الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الثلاثاء 9/6/ 2009

 

جلجامش في جنوب السويد

فهد محمود

استضافت جمعيتـا الثقافيـة العراقيـة والاسكندينافيـة للتبادل الثقافـي في مدينة مالمو السويدية مسـاء السبت 6 / حزيران / 2009 وعلى قاعة مسرح الكنيسة العالمية في المدينة ، الفنان المسرحي العراقي الدكتور سـعدي يونس بحري المقيم في باريس / فرنسا ، في أمسية قدم خلالها عرضا مسرحيا عن " ملحمة جلجامش "، أعقبه حوار متبادل بين الفنان والجمهور الذي اكتظت بهم القاعة بعدد من المثقفين والمسرحيين والتشكيليين العراقيين بالإضافة إلى الجالية العربية والمهتمين بالفن والثقافة .

يظهر فجأة على المسرح ( الفنان سعدي يونس بحري ) متقمصا دور الحكواتي ( ذاك الإنسان الذي كان يحتشد حوله الناس في المقاهي قديما، ولا يكتفي بسرد أحداث القصة بتفاعل دائم مع جمهوره ، بل يدفعه الحماس لان يجسد دور الشخصية التي يحكي عنها بالحركة والصوت ) ، بالحديث عن جلجامش ملك أورك الذي كانت والدته اله خالدا ووالده بشرا فانيا ولهذا قيل بان ثلثيه اله والجزء المتبقي بشرا ، لذا كان يبحث عن وسيلة للخلود ، وبسبب تصرفات جلجامش ابتهل سكان أورك للالهه بان تجد لهم مخرجا من ظلمه، بعثت آلهة آرورو لهم بشخصية انكيدو ليدخل صراعا مع جلجامش ، لكن الأخير يتغلب عليه مما يضطر انكيدو الاعتراف بقوة جلجامش ويصبح الاثنان صديقين حميمين .

الفنان المسرحي سعدي يونس وبأسلوب إبداعي جسـد الشخصيتين جلجامش وانكيدو في آن واحد مستغلا تقنياته المتواضعة من الاقنعة بما يتناسب وشخصيات الملحمة السومرية المشهورة في تأريخ الانسانية، صانعها وبطلها مجسدا في شخصية جلجامش ذاتها، بالاضافة الى الازياء المتعددة الالوان اشبه بعباءة حريرية تغطي ثلثي الجسم ، حاول الفنان المبدع سعدي يونس التمازج بين الزي الذي كان سائدا في زمن السومريين والزي المعاصر مستعينا بالزي العربي محاولة من الفنان من عصرنة الملحمة وربطها بالواقع العربي الراهن والمشاكل المحيطة بهذا الواقع وكيفية انتشاله ليرتقي مجددا بما يتناسب وتأريخنا الحضاري المشرق .

يستمر سعي جلجامش للوصول لغايته ، هذه المرة مستعينا بصديقه الحميم ، رغم تخوف انكيدو من فكرة قتل حارس الغابة خومبابا ، بعد قتال عنيف يقع خومبابا ارضاً ولم يجد توسله نفعا منهما في العدول عن قتله ، الا ان اصرار جلجامش بلوغ العظمة والخلود ، فيردياه قتيلا ، مما اثار غضب آلهة الماء انليل ، لتبدأ امواج البحر بالهيجان . بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعتبر وحشاً مخيفا ، يبدأ اسم جلجامش بالانتشار والشهرة ، يصل الخبر الى مسامع آلهة عشتار ، فتحاول التقرب من جلجامش وتعرض فكرة الزواج منه ، الا ان جلجامش يرفض العرض ، فتشعر عشتار بالاهانة وتشتعل غضباً ، لذا طلبت من والدها آنو آلهة السماء الانتقام من جلجامش ، والذي بدوره يرسل ثورا مقدسا من السماء، لكن انكيدو يتمكن من الامساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالاجهاز عليه وقتله .

براعة الفنان سعدي يونس تكمن في لحظة التحول من شخصية الى اخرى ، من دور الحكواتي المتواضع الى جلجامش العملاق مزهوا بالانتصارات، من حالة حسية ونفسية معينة الى حالة مغايرة بكل تعابيرها وتأثيراتها ، من حالة العظمة الى غليان الغضب والاصرار على مواصلة الطريق ، الى الهدوء ورفض المتعة الذاتية ، من انكيدو الى خومبابا ....الى انليل وآنو وعشتار ..... الى ظروف الطبيعة و قساوة الطريق واجتياز الجبال والغابات وهيجان البحر، مستعينا الفنان سعدي يونس بحري بالآلات المتواضعة، الطبل والدف والمزمار بتحوير معين وسلاح القتل ، كل ذلك من حقيبة سفر التي تمثل مجمل ديكور المسرح المتجول للفنان المبدع سعدي يونس بحري.

بعد مقتل الثور المقدس يعقد الالهة اجتماعا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وانكيدو على قتلهما مخلوقا مقدسا. وطالما كان انكيدو من البشر ، فيبدأ المرض المنزل من الالهة باصابة انكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد حين ، في الوقت كان يسري في عروق جلجامش دم الالهة من جانب والدته التي كانت آلهة ، فينجو من عقاب آله السماء ، الا انه يصاب بحزن شديد على موت صديقه انكيدو .

بموت انكيدو يدب الخوف اكثر في نفس جلجامش لمعرفته بحقيقة انه لابد من ان يموت يوما لانه جزء من البشر والبشر فان ولا خلود الا للالهة . بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود ولابد من ايجاد الانسان الوحيد الذي وصل الى تحقيق الخلود هو أوتنابشتم والذي يعتبره البعض مشابها جدا لشخصية نوح في الاديان اليهودية والمسيحية والاسلام . واثناء البحث يلتقي جلجامش باحدى الالهات سيدوري والتي كانت الهة النبيذ وتقوم بدورها بتقديم مجموعة من النصائح الى جلجامش بان يستمتع بما بقي له من الحياة بدلا في البحث عن الخلود وان يشبع بطنه باطيب المأكولات ويلبس اجمل الثياب ويحاول ان يكون سعيدا بما يملك، لكن اصرار جلجامش طغى على كل تلك الامتيازات ، وتقوم سيدوري بارسال جلجامش الى أورشنبي ليساعده في عبور بحر الاموات ليصل الى أوتنابشتم .

عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الاخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بامر الالهة ، بعد ان لاحظ اتنابشتم اصرار جلجامش في سعيه ، قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا ، اذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا دون ان يغلبه النوم لمدة 6 أيام و9 ليالي فانه سيصل الى الحياة الابدية ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار الا انه ظل يلح على اوتنابشتم وزوجته في ايجاد سبيل اخر كي يحصل على الخلود . تشعر زوجة اوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بامكانه ارجاع الشباب الى جلجامش ، يغوص جلجامش في اعماق البحر في ارض الخلود دلمون ويتمكن من اقتلاع العشب السحري .

بحركات متقنة ومهنية عالية يمتزج الفنان المبدع سعدي يونس بحري الحدث بمؤثراته ، هيجان البحر واجتياز الجبال ، مخاطر بحر الاموات وفشل الاختبار لنيل الحياة الابدية ، الحاح في السعي للوصول الى الخلود وتعابير الشفقة على حالة العملاق .

بعد حصول جلجامش على العشب السحري يقرر ان يأخذه الى أورك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل ان يقوم هو بتناوله، ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل سرقت العشب احدى الافاعي فرجع جلجامش خالي اليدين، وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه ان عملا ضخما كهذا السور هو افضل طريقة ليخلد اسمه .

بعد انتهاء الفنان المبدع سعدي يونس بحري من عرضه الرائع لملحمة جلجامش ، قدم الدكتور حسين الانصاري الفنان لجمهور القاعة مشيدا بدوره في اغناء المسرح العراقي مستعرضا جزء من اعماله على سبيل المثال بابل حبي الازلي / كتاب ، طفل الجزيرة المتوحشة / كتاب و ملحمة العبيد وجلجامش / كتاب ، ثم اضاف ، مستعينا بذاكرته عن ايام الدراسة في معهد الفنون الجميلة ومرافقته للفنان للكثير من اعماله في المحافظات العراقية المختلفة ، بعد حين ترك المجال للفنان الدكتور سعدي يونس بحري ليحدث القاعة بحضورها:
تخرجت من معهد الفنون الجميلة في بغداد ، قدمت اعمالا مسرحية عديدة في البصرة في أم البروم ، بابل ومن ضمن اعمالي المسرحية الحالية ، اسست مسرح الشارع في مدينة الثورة ، جميع اعمالي متأثر بالتراث العربي، ويظل التراث هو المنهل الكبير ، كونه يعكس جذور المجتمع اليوم ، وسيكون مفيدا جدا ان يتم تشجيع اعمال تتناول التراث الحضاري .
العودة الى التراث بأسلوب معاصر ولغة الصورة بالتأكيد سيساهم وسيكون لبنة واساس ضروري لبناء واقع الحضارة اليوم وهذا ما حاولت جاهدا من عصرنة ملحمة جلجامش والحديث للفنان سعدي يونس ، فاي شجرة بدون جذور لا يمكن ان تثمر أو يكون لها اوراق، اذن يجب ألا نتخلى عن الجذور او نهملها .

طرحت اسئلة كثيرة من الجمهور حول كيفية مقدرة الفنان سعدي يونس في تجسيد شخصيات عديدة في آن واحد ضمن مسرحيته الحالية ، وكيفية اتقانه لنقطة التحول من شخصية الى اخرى مع كل المؤثرات الداخلية والخارجية المحيطة بذات الشخصية دون مشاركة فنانين اخرين معه في ادائه المسرحي ؟

وضح الفنان سعدي يونس هذه المسألة ببساطة متناهية كونه يحترم فنه ومضمون عمله ، ويجب ان لاننسى بانني واصلت دراستي في اشهر معاهد المسرح وعلى ايادي اساتذة فرنسيين ، في الخارج تعلمت في كيفية التعامل مع الالوان والازياء والوجوه وطبيعة الشخصيات في العمل المسرحي وعلي ان اضيف بان الفنان يجب ان يقدم فنه بمهنية عالية دون الخوف والحذر ، والنقطة الاساسية ألا يجرد اعماله من الجانب الانساني المشرق والا يؤدي ذلك الى قتل الفن .
وحين سؤاله عن السبب الذي دفعه لاحياء جلجامش ثانية ؟ اجاب بكلمة واحدة .... العراق.. ثم اضاف باننا نمتلك حضارة غنية وجميلة برموزها ومفرداتها وجلجامش جزء مهم من هذه الحضارة .

وقبل ختام الامسية تحدث الفنان المسرحي علي ريسان مهنئاً سعدي يونس على عمله المبدع " تثمن على ذاكرتك الجميلة التي تستوعب العراق ومحتوياته وشيء جميل ان يتم التواصل من خلال الفنانين والشعراء والمسرحيين " وقدم هدية ، عبارة عن لوحة فنية جميلة ، باسم المسرحيين في فرقة القلعة للتمثيل في كركوك .





 

 

free web counter