الأربعاء 20 /12/ 2006
 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

كتاب الناس

 

 

 

توثيقية المكان والاستذكار


جاسم العايف

يهدي (محمود بدرعطية) كتابه/ أبو الخصيب.. وجوه في السوق القديم/ستوكهولم/ السويد//الى العراق الذي تختلط فيه رائحة البارود برائحة غبار الطلع، وخلال استذكاراته التي تفجرت،حينما غادر العراق- مُكرها-،اوائل التسعينيات, كان أبو الخصيب,حصراً, والبصرة عموماً، مصدراً للتوازن لديه بين يوم عمل متواصل، متعب، وذاكرة تحاول مواجهة الغربة وليالي الوحشة والحنين، كي تخلق عالماً خاصاً تعويضيا، اعتماداً على المشاعر الآنية في رحلة الاغتراب المكاني، المشاعر التي بواسطتها يتم التزود بإضاءات روحية حياتية من ماضي المدينة وحيواتها والتي بقيت…هناك، وتمتد في الوقت نفسه في التاريخ الشخصي والزمن العام المتسرب بفعل ديمومة الحياة وتواصلها، ويظل (محمود بدر) قابضاً على تلك اللحظات المتسربة من اجل مداواة إنقطاع الروح الممزقة بين ذلك الماضي وخصوصية المكان فيه و الحاضر المعاش وتعقيداته، فينحو لاصطياد جزء من العلاقات الاجتماعية العامة والخاصة وألفتها ونكدها بمواجهة المصائب التي يسببها حريق "السوق القديم" والذي يتحول الى "أثر بعد عين"، او في حضور "خضوري" الذي يوهم نفسه بالبحث عن "حاجة الاخرين في القمامة وليس عن حاجته" او في الطرق الفرعية الريفية المتربة-المتعرجة والضيقة، التي تفصل الطريق العام عن الساقية الممتدة الى اليمين، وفزاعة البستان التي تواجه الريح والشمس وتقلبات الطقس، مبعدة الطيورعن بساتين الطماطة والخيار والذرة الصفراء، وبوابة البستان الذي تندفع فيه بدفقات متتالية روائح القداح والجوري والرازقي والياسمين، كغيمة مرئية من خليط متجانس، وحمرة العنب ونداوة الشط، وبرودة النسائم مخلوطة برائحة اوراق اليوكالبتوس العبقة في المساءات الندية. في بستان "المغيسل" تتوالد الميثولوجيا الشعبية وتتخلق الحكايات، في مواجهتها للمالك الجديد "الغريب" وتحاصر محاولاته اليومية وقدراته المادية لغرض الاستحواذ على إرث الأزمنة والأسلاف، من خلال إقتلاع النخل وقطعه الذي "يحدث وشيشاً وصفيراً في الهواء المحيط ، بينما يهوي مطعوناً، وتهتزّ الارض على إثر ذلك". وتواجه الأجير "قريبول" محنة فصل رأس النخلة عن جسدها، ليصاب إبهامه ويقعي محاطاً بالشماتة والازدراء والعار، ملطخاً بالدماء مملوءاً بالندم والمرارة في طريقه الى المركز الصحي. اما "عبدالرحمن زنبور" الذي اكمل مهمة"قريبول" بعد اسبوع من العمل المنهك فإنه يفقد حافظة نقوده التي تحوي أجوره، وتظل حركته اللولبية على "دراجته الهوائية" القديمة وهو يتوسل المارة عنها، شاهدة على قداسة النخلة والمكان، كجزء من القصاص المادي والمعنوي.وتكتسب المناطق النائية في عزلتها، اكتمالها الهامشي،حينما يظل "أبو صالح" يعاند الزمان الجديد ورياح التغيير، معتمداً المقايضة في ما يقدمه من خدمات للمحتاجين, الفقراء بالذات, لقاء حشائش لإطعام بقرته الهرمة، ويدفن أيامه وذاته في مشغله الصغير محاطاً بأسرار العمل البدائي وهو يواجه الحاضر ومتغيراته التي تجاوزت "مطرقته… سندانه.. مثقبه.. كلابه.. ومنفاخه الهوائي الصغير..". ويبقى "أبو صالح" رغم ذلك يحتفي كل صباح "بصمونة الفرن الحجري"الراقدة قرب رماد جمره المنطفئ وهو "يمضغها مع رشفات الشاي البائت"، من "القوري المتسخ" ووروده الذابلة.
يكتب الأستاذ "فرات المحسن" في مقدمته للكتاب: "إن محمود بدر، يدسّ في يدي قصه القصير" ولعل وصف هذه الاستذكارات بالقصّ تجاوزاً على ما تشكّله مكونات القصّ من رؤى وثيمات وأساليب، فــ"وجوه في السوق القديم" ،لايعتمد القص وثوابته وحدوده، وهو جزء من السيرة التوثيقية للمكان,بعد الابتعاد عنه فعليا وبقاء تفاصيله شاخصة في ذاكرة المهاجر وفي زمن محدد، وثيمته الاساسية، المدينة التي تقبع في أقصى الجنوب، ومحاورها البيوت القديمة، بيوت الطفولة، والألفة, وعبرها يتم تكثيف وتفعيل الذاكرة وتكييف الخيال وتنشيط مركزيته للأحتفاظ بالمكان الذي كلما "نبتعد عنه نظل دائماً نستعيده ونسقط على الكثير من مظاهر الحياة المادية، ذلك الاحساس بالحماية والامن اللذين كان يوفرهما لنا"- غالب هلسا - ، وثمة متابعة بسيطة محدودة للبيئة الاجتماعية، ولشخصيات تزخر بها المدينة، عرفها المؤلف وجالسها واخرى سمع عن سيرتها ووثـّقها عبر الرواة، وكذلك شخصيات تحتفي وتفخر بها المدينة، بسبب ألمعيتها وشهرتها التي تجاوزت حاضر المدينة واضعة المدينة ذاتها في قلب المتغيرات والاحداث والتاريخ، كبدر شاكر السياب، الذي يعيد الكتاب ببساطة رواية سيرته المعروفة والتي لاتضيف جديداً، خاصة تحولاته السياسية وهجراته، ومرضه، وموته الفاجع في الكويت، وثمة التقاطات شخصية عابرة عن: محمود البريكان ومحمد جواد الموسوي ومحمد علي إسماعيل، وهي في طريقة روايتها والمادة المستعادة عن هذه الشخصيات المعروفة لا تشكل اضافة للمتلقي ولا تمنحه شيئا خفيا عنها ولايهتم "محمود بدر" بالتجنيس بقدر ما يُفعّل ذاكرته التي تتعالق مع مدينته الجنوبية تلك وحياة الناس فيها وبساطتهم وشموخهم على رغم محن الحروب وقساوة الازمنة الممهورة بالبطش والعزل والفقر والاهمال وهو يستعيد استذكاراته ومروياته العامة والخاصة الراقدة في ذاكرته، ليعيد انتاجها ثانية،ببساطة وعيها, فإنه لايحاول صقلها او تشذيبها او التقليل من اندفاعاتها وحدّتها بل يقدّمها كما هي في ثنائيات، متضادة/متلازمة، خشنة/ناعمة، أليفة/فظّة، صلبة/هشـّة، ولا يكسبها ذواتاً غير ذواتها، المجبولة على الوداعة والمسكونة بالعفوية والإصرار، مبتعداً عن تشريحها، لاستقصاء مدلولاتها، ويتركها عائمة، شاخصة، في محيطها الاجتماعي المحبط ، منطوية، في إيقاع حياتها اليومية، على قهرها وآمالها وفراداتها.