آداب

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأثنين 11 /12/ 2006

 

 

  ثلاثية الشوى

الجزء الثالث


علي جاسم شبيب

" الترنيمة "

الى روح المرحوم كاظم جبر الصياح *

تأخر العم كاظم جبر الصياح عن الموعد، فعندما انتهيت من دوزنة جهاز الراديو الصغير.. مثل اوتار مرتخية واشتلعت عينه الزرقاء، شكرني بنبرة، طشت الالفة على بقعة الظل، ذات الحوافي المدببة، تحت النخلة في بيتنا القديم وكانت النخلة تدور حول ظلي واشعر بكف الشمس تلطمها، فتتهدل سعفاتها وتهفهف مثل مهفات الخوص على رأسي، حيث تدبرت جلستي وتربعت مستندا على جذعها الأسمر.تواعدت معه عند با ب الزبير قرب صيدلية جبار وهناك مسطر للعمال.. كنت قد سألته عن صالح الطيّان بعدما رأيت حفرة السد امام بيتنا، فاغرة الفم، وترابها ندي، وليس هناك صخر ولا اسمنت ولا بناءون، فأجابني بان البناءين لم يتفقوا وسيذهبون غدا الى مسطر العمال بجانب الصيدلية.. لقد جاءني الرجل المربوع، بقميص رصاصي، تتوزع على كتفه وذراعيه، جزرات من عرق وملح، وبنطلون بني عريض شد من حزامه على كرشه المترجرج، وقال: ان هناك انتخابات جديدة للمجلس البلدي غدا، وواعدني عند ساحة البلدية، لكني لا اعرف أين تقع هذه الساحة، فقلت: سأنتظرك عند ساحة باب الزبير بالقرب من الصيدلية.
كان متحمسا لمجلس جديد وهو العضو القديم، العارف بمساحة بقعة الظل ذات الحوافي المدببة، وضحكت عندما تذكرت صورته الحزينة، وبدا ملتاعا وخائفا على جهاز الراديو الصغير، الذي لعب به الأولاد المتمردون، الذين يتلقون كلمات النذير والوعيد بأكفهم ويمسحونها على جوانب بناطيلهم.. وحينما ضج الشارع الذي تدور بوسطه الساحة، بسيارات البيك آب، المملوءة بقامات الرجال المتراصة وبيارقهم كأنها المواكب المبجلة: بيارق متشحة بالسواد وأخرى ملونة، ميزت بينها بيرق عشيرة آل بودة ذي اللون الأبيض، المؤطر بخط عريض، مستطيل، لونه أحمر.. أيقنت بان العم كاظم قد تأخر كثيرا وقلقت، فجلست على مصطبة من الاسمنت عليها تراب ورمل عند نهاية الشارع لضيق المفضي الى الساحة، وكان بائع الشاي ولفات البيض البارد، يركن عربته في الظل، وتحلق حوله عمال وأطفال، وعلى الرغم من كثرة السيارات المحملة بالرجال كان الهدوء يخيم، مثل ظل اجنحة العصافير، يخيم وينتعش عن دمدمة وصياح كتوم.. فسألت احد العمال الذي جلس بجانبي، يرتشف الشاي، عن ساحة البلدية، فقام وأثار بيده اليسرى صوب نهاية الشارع الضيق.. ثم جلس ولون الشاي الأحمر الباهت يترقرق على شفتيه.. بعدين على اليسار.. واخرج علبة سجائره وهمس كالمهضوم: لكنك لا تستطيع الوصول، فالناس كثيرون السيارات سدت الطرقات.. فتربعت على المصطبة( عندما غاب صالح لطيّان وابتلعته اذرع الجسر الحديدية، لم استطع اللحاق به، لكثرة العابرين، ناس وقطعان تدب، خافضة رؤوسها على الأرضية الخشبية، وعربات وسلال تموج على الرؤوس، كأنه يوم نزوح كبير).. والسيارات تتجمع والعابرون يمرقون، واخذ أصحاب البسطيات يلمون حوائجهم ويغادرون الساحة ويدفع آخرون عرباتهم صوب الأزقة الضيقة.. يوم اخر للعبور دون جسور او نواظم... عبّارون، عرابون، كأني امام مجاز بيتنا العريض وتضرعات أمي عند المساء، ان ينقضي الليل بسلام وأمان، كأنه الرعب قد تعرّب ورقما يشبه الأربعين يتجول امام عيني، يتلامظ صفره وسط بقعة الظل ذات الحواف المدببة.. حواف مصفرة او صفراء يحيطها اللون الرمادي الباهت.. لون كالآفات البعيدة، مثل سراب او غيمة ماء تائهة.
.. وتحول الصوت المكتوم الى صيحات، اهتز لها باب الصيدلية الزجاجي، وخفقت البيارق فاختنق صوتي وهرب الهواء من امامي، وعندما وصلت مجموعة من النساء( عباءات سود كثيرة )أنضغط الحشد وتراجع ثقيلا مثل سيارة شحن كبيرة. أحاطت النساء بهذا الحشد فاسّود المشهد وتاقت نفسي لرؤية العم كاظم.
.. الحشود تأتي من الأطراف المدببة والعابرون صاغرون، يهرعون الى الأزقة والزوايا، فالاحتماء بالظل من زحمة حرارة الأجساد، جعلتهم يهرولون صوب الزوايا والأزقة الضيقة، والحشد خليط، مثل جارف السيل.. وعند مقهى أبو علي، في بداية الساحة، رأيت صاحب المقهى يقف على تخت من المقهى، يلثم فمه بطرف يشماغه ويداه تنسدلان على جانبيه، ورأيت على جبهة السماء المضيئة غبش ابيض كأنه أهاب الغيمة التائهة، وتموت اطرافه في الأفق البعيد، وسمعت صوت طبلة، صوت يأتي من هذا الأفق يتدافع مع حشرجات وصراخ، فيرتد كالصدى، ولمعت امام عيني بريق مصباحين، يتقدان في هذا النهار المضئ فارتقيت المصطبة، فأطلت سيارة باص خشبية ـ صنع النجف ـ يلمع خشبها الأسمر، كأنه مدهون او مرشوش بماء المطر، للباص مقدمة ملمومة، صفراء من سيارات موديل 56 ، تختلج الأصوات مع لمعان الخشب وأصوات لم اميزها.. ورأيت صاحب المقهى يزيح اللثام النحيل ويرفع كفيه ويصفق..
فكانت المجموعة مجموعة الأعراس لا تستطيع ان تميز منه الأصوات الا عند اقترابها فالنظر سابق في الحشود المتراصة المختلطة الأصوات .. وسمعت"هير كلاّ هير كلاّ خضّر ورد الباجلا.." ودخلت الباص الخشبية دائرة الساحة واتجهت صوب الشارع الضيق حيث عربة الشاي ولفات البيض البارد وصاحبها الذي لم يرفع رأسه وهو منشغل بهمة عالية( بعد ذلك أصبح لهذا الرجل مطعم النجوم) واصطفت السيارة بجانب جدار بيوت الشناشيل تحت النساء الخائفات في المقصورات المشبكة، اللواتي اتلعن رؤوسهن الحاسرات وشعورهن تتدلى امام وجوههن.. نزل عبد العزيز من فرقة حسن بتور، فرقة تعتمر بيشاميغ بيض استعارت لونها من لون الغيمة التائهة، وتجمع حولهم العمال والأطفال، وتوقف صاحب العربة عن العمل مندهشا.. كانت يداه تبحث على غير هدى، عن كيس الشاي وماعون الصيني الملئ بالبيض البارد.
صافحت عبد العزيز وأنا انكت كفي من رمل عالق، فبادرني وفمه يلتقط حبات فرحي: انه الانتخاب وليس لدينا غير أصابعنا والغناء، وسمعت خرطة على جلد الطبلة.. ثم تهاوت الضربات متنازلة كأنها تفتح ضجيج الحشد بتؤدة وتأن حين علت الصيحات وضربات الصدور.. كانت مثل تمهيد متوازن لصوت المقام في عرس حاشد، تتراوح فيه أقدام المدعوين ولا تثبت، وتنبهت على كف ثقيلة على كتفي.. كان العم كاظم، مشغولا بفرحه والى جانبه امرأة طويلة سمراء تتلفع بيشماغ رجالي منقط وحولها عمال يعرفونها.. قال أرسلت أليهم، وذهبت الحاجة بيده ** (رمقتني وعيناها الواسعتان، السوداوان، كديدتان، ثم فكت وثاق يشماغها، فبانت فوطتها السوداء وعصابتها اللامعة تحوط رأسها، فشممت رائحة أمي) قال: ذهبت الحاجة بيده الى التنومة وأبو الخصيب.. وسيأتون قبل صلاة الظهر..
وأنا أدور مثل محيط الساحة وعلى صوت الطبلة رأيت العابرين يعودون من الأزقة الضيقة وفتح الصيدلي جبار باب الصيدلية فبانت عتبة طويلة مثل الدكة، توزعت عليها فرقة حسن بتور وطبولها ودفوفها وطاراتها بأيديها وسمعت الحاجة هاجس نفسي "أين نساؤوك يا حاجة" كانت عيناها واسعتين تؤطرهما حلقتان زرقاوان عريضتان.. أومأت ان اسكت، فسكتّ وطال سكوتي والحشد يتراكم مثل تل من الأجساد يمتطي قمته كل حين، رجل يصرخ فترتفع الأكف والأذرع، ترتفع وتهوى على الصدور بضربات تشبه ضربات الطبلة الرتيبة ، وانفتح باب الزقاق الضيق، جهة البلدية، عن صوت تموج بين الحيطان المتراصة.. "على شط بحر الهوى.. رسيت مراكبنا.. فالتفت صوب الصيدلية، كانت الفرقة تسخن طبولها على نار، يوقدها الصيدلي جبار لطباخ صغير، يرتكز على قنينة اسطوانية، برتقالية اللون، من الغاز، وتنداح أصوات متفرقة متنوعة لتلك الطبول.. قالت الحاجة بيده: هذي فرقة الكطانة ومحلة أبو الحسن، ومن شارع الباشا، المقابل لوجهي، رأيت عمال المخبز في الركن، يصعدون دكته وسمعت. "يا حادي يا حادو" فقال العم كاظم: فرقة الابلة.. ودارت الأصوات، فبحثت بنظري عن صاحب المقهى، فرأيت المقهى مغلقا الا ان صوت الهلاهل والزغاريد، رفعت قدمي قليلا عن المصطبة.. كدت ان أطير وكانت الشرفات قد فتحت الكوى المغلقة، وهطلت غيوم بيض على رؤوس الجمع في الشارع الضيق، ماء الشرفات التي تفوح منه رائحة الورد، واخترقت الحشود المتراصة في الشارع العام من جانب الصيدلية الشمالي، رؤوس عليها طواق بيض ومذهبة، تصفق بترتيب وافق الترنيمة التي تصعد مثل التواء راقص جذل الى الأعلى "بصرتنا ما عذبت محب" وسمعت كمن تهيا للطيران وهو مغمض العينين صوت الحاجة بيده: هذولة أهل شط العرب وتكاثر الغناء، ودق الطبول وتأرجح الطارات في الكفوف المفتوحة، فطرت على جناح من هواء الغناء، المضمخ برائحة الورد وحومت روحي في فضاء الشارع الضيق، وعند المصطبة تحتي رأيت معطف صالح الطيّان. ملقى في الزاوية ووجدته يقف في الفتحة المفضية الى الساحة، بيده فأسه الكبيرة، ينظم صفوف العابرين الى الزقاق الضيق.. قلت: ياعم صالح، هل عملتوا السدود؟ قال وعلى وجهه العريض ابتسامة جافة: لم يأت البناءون..وايقنت وأنا احلق مرة أخرى في فضاء الزقاق ان حفر السدود ما زالت فاغرة الفم..


* كاظم جبر الصياح شخصية وطنية، كان يعمل بناءا ثم تعلم القراءة والكتابة وأصبح عضوا في المجلس البلدي لمدينة البصرة وكان مناضلا وطنيا في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي.
** الحاجّة بيده.. امرأة تلبس ملابس الرجال، تعمل مراقبة عمل خاصة أيام جني التمور، تركب دراجة نارية في سنها هذا وهي أول من عمل حسينية للنساء أواسط الخمسينات من القرن المنصرم في محلة صبخة العرب .

البصرة 16/10

¤ الجزء الثاني

¤ الجزء الأول