود الخروج عليه بالسيف ، وهذا ما يفسر عدم مشاركته في أي من الثورات التي شهدها عصره ، كالثورة العباسية وثورتي محمد ذي النفس الزكية وأخيه إبراهيم ، تطبيقا لنهجه الإصلاحي في عدم اللجوء الى السيف بوجه السلطان تجنبا للوقوع في الفتنة ، الا إذا كان هنالك ما يبرر هذا الخروج من الناحية الشرعية .
والفصل الخامس من الكتاب التوثيقي هو عرض للجهود العلمية للإمام الثوري في مجالات الحديث والفقه والتفسير مع ثبت بآثاره ، ففي الحديث كتب المؤلف عن مكانته بين المحدثين ، ومعرفته برجال الحديث ، وشهوته اليه ، مع إلمامه بقواعد العمل به ، وتمكنه من معرفة التدليس ،إذ له مقولات في الحديث ،وقد خصص المؤلف بابا للموازنة بين الإمام الثوري وغيره من أئمة الحديث ، كما شرح المؤلف منهجه في التفسير مع مصادره فيه وذكر نماذج منه ، وفي معرض تناول آثاره يشير المؤلف ان كثيرا من آرائه وأفكاره وجهده في الفقه والتفسير قد اعدم نهائيا ، حيث كانت ظاهرة إعدام الكتب معروفة.
وعن مكانة الإمام الثوري عند معاصريه ، افرد المؤلف الفصل السادس من كتابه ، إذ تحدث فيه عن إمامته في الناس ، وهيبته بينهم ، وتوقيرهم له، مع استعراض شهادات قيلت بحقه ، فهذا بشر الحافي يقول فيه:
سفيان في زمانه كابي بكر وعمر في زمانهما .
وجاء الفصل السابع بفيض من مأثور كلام الإمام الثوري من حكم ومحاورات ووصايا، نختار منها :
- إحذر في زمانك ثلاثا : عالم السلطان، وقارئ الاسواق، وعابد السطوح.
- إذا خالط الفقير الأغنياء، فإعلم انه مراء، وإذا خالط السلطان، فاعلم انه لص.
- إذا رأيت الرجل حريصا على ان يؤم فأخره.
- صل في الصف الأخير.
- لاتعرض دينك لمن يبغضه عليك.
- من سعادة المرء ان يشبهه ولده
- لاتتهم مولاك في كل ما أصابك.
- يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه الا من تحامق.
وانهى المؤلف كتابه بخاتمة كانت قراءة لمنهج الإمام الثوري في تهذيب النفس، ليعقبها بثبت مفصل للمصادر والمراجع التي أسعفته في تأليف كتابه "الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري" الذي أتى بـ272 صفحة من القطع الكبير.