الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الخميس 9/7/ 2009



الكتابة الدرامية في تجربة قاسم مطرود
كوميديا سوداء بدلالات الواقع وألذات

د. عبد الرحمن بن زيدان

يتحدد موقع قاسم مطرود ككاتب تجريبي في التجربة المسرحية العراقية، وتتحدد مواقع الكتابة في تجربته تحديدا ،في خارطة اللغة العبثية لنصوصه الدرامية وما تحمله من إشراقات في التعبير عن هذه المواقع وهي تحلق في فضاءات متخيلة تجمع بين الذكريات والواقع الحياتي للمجتمع، و تبرز هذه المواقع في مسرحيات محملة برؤية تجازف في بناء جديدها ومغايرها بهذه اللغة ، وتغامر في إلباس الخطابات المسرحية مجازات الخيال وحقيقة الواقع وتجمع كل المفارقات التي تساعد على بناء الكتابة في دراما ألذات والجماعة. وفي مجموعته المسرحية "الجرافات لا تعرف الحزن " يجمع نصوصا تتكامل في رؤيتها ، وتتشابه في مواقفها، وتتقارب في أطروحاتها،و تفيض بالمعاناة ، وتتدفق بالمكابدة الجماعية الجارحة، وتنطق بالقتامة ، وترسم بالأوصاف الموحشة تجارب أبطال سقطوا مرغمين في عالم لا يعرف إلا الدمار الجحيمي للعالم.إنها مسرحيات تتحدث عن الآن وما يحمله من جراحات الماضي، وترسم خطابات المتكلم فيها مأساة "صوت ذان"،"و"صوت أيان"،و"صوت الزوجة "، و "الدفان الأول والثاني "،و"صوت الحفار الأول والثاني "، و"خطاب الزوج والزوجة" ، ومونولوجات "العجوز والرجل" ، وهو ما نجد تحققه مجتمعا في مسرحية"للروح نوافذ أخرى " و " رثاء الفجر" و "الجرافات لا تعرف الحزن " و "نشرب إذن " .

ففي مسرحية "للروح نوافذ أخرى " توجد شخصيات تطرق أبواب الذكرى ، وتنتظر قدوم غائب فقدت الأمل في رجوعه، شخصيات تغوص في ذواتها تريد أن تعالج واقعها بالبكاء أو الصراخ أو الصمت، وتدفن عذاباتها في الليالي الطوال لتجد مصيرها في نهاية المطاف في عالم لا يستوعب أحزانها وأنفاسها.

وفي مسرحية "رثاء الفجر "يعيش زوجان، اعتراهم قدر المنفيين، وهما ـ أيضا ـ ينتظران قدوم ابنهما الذي يعيش أهوال الحروب ،لكنهما يعيشان ـ بالتذكر ـ صدمة الابن المغروس في النعش، ويتكلمان بخطابات مثقلة بأسمال الانتظار والفراغ، ويتحسسان الأرض"المبللة بالدم والتراب والطين الحار" ترافقهم جحيمية الحرب و وجع اللحظة الباردة ، فتتحول مظاهر الواقع المعيش إلى صورة عبثية في حوار الدفانين وهما يخاطبان العظام المقرورة،ويعيشان أجمل لعبة يلعبانها وهي تحولهما إلى هيكلين عظميين" حيث يضع كل واحد عظم أحدهما مكان الآخر،أو تحويل جمجمة مكان أخرى، وهما يضحكان وتمنيا لو أنهكا ماتا من قبل"بعد أن كان يعيشان يوميا مسيرة النعوش إلى المقبرة،و تلاحق المأساة هذين الزوجين حيث صار كل طرف حبيس ظله النفسي والجسدي، كل منهما يطوف حول المبتغى ، وحول الممكن ،لكن المبتغى جحيم ،لأن الابن ربما مات مسموما أو مطعونا برمح،أو اخترقت رأسه رصاصة ،أو مات مذبوحا.

وفي"مسرحية الجرافات لا تعرف الحزن"يصبح "الشيخ العجوز" المتكلم الرئيس في مونولوجات عبثية تؤثث مونودراما  سوداء ـ على قياس الكوميديا السوداء ـ تتوزعها الأصوات والخطابات التي تجتمع كلها في كلام الشيخ العجوز وفي صوته، إنه المتكلم ـ من داخل الصندوق ـ الذي يبدأ الزمن المسرحي بالكلام وينهيه بالتمتمة، وبين الكلام ونهايته،يسود الملل، والحلم، والناس الباحثون"في الظلمة عن مستقر" ، ويكون السفر إلى المجهول، ويتحدث عن الجسد الذي تعرض للركل والتعذيب، والاستنطاق والتحقيق للبوح بالأسرار والمعرفة بنبض الجراح، وانتظار الرسائل ، والعيش في ظلمة القبو ، و الحكي عن القيود والبرد ، إنها الحالات التي تخترق صوت الرجل ، وتدخل إلى مونولوجه، ليعيد انتشار الصور الأكثر عبثية في كلام النص، حيث ينهزم العجوز ولا ينهزم الموت، لأن البؤس الطافح في عبثية هذه الصور مجرد من الأمل ،لأن البطل لا يحسن التوسل، وأن روحه خواء،والذخيرة نفذت، وحضور الأم وغيابها، والتحول من الكلام إلى الخرس، حالات تقابل تحول الجسد إلى مومياء، بعده يختلط العجوز بالنفايات فوق العربة لينتهي نهاية عبثية .

وفي مسرحية"نشرب إذن" زوجان يسافران بالأحزان إلى المجهول للتعرف على خارطة المنزل وسرير النوم، الزوجة ترى في المرآة طفلا سيكون حزينا في المستقبل، تريد قتل المولود أو تسميمه ، وتتساءل عن المكان المحتمل لوضع المولود ، وتتساءل عن زمن العودة إلى البيت. وتفكر في التخلص من الطفل برميه في البحر، وتتساءل"أين البحر؟"وفي خطاب الزوجين يتم إحصاء السنين التي جمعتهما، و يتذكران الابن ببذلته العسكرية الذي انقطعت أخباره، زوجان يريدان تحويل دمهم فداء للمحرقة، وتتكرر في هذا النص المسرحي صرخة تقول"الحرب للرجال...الموت للأعداء".

في هذه النصوص المسرحية التجريبية ،يزرع قاسم مطرود رؤيته الفجائعية في رؤية هذه الشخوص، وهذه الأصوات، و يبيح لها الانطلاق نحو آفاق التعبير عن الأزمنة الموحشة التي أعطت لموقع الكاتب في الكتابة ، ومنحت لموقع الكتابة في هذه النصوص معانيها الظاهرة والخفية، الصريحة منها والمضمرة لترمز لنفسيات و ذهنيات وسلوكات هذه الشخوص القلقة .والمقصود بالتجريبية في كتابة هذه المواقع هو جعل بلاغة اللبس والوضوح ، وبلاغة العبثي والواقعي، المحدد والمجرد، عمليات تركيبية لبلاغة كتابة درامية مختصرة ومركزة وموحية تنبع من تراكم الاحباطات والانكسارات والمرارة التي انتقلت من الماضي الذي ولى مع الزمن ، لتسكن خطابات هذه الشخوص، فتدفع بها إلى العيش ـ مرة ثانية عن طريق التذكر ـ في عوالمها الكوابيسية التي ترافقها في السفر اليومي في كل الأماكن ، والجغرافيات التي تتلون بنفسياتها وذكرياتها، فتصير رؤيتها للوجود وللذات وللعالم عبثية ، وهي حين تستحضر هذه الحالات الفجائعية ، فإنها تذيب المجردات و المحسوسات والتاريخ و المنفى والموت والبعث و الانتظار والهويات المهزوزة في الخطابات التي أرادها لها قاسم مطرود، أن تؤدرم التجربة الفردية في التجربة الجماعية،و تصبح مواقع الكتابة الرمزية في بناء نصوصه المسرحية عبثية لها خلفية واقعية تنطلق منها ، لكنها تنساها أثناء صياغة عوالمها في النصوص العبثية.

إن تحديد موقع الكاتب والكتابة في هذه النصوص التجريبية، معناه تحديد اشتعال اللغة العبثية في كلام هذياني منفعل ومتفاعل مع الأحداث، ومع مواضيع التذكر، ومع طريقة تأويل حالات الشخوص والأصوات حتى تساير فعل الأدرمة،لتصير سياقات هذه النصوص في البناء العام للدلالات ، في موقعها في خطابات الشخوص  بكلام يبني دراما كل شخصية، وكل حالة، وكل مكان في اللامكان، ويستنطق المعاناة بمعاناتها،ويصور إيحاءات الهذيان كأنه واقع ،إن قاسم مطرود يختار الأحداث الواضحة في حياة شخوص أبطال مسرحياته، ويفرغها من شكلها الظاهر، ويعيد كتابة فحوى وجودها بالإيحاء بمنظور متحرر من الواقع والمعطى وذلك بأفعال تسير وفق الكتابة المعمارية التي تهدم الواقع لتعيد بناء المسافات الزمنية والمكانية بعيدا عن الزمن المعطى والمكان المحدد.

يعد هذا النوع من الكتابة الدرامية، في تجربة قاسم مطرود، تجربة إبداعية جديدة في المسرح العراقي ، ويعد كتابة استثنائية  بعودتها إلى ألذات للحديث عن الذات في تجربة المنفى،و ترجع إلى ما تبقى من طقوس وحشية في الذاكرة ، وهذه عودة ترجع بالأساس إلى إستراتيجية الاستماع إلى الذات والذاكرة ، والحفر في مسكوتها ومقموعها وكوابيسها لجعل الدراما تتكلم بلغة المعاناة المكبوتة في نفسياتها، فتتكلم عن ضياع الأماكن،والزمن، والذات، و تتكلم عن تفكك العلاقات الإنسانية في الزمن الوهمي ، و تتبع تفككها في الزمن الحقيقي الفعلي. وهذا الاستماع ، وهذا الكلام ، كلما قرب بين الشخوص، ووحد تيمة صراعها مع أسباب انكسارها ، كلما ضاع معنى اللغة في القرب ، وضاعت معه المواقع ، والهوية، والذاكرة، والحياة في المنفى والبعد لتتولد تيمة الموت والرحيل والغياب والانتظار والقلق.

بهذه التيمات المتعددة تتحدد دلالات الكتابة في كتابة الكاتب قاسم مطرود، وتتحدد زمنية الحكايات في المكتوب، ويصير زمن الشخوص غائبا في خضم اللاتفاهم الذي يحكم غياب العيد، وحين يحضر العذاب، تزيد عذابات هذه الشخوص  بانتظار الذي يأتي ولا يأتي ، فتضيق الأماكن، مع الموت، ويتأجج القلق في المنفى  في عالم موحش ومقلق و مقرف.

بهذه التيمات ينبني التنوع الدلالي في تجربة قاسم مطرود، فتتسع حالات الغربة في المنفى، وتتوزع دلالاتها في ألوان موحشة تنسج الكيان المتخيل للذوات وللعالم بالضياع، وتطوي صفحات العمر ـ أو الأعمار ـ فلا تجد زمانا ولا وطنا  لهذا العمر، وعندما لا تجد الشخوص مكانا لها في العالم ، تغير الكتابة بحواراتها الدرامية شكل الوجود الواقعي الضائع إلى وجود عبثي في زمن الكتابة، به تسائل علاقتها بالعالم، وتسائل شكل بناء الشخوص في بنية الكتابة الدرامية، وهي الكتابة التي تقرب فعل قراءة هذه التيمات من التركيبات اللغوية المفككة عن قصد ، و تترك ـ عن عمد ـ بياضات وثقوبا في معنى الكتابة ،لتوسيع دائرة تأويل معنى النص بفعل القراءة.

إن التفكك في العلاقات ـ داخل هذه النصوص ـ يعني أنه علامة وجود للشخوص، وليس علامة عدم، لأن المنفى في الوجود والعدم لا يبتعد عن التفكير في الوطن حتى في هذه العبثية الوظيفية التي تتحدث عما تبقى من الوطن.

إن بناء هذه التيمات في النصوص المسرحية عند قاسم مطرود ذات علاقة وطيدة برؤية قاتمة سوداوية نابعة من الذات المغمومة المهمومة بضياع الأوطان ، والأبناء، والروح ،و هي السمة التي تسم الرؤية التراجيدية للكتابة المكونة لبنية هذه  النصوص وقد توزعت بين حوارات قصيرة مفككة تتكلم بها كل شخصية فلا تتضح هويتها رغم كلامها عن الذات ، أو كلامها عن الذوات، لأنها في زمن النص باهتة ،هلامية، ضائعة، ورقية، تبحث على ملامحها في المقابر والمدافن ، وتبحث عما تبقى من الأبدان بعد أن عصفت الحرب بها، و تبحث على ملامحها في الضياع، وتبحث على التواصل، في الزمن الضائع من الزمن الباقي في زمانها ، وتحلم بإيجاد وقراءة ما يوجد في ذاكرتها كتاريخ مشترك بينها بغية إرجاع اللحظات المسلوبة منها، و تكليمها بما كان قد سطر لها في صفحاتها المنسية من معاناتها،فلا تجد إلا الفراغ، وكأن الكاتب ، بهذه القصدية، يروم  تطهير ألذات من الدنس الايديويوجي المتحكم في الواقع، ويروم التحرر من وجع السنين بواسطة شخوص تقوم بوظائفها  الفنية والدلالية لتقديم موقعها في بنيات هذه النصوص .

ومن الدلالات التي أبرزتها خطابات هذه الشخوص ، تأملها في الحياة بحكايات صغرى تحكيها بشكل متوتر يحول كل تطهير ممكن إلى توتر دائم في القلق، فهي تقدم أعمارها الضائعة،أثناء الحديث عن العمر داخل الزمن المسرحي المجرد، وتصوغ حديثا محكوما بما تحمله هذه الأعمار من مآس مشتركة تمثل مرجعية قوية تساعد المتكلمين في الحوارات على تمثل معنى الفقد الذي تظهر علاماته في اللاتواصل المهيمن على النص.

وهناك ـ أيضا ـ شخوص تريد أن تتذكر ماضيها، وأخرى تريد أن تحفز باقي الشخوص على أن تنوب عنها في التذكر، أو تصاب ـ مثل الجميع ـ بداء النسيان،ومقابل الفقد والضياع تتقوى إرادة ترويض الذاكرة على نسيان الماضي ،كتعبير على أقصى درجات القرف وهول السقوط التراجيدي ، فيتحول هذا النسيان ملاذا أخيرا تحتمي فيه الشخوص هروبا من وطأة العذاب.

(براء : أتمنى أن أصاب مثلك بداء النسيان، وأنسى عذابات هذا العالم، وأجلس في زاوية "تتكور من عمق المسرح" صغيرة.أنتظر مصيري الذي يمر أمامي.كالشحاذ يحمل كيسا فارغا وأسمالا بالية "إلى الأم " هي ذي روحي يا أمي ) (1)

ونجد ـ أيضا ـ شخصيات مصابة بداء النسيان، وأخرى تتذكرك المواجع والفواجع وتريد ترميم ما تركه فيها الغياب من أعطاب تركت ظلالها على خطاباتها المعطوبة، المفككة،اليائسة .

( الزوجة :أما أنا فعلى أن أنسى كل عذاباتي  وأدفن الليالي الطوال .كان جسدي يحترق و عقلي يشتط والبركان ينفجر ولا يوقفه سوى اليأس والنوم العميق ) (2)

مع النسيان تهيمن تيمة الموت على دلالات هذه الخطابات وهي تتحدث عن الغياب ،ويتحول الحضور الذي كان في الماضي ،  إلى غياب عن الحياة والناس والعلاقات، وتبرز المقبرة كعلامة دالة على هذا الفقد الذي يصير التذكر بديله عند شخصيات تتعلق بما تبقى لديها من أمل في الحياة.

( الزوج : هذا صديقي مات بعد موتي بعام، ظل وحيدا في الدنيا بعد أن ماتت زوجته التي حزن عليها كثيرا،فمرض وهزل( برهة )، جاءوا به إلى هنا ، ضيفته، صرنا أصدقاء ، نجوب المقبرة ليلا، نتذكر، ونتذكر، حتى ينتهي اليوم، ثم يجئ اليوم الآخر  فنتذكر أيضا ، ولا نحسن شيئا سوى التذكر) (3)

 وهناك شخصيات مسكونة بالانتظار،حيث مع الانتظار، ومع طول الانتظار ، يغدو الجسد في مساحات النص دفتر أفكار يتقاذفه صمت عصوف يغيب مع النهار المظلم، وتستولي عليه فوضى الأشياء في الليل الدامس على المصير الواحد الذي يشترك في صوغ معناه كل متكلم يضع صور الواقع على ضفاف الاستعارة الغامضة في الحوارات.ففي غياب اللقاء  بين الشخصيات الغائبة ، و الشخصيات الحاضرة في السرد الدرامي تحرم الشخصيات من متعة اللقاء ، فتعيش بين الحضور والغياب مرارة المنفى بعد أن انحلت العلاقات بين الذات والذات ، وبين الحاضرين والحاضرين ، وبين الغائبين والغائبين.( أيان:سيعود حاملا ببين يديه الروح لتحكي غيبة السنين الطوال في الأسر والوجع والأنين )(4)

ومع طول الانتظار ، تصبح الزوجة تحتل موقعا هاما في حوارات النصوص، لأنها تؤسس معنى التيمات، ومفارقاتها، وتوتراتـها.

( الزوجة : لقد طال الانتظار ( برهة )

 لم يعد عندي أحمر شــفاه ( برهة )

أظنني لا أعرف كيف أستخدمه الآن ( برهة )

عندي ذكرى الأشياء.عندي بؤسي يحفر وجهي ويحدد ملامحي أحسن تحديد( برهة )

الخوف يهزني حين يقترب موعد اللقاء ) (5)

لكن هذا الانتظار لا يبقى انتظارا في الزمن المسرحي المتخيل، خارج المعاناة الفردية والجماعية، بل يصير مرضا يتفاقم وجوده في حياة كل شخصية، وكل حالة، وكل نبضة قلب، أو حشرجة موت، وهو التيمة التي هيمنت على كل النصوص المسرحية.( الزوجة : أنا مريضة بالانتظار،قتلني الانتظار،جعل فكري أحاديا،لاأعرف شيئا سوى أن أنتظر ) (6).وهو ما تكرر على لسان "براء" و" أيان" مما جعل الشخوص بلا ملامح إلا ملامح العذاب والانكسار، والديجور.

                 ( براء : أنتظركما كما الزرع ينتظر الماء ،تيبست روحي ، عاث بها الزمن،إنني لا  أستطيع  الاستمرار مع الموت، سأترككما وأجر معي انكساري، وحزمة الضوء التي انطفأت ) (7)

ومع كل حالات كل الشخوص  يصير الانتظار ملفوفا بغموض الزمن ، وسديمية اللحظات. ووطأة العذاب، والبحث عن علامات الحياة في لحظات الموت، لإثبات الوجود والحياة

( الزوجة: ( تضخك ) ومن يثبت أننا أحياء، وأن هذه اللحظة مستمرة ) (8)

                 .........

( أيان: إنني عاجز عن وصف لحظة عذاب واحدة) (9)

كل سياقات الواقع ،في هذا الانتظار،حولت الشخوص إلى أشباح في الحاضر، وصارت كل الحالات النفسية محملة بهاجس الخوف ، وغدت خطابات الكتابة الدرامية في هذه النصوص محملة برمز اللغة العبثية التي توحي بمرجعها الأصلي ،ولا تنفيه ، وتبرر شكل انبنائها الاستعاري في السياق المسرحي،دون إغفال الشوق إلى دفء الحياة،  وتفسر الأبعاد التعبيرية برموزها الداخلية لتخفف من سلطة التاريخي المقنن للعلاقات والأحداث بغية تأسيس زمن آخر بأبعاد جديدة من خلال بنية الشخوص الموظفة في المسرحيات ،دون التخلص من شبح الموت ودموية الأزمنة القاتلة.

وعلى الرغم من الصور القاتمة المهيمنة على هذه النصوص المسرحية ، توجد شخوص تحلم بالتفاؤل وسط هول الضياع، وتتطلع إلى وصول لحظة فرح يدلف إلى قلوبهم.

                 (الزوجة: سيجيء الصبح ومعه العيد، ونضحك كثيرا،(فرحة) نضحك ...نضحك ... نضحك) (10)

                 (الزوجة : لم نعرف الأعياد منذ زمن بعيد ....ففي الدنيا كان العوز يمنعنا من الفرح) (11)            
هذا الحلم بالعيد وبالفرح، لا يخفي الصور العبثية التي تزيل الأقنعة على كل التيمات العبثية التي تستحضر المآسي أثناء طرح السؤال الحقيقي وانتظار الجواب العبثي الذي جعل كل الشخوص مفككة في بنية مسرحية مفككة كميزة للكتابة العبثية، وهو ما أفرز خطابات لم تعد تختزن إيقاعات الحياة ، بقدر ما عادت تفجر المنحبس فيها بعد تعفن الفرح بغياب الحياة عنه، فكثر حنين كل شخصية إلى أليفها المحتمل، وزمنها الممكن، لأنها تحتاج إلى الآخر ، كما أن الآخر يحتاج إليها ، ويظهر الزوجان هذه الحاجة إلى العيد ، وإلى الفرح، وإلى العودة إلى دفء الوطن .إن كل شخصية تحتاج إلى الآخر،الغائب ، لتتنفس من خلاله أمل مقدم العيد ، وأمل عودة الغائب،وتكشف  عن خزان ذاكرتها المكلومة من خلاله ،وهذه الحاجة جعلت الزوجان يتوسدان الفراغ، في بؤس مجرد من الأمل بعد ضياع عضو من أعضاء الجسد أو ضياع الأبناء.

( الزوجة: أين يدك ؟

براء:     أين ساقك ؟

الأم:     أين أنا ؟

أيان ( يهمس ) نحن جميعا في التيه نفسه ؟

براء: ماذا فعلت حتى أبدلت ساقك بعصا

أيان: أنت طيبة القلب .لقد فكرت فيك كثيرا ) (12)                                  

ومن كل هذه المعاناة تظل تيمة الموت تلاحق مكونات كل الحكايات والخطابات ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالضحايا الغائبين عن الزمن المسرحي ، والذين يمثلون العنصر المكمل لكل مآسي الشخوص الحاضرة في هذه النصوص.

( الدفان الثاني : مات في شبابه .

الدفان الأول : مات مسموما .

الدفان الثاني : طعن بالرمح.

الدفان الأول : طعن بالسكين

الدفان الثاني: مات غدرا.

الدفان الثاني: أعرفه.

الدفان الأول: كلا.

الدفان الثاني: اخترقته رصاصة.

الدفان الأول: أعرفه ) (13)

إن الكوميديا السوداء في هذه النصوص تمثل أساس الكتابة العبثية، وأساس تقديم فجيعة المعنى، وأساس السخرية بالحالات و المواقف والزمن والإنسان وهو يواجه الحالات العصية، وأساس تضخيم الصور  بشكل كاريكاتوري أوصل الكتابة إلى صياغة تركيبات لا معقولة في صور غير معقولة.

هذه الكوميديا تكتب بدلالات الواقع وألذات ، تبدأ بتأمل ما في الذاكرة، من ذكريات، وتجعل من صورها وحالاتها مادة للكتابة الدرامية ، تلغي الواقع وألذات لتكتب عنهما بعد التخلص من تجلياتهما في المعيش، وهو ما جعل فعل الكتابة  بهذه الكوميديا السوداء  فعلا يقصد أنسنة هذه الكتابة بهذه الكوميديا ، ويفسح المجال أمام قسوة الواقع ، ليجد وجوده في خطابات الكوميديا السوداء،  حتى تظهر عبثية الكتابة في واقع الكتابة المتخيلة وهي تطل على الذات والواقع من خلال كوميديا سوداء موسومة بدلالات الواقع و ألذات  .

 

هوامش:

(1) قاسم مطرود: الجرافات لا تعرف الحزن " إتحاد و أدباء الإمارات ـ الشارقة. الطبعة الأولى ص27 ص  28.
(2) المرجع نفسه : ص  13.
(3) المرجع نفسه : ص .56
(4) المرجع نفسه : ص .12
(5) المرجع نفسه : ص 12.
(6) المرجع نفسه : ص19 .
(7) المرجع نفسه : ص40 .
(8) المرجع نفسه : ص30 .
(9) المرجع نفسه : ص35 .
(10) المرجع نفسه : ص 53.
(11) المرجع نفسه : ص60 .
(12) المرجع نفسه : ص32 .
(13) المرجع نفسه : ص69 .
 

 

 

 




 


 

free web counter