آداب
الأحد 10 /12/ 2006| الأرشيف |
ثلاثية الشوى
الجزء الأول
علي جاسم شبيب
" نزاعة للشوى " *
.. والشوى عند أهل الشعر تعني الأطراف ، وتعني فروة الرأس والجلد عند مفسري آيات القرآن الكريم , والشوى تقترب من لفظة الشياه ، وسمّي الشاوي ، شاوياً لأنه يرعى الشياه ، وكان أدنى مرتبة من أهل الحضر ، وأتصور أن أطرافها الأربعة كانت تعني ذلك ، ولكن لماذا لم يسموها رباعية الشوى وسموها شياهاً ! ؟ لأن الرباعية لها منزلة حربية أعلى ، فامتطوا الجياد وأغاروا ، واستخدموها بعد ذلك لضرب المدن ، فانزلت بها أفدح الخسائر وأجبرت سكانها على الجلوس في المخابئ أو الهروب منها ..
والفروة عندما ينتزعها عذاب جهنم ، تنكشف الخطايا وتسيل على الخدين ، ظاهرة مثل كلمات الإعلانات الضوئية ، وفي حرّ البصرة يسيل العرق مخلوطاً بالدم على الجباه ، فتغشى العيون لحظة ، ترتسم فيها معالم المدينة ،والأحياء المنتشرة ، التي نثرتها يد شيطانية اسمها سرير الليل ، حيث ينفتح هذا السرير مثل كفّ مقطوعة في ليل هادئ ، تطوّقه رائحة عفونة من مجار مفتوحة ، وتتم الغواية تحت شجرة كالبتوس أو نخلة جفّت ضروعها ، فاحتاجت الى هزّة من جذعها اليابس أو تحت شجرة تين تدوّرت حباتها مثل أطراف أصابع متخشبة .
.. والشوى يحمل في داخله صهيراً يحترق ويتداخل دخانه مع عادم السيارات في شارع الجزائر ، فتعلو غيمتان كبيرتان من دخانين ، لا تفرزها الأنوف ، لكنهما غيمتان ، حسبما رأيت .. ويبرد الشوى بماء جار ، تطفو على سطحه أشنات وطحالب ، يحيطها شمبلان أخضر لزج ، هو طوق المنتصر الذي حمل الرباعية واعتمر كوفية متسخة يكز على أسنانه ،ويتقدم شلة تحبو على أربعٍ والناس شوى , وفي اللغة العبرية تدخل الشين على السين فتحتل مكانها ، فهم شواشي أو شياه ، يلطخ أكتافها عرق وتنتصب بثور على الجبهات ومقدمة الأنوف لهذا استخدم الأطباء والممرضون الماء البارد وعصير الشمبلان للتخفيف من حرقة البثور ومنع تقيحها ..
.. ورأيت في شارع الصيادلة الناس يسيرون متكاتفين ، ينظرون بتوجس الى الألعاب والملابس والآلات الحديثة ومكيفات الهواء ومولدات الكهرباء عليها رموز من اعلانات آسيا سيل وعراقنا وأثير ، محاطة برسوم لفوّهات سوداء لرباعيات ، مخفية هياكلها تحت طيات من قماش لمّاع ، اسود واخضر واحمر وابيض ، والأبيض متسخ ، لأن العاملين يمسحون أياديهم حال تشغيل وتجريب المولدات . وفي شارع الخضّارة مسجلات للصوت ، يرتفع صوتها عالياً حتى شوى الشمس ، تلطم الجباه والصدور فتنهمر العيون بالدموع الغزيرة وأصحابها يكيلون البامياء والباذنجان في أكياس سود ورأيت الناس يترنحون باتجاه بيوتهم كأنهم على الصراط . وأمام دكان من ركن قصي لسوق الكباب والمعلاق والمشويات ، كان صاحبي ، ينفخ بشوى لحيته البيضاء ، يحيطه دخان يلمع بالدهن من مشويات انتهى صاحبها من شيّها ... تأفف وأدخلني رواق الدكان ، وكان الحر شديداً وقد تهدلت أفواه وأيادي اكياس النايلون على الأرفف كأنها شوى محروقة مقببة .. أكياس ملونة يبيعها لمشتري المشويات الدهنية .. ثم ولجتُ معه بعد ان فتح باباً صغيراُ مثل الأبواب الملتصقة في منطقة الزبير ، ملتصقة على أمها الباب الكبير الذي كانت تعبره النوق الثقال يومذاك ، وكان سحر الشارع يرتسم في فمه والابتسامة على لحيته البيضاء تتموج . جلست على تخت عتيق في دهليز مفتوح كالفضاء ،وتحدثنا وبكينا ثم تحدثنا وضحكنا ثم بكينا ، وعند نوبة البكاء الأخيرة ، هبّت رائحة الشواء فاغلقنا كوة صغيرة مدورة مثل فم متأوه ، متربع تحتها القاضي الشعبي عامر الساعدي ، يقلب كتاباً ضخماً بيده اليسرى ويضع يده اليمنى على انفه.. لم يبتسم بل رفع رأسه وقال لنا : تلكم هي القضية ، فتجاوزناه صوب زاوية ، ذكرتني بالزوايا القديمة في مساجد البصرة " حول عمود من الجامع كانوا يتحلقون ، كل مع مجموعته ، لا يعلو ضجيج او صراخ ، بل صوت بكاء ونشيج في كل فترة ، عندما ينقش احدهم تفسيراً مذهلآ ، جديداً ، على ورقته ،يقرأه بصوت رخيم ، فتضرب الأكف أفخاذ جلستها " فجلسنا معهم ، وكان صاحبي يبحث في جيوبه ، كأنه أضاع شيئاً .
.. كانت المجموعة من سبعة رجال خيرين ، يتوسطهم شيخ طويل الساقين ، عقدهما تحته ، له لحية سوداء مرقطة بشعيرات بيض .. كان لون لحيته مثل الرز والماش ، وكان ينصت والآخرون يهمسون ، وكنت غير مرتاح في مجلسي ، حيث صادَفَتْ ، حصوات صغيرة تحتي .. وكان الهواء معبئاً برطوبة مياه قريبة .. " القضية هي الشمبلان .. فالسخرة واجبة في تنظيف النهر وهذا أمر شرعي .. وتنظيف السواقي أقرته الوثائق .. " والكل مُنْحَن وصاحب الساقين ينظر أمامه دون أن ترف عيناه .. وفجأة قام رجل قصير القامة، ذو وجه مجدور ، تعلو وجنتيه بثور سوداء يابسة وعيناه جاحظتان ، أزاح ستارة غليظة ، فبان نهر عريض تسبح على أديمه أشرعة ملونة .. لونها مثل أكياس النايلون على الأرفف في دكان صاحبي .. كانت صورة النهر وأشرعته جامدة . وأشار الرجل باصبع قصيرة " .. هذا نهر الاُبلة .. شاهد على كلامنا .. ثم .. خَطفتْ على رؤوسنا ريح زنخة من سمك متعفن ورأيت النهر يجري ، باشرعته ، قريباً من مجلسنا ..
لكنّا انتبهنا في رواق الدكان على اصطفاق دفتي كتاب ضخم وضحكة عسلية من القاضي الشعبي عامر الساعدي .
بصرة
18/9/2006
* آية من الذكر الحكيم