الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الجمعة 8/5/ 2009

 

كفاءات خارج الوطن

أجرى اللقاء: صفاء فاخــر
Safaa.facher@hotmail.com

"كفاءات خارج الوطن" سلسلة لقاءات تسلط الضوء على طاقات وكفاءات عراقية خارج الوطن، محاولين من خلالها الوقوف عند الرؤى والطموحات العراقية المختلفة من اجل المساهمة ببناء عراق جديد على اساس ديمقراطي حر .

لعل في تكليف الشاعر الشيخ سيف الدين الولائي ابنه الاكبر بخط قصائده قبل ان تصبح اغنيات ٍ نقشت في ذاكرة العراقين فيما بعد, حكمة. وحكمته وهو يشيد بخط يد الابن اليافع ان يزرع برأسه موسيقى الشعر ليخلفه فيه.
هاهي حكمة الشيخ التي اضمرها وهو يمسك بيد طفله, أثمرت, تجذرت وتفرعت، فصارالابن البار ليس شاعرا وحسب بل ناقدا وروائيا، وكاتبا مسرحيا، ومترجما، انه الاستاذ الأديب جاسم الولائي الذي سنتحاورمعه في حلقة اليوم من كفاءات خارج الوطن.

استاذ جاسم الولائي، انتم سليل عائلة شاعرة لها مساهمات كبيرة ومهمة، فقد اثرى والدكم الشاعر سيف الدين الولائي ذاكرة الغناء العراقي بالعديد من الاشعار, حيث غنت له اشهر مطربات العراق كعفيفة اسكندر، ومائدة نزهت, وكانت كلمات اغانيه من الرقة بحيث حفرت في ذاكرة وعواطف الناس, وبهذه الفرصة اود ان يتعرف القاريء على والدكم المبدع عن قرب فانتم خير من يتحدث عنه , كما ان من الملاحظ على من حظي بالتربية الشعرية - ان صحت التسمية - من الشعراء يزدهر شعريا، فهل لكم ان تحدثونا عن هذا؟ وعن تجربتكم الشعرية بشكل عام؟
- لم أتعرف على سيف الدين ولائي شاعرًا إلا في فترة متأخرة لفارق السن الكبير بيننا. فهو من مواليد 1915 وأنا من مواليد 1953، أي أن هناك قرابة أربعين عامًا بيننا، وترتيبي الرابع بين أحد عشر ابنًا وبنتًا والأول بين الأبناء الذكور، لذلك كان يُكنى بأبي جاسم. في طفولتي كان سيف الدين ولائي أبًا أربعينيًا ناضجًا ومحبًا ومكافحًا من أجل أبنائه وبناته وساعيًا من أجل رزقهم اليومي ومستقبلهم، يصحو فجرًا مع حركة الجنود المتوجهين إلى معسكراتهم، يطلب من والدتي وجدتي إعداد الفطور وإيقاظنا جميعًا لنجلس ناعسين حوله ونتناول فطورنا أمام عينيه ثم نعود إلى النوم ثانية. أحيانًا كان يطلب إيقاظنا في الثانية صباحًا لأنه استلم مكافأة أغنية من أغانيه ليلاً من دار الإذاعة عن طريق أحد الفنانين أو إحدى الفنانات، وابتاع في طريقه إلى بيته بعض الحلوى أو طعامًا من أحد المطاعم الساهرة وأراد لنا أن ننام هانئين فرحين بما فاجأنا به ليلاً. هذا هو سيف الدين ولائي كأب، كان آخر من يأكل، آخر من يرتدي قميصًا جديدًا. في موقف لا يمكن نسيانه وبسبب مرض إحدى بناته وكلفة العلاج الباهظة واستمراره سنوات طويلة، لم يشتر قطعة ملابس واحدة خلال خمس سنوات حتى بليت ملابسه. كان يذهب إلى مبنى الإذاعة ليقدم نصًا غنائيًا وهو يرتدي بزته الرسمية التي تقدمها أمانة العاصمة مرتين في العام وقتها، حيث كان يعمل مراقبًا ثمّ مأمور بلدية، معتذرًا بأنه جاء من عمله مباشرة دون أن يمرّ إلى بيته. لم يكن يعرف بمشكلته تلك سوى صديقه الأثير الفنان الراحل رضا علي الذي شاركه حيرته وعيادة الأطباء. حتى بلغت العاشرة كان والدي قد بلغ ذروة عطائه الفني وكانت الإذاعة تبث أجمل أغانيه وأكثرها شهرة بشكل يومي بأصوات رضا علي، عفيفة اسكندر، أحلام وهبي، مائدة نزهت، لميعة توفيق، صبيحة إبراهيم، فائزة أحمد، جعفر حسن، عبد الصاحب شراد وناصر حكيم الفنان الريفي الكريم الذي نقدني في أحد الأعياد نصف دينار وقبلة كانت أجمل هدية بعد هدية رضا علي صورتين كتب عليها الفنان الراحل إهدائه بخط يده وصورة وصلتني من البصرة عن طريق البريد من فناننا الجميل فؤاد سالم عليها إهداء رقيق يصفني فيه بالأديب. غنت كلمات ولائي أيضًا مجموعة الإذاعة والتلفزيون وفنانون آخرون وقبلهم سليمة مراد ونرجس شوقي وزهور حسين وفاضل رشيد. كانت الوالدة تحدثنا عن شاعرية الوالد وأغانيه الجميلة وقصصها الأجمل وكثيرًا ما كانت تتحدث عن حبه للناس حبه للأماكن المزدحمة بهم واختيارها سكنًا له وأسرته، طيلة حياته قضاها في الكاظمية ثم منطقة الشواكة (باب السيف) ومدينة الوشاش، حتى طرد من البلاد قسرًا فتوفي ودفن في مقبرة الغرباء في ضاحية السيدة زينب بدمشق عام 1984 إلى جانب زوجته التي سبقته إلى الموت بأقل من ثلاثة شهور. أول درس تعلمته منه، أن أحب الآخرين، أن أحب الناس والحياة بينهم. بسبب محبة هؤلاء الناس وتعلقهم بسيف الدين ولائي، لم أكمل مشوارًا واحدًا معه خارج البيت. ما أن نخرج سوية حتى يصادفه أحد ما أو مجموعة ما من الناس ويحدثونه وقوفًا، وفي أكثر الأحيان يتواصل الحديث في الشارع ساعات، فأضطر إلى العودة وحدي إلى البيت بعد انتظار طويل. أما حين يخرج وحده ليجلب شيئًا ما من السوق، فكان دائمًا يرسل ما يشتريه إلى البيت مع أحد الصبيان، ثم يأتي بعد ذلك بساعات. في إحدى المرات أوقفته شابة صغيرة وأخبرته أن موعد قرانها وحنتها ستحل قريبًا وهي تطلب منه أغنية لتغنيها صاحباتها في المناسبة. طلب أن تنتظر أسبوعين لتستمع من الإذاعة إلى أغنية جديدة، كانت أغنية (حنة.. حنة بيدها) ثم أغنية (عروسة والحبايب زافيها... عروسة وكل معاني الحسن بيها) بعد ذلك غنّت الفنانة عفيفة اسكندر أغنية (شايف خير ومستاهلها)، وبالفعل كانت هذه الأغاني الثلاث حاضرة لسنوات طويلة مع كل عروس عراقية. مع بلوغي الرابعة عشر من عمري بدأت أسمع عن الشاعر سيف الدين ولائي من أساتذتي في المدرسة وزملائي في الدراسة، وقتها صدقت أنه شاعر غنائي مرموق ومحبوب وصل إلى مستوى من الشهرة بحيث يعرفه أساتذتي في المدرسة. في تلك الفترة بدأ يصطحبني إلى بيوت أصدقائه من الفنانين أو يقدمني لهم بصفتي ابنه الأكبر الناجح في دراسته أثناء زياراتهم له، ومنهم فناننا الجميل عبد الجبار الدراجي. بعدها بدأ يملي علي نصوص الأغاني زاعمًا أن خطي جميل ويليق بأن تقدم الأغاني به إلى دار الإذاعة. وكان آخر نصين غنائيين قدمهما الوالد بخط يدي أغنية (قدمت للولف من ورد الشباب) للفنان عباس البصري، وأغنية (من علّمك ترمي السهم يا حلو بعيونك) التي لحنها الأستاذ رضا علي وغناها الفنان الكبير ياس خضر، وهي آخر ما قدم سيف الدين ولائي في حياته. بودي أن لا أتحدث إلا عنه هو، والدي وصديقي وأستاذي سيف الدين ولائي، وسؤال وحيد عنه لا يكفي حتمًا.

النقد عبر العصور الأدبية كان مقوما للعملية الابداعية، ولكن هذا الدور نراه قد تراجع في ادب المهجر العراقي، فكيف تعللون ذلك؟ وهل ان محاولاتكم النقدية جاءت لإحياء شيئا من ذلك الدور؟
- النقد عبر العصور - النقد الأدبي هو فن أكاديمي غايته التقويم والتقييم يحتاج إلى دراسة وخبرة طويلتين، إضافة إلى موهبة وصبر ونزاهة لا تتاح إلا لقلة قليلة من الناس، فالناقد الحقيقي حسب رأيي يتميز بجمالية الفنان ودقة الصائغ وهيبة ونزاهة القاضي، لذلك فصفة الناقد تثقل كاهل حاملها بمسؤولية كبيرة، لهذا لا يمكن أن أسمي نفسي ناقدًا وأضعني مع أساتذة النقد الكبار أمثال د. علي جعفر العلاق أو د. حاتم الصكر وغيرهما. وبسبب كل تلك الميزات التي ينبغي على الناقد أن يتحلى بها، أصبح عدد النقاد في كل المجالات الفنية من الكلمة إلى المسرح إلى الصورة الفوتوغرافية واللوحة شحيحًا. بالنسبة لي لم تكن سوى تجربة حظيت بالتشجيع من قبل بعض الصحف العربية الصادرة في لندن وبيروت ودمشق وبعض الأصدقاء من الأدباء والفنانين بدأت التجربة باقتراح من أحد الأصدقاء بنشر قراءة لمجموعة قصصية للقاص يوسف أبو الفوز في نهاية التسعينات بعنوان رحلة السندباد الثامنة صورتها القناة الأولى للتلفزيون الفنلندي كمحاضرة ضمن فيلم طويل عن سيرة القاص، كان الاقتراح أن أنشر هذه القراءة المصورة في إحدى الصحف وكان الخيار صحيفة الزمان التي احتفت بها ونشرتها في وقت قياسي مع إشارة عنها في الصفحة الأولى، هذا الأمر حفزّني على تكرار التجربة، بعدها بدأ بريدي يستقبل الكثير من الكتب.
لا يمكن أن يوضع ما أنشره من قراءات تحت تسمية النقد ولا يمكن أن يُمنح صفة التقويم أو التقييم، ليس الأمر سوى رؤى ووجهات نظر شخصية بحتة وليست فنية لقارئ عادي ربما يكون متذوقًا للأدب والفن، وهذا ما أشير إليه بالتأكيد في كل قراءة أنشرها. كذلك الحال بالنسبة إلى ما كتبته عن المسرح والفن التشكيلي حيث أتلقى دعوات عديدة للمعارض الفنية والعروض المسرحية هنا في السويد وحين أكون خارجها. هنا لابد أن أشير بأنني أراعي فيما أكتب سن الكاتب، فلا يمكن أن أطالب شاعرًا في مقتبل عمره وأنا أقرأ كتابه الأول ما أطلبه من كاتب خمسيني، وأضع في الحسبان الزمن المفروش على طريق المبدع الشاب وكيف سيستثمره وأين سيصل في مشواره الإبداعي، وأحسب حساب كل كلمة سأقولها حول ما يبدعه الشباب كيلا تصدم الكاتب الشاب وتدفعه إلى العزوف عن مواصلة طريقه. ربما أكون أشد قسوة على من لم يستثمر الوقت ليقدم شيئًا يليق بسنه أو لا يقدم شيئًا على الإطلاق.
هذه الشروط الصعبة التي تمنحنا ناقدًا حقيقيًا هي نفسها فتحت الباب لأصحاب الرؤى وغير المختصين في النقد وأنا واحد منهم أن يكتبوا وينشروا ويجدوا الترحيب الدائم من قبل الصحف والمجلات، لأن صفحات النقد فيها متعطشة دائمًا لما يكتبون، ولأن المتخصصين قلة قليلة ونحن بحاجة لأن نقدم كل كاتب وكل كتاب، حتى لو كان هذا التقديم يقتصر على صورة الغلاف وصورة المبدع كإشارة بسيطة تعلن عن وجودهما. ولا بأس بأن أكتب ويكتب الآخرون، لكن أن لا يجري تقييم ما نكتب على أنه نقد حقيقي. أما ما يكتبه نقاد مختصون فأرى أن يوضع في مكانة أخرى هي مكانة النقد الحقيقي وأن يُدون ما يكتب هؤلاء النقاد كما تُحفظ وتدون النصوص الخالدة باعتبارها تحفًا فنية تخضع لشروط أكاديمية صارمة.
حول تراجع دور النقد في أدب المهجر. أولاً دعني أتحفظ على عبارة (أدب المهجر العراقي). هذه التسمية تصحّ على ما كان يبدعه الرعيل الأول من المهاجرين السوريين واللبنانيين إلى الأمريكتين، وتصحّ على زمن غير زمننا هذا، أعني نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضي حتى أواسطه. الأدب المهجري لا يولد إلا في ظروف الانقطاع التام عن البلد الأم، إلا بعد تقطّع كل السبل عن الأهل والمكان والبيئة الأصلية. ما ندونه الآن لا يمكن أن يوصف بأدب المهجر. لأننا على صلة يومية دائمة بأصولنا وبيئتنا وأصدقائنا وبكل ما ينتج من إبداع وما تصدره دور النشر من كتب هناك، لتطور وسائل الاتصال وسهولة استخدامها. العكس يمكن أن يكون صحيحًا، فنحن في منأى عن منافينا وعلى صلة وثيقة بالعراق وسواه من البلدان العربية ونبقى عراقيين مهما حملنا من وثائق غير عراقية. أما تراجع النقد في كل مكان فسببه الإنتاج الغزير الذي حول الكتاب إلى سلعة تجارية، غياب المرجعية التي تقيّم فائدة الكتاب، فكرته، الجديد فيه. أحيانًا تصلني بعض النصوص لكتاب ومترجمين غير معروفين في هذا البلد من بعض دور النشر وهي مشاريع لكتب في طريقها إلى الصدور يطلبون حكمًا محددًا أو ردًا على سؤال وحيد هو: هل أن لغة الكتاب ترقى إلى المستوى الذي يقبله القارئ؟ وغالبًا ما يكون الرد، أن لغة الكتاب أفضل من عدة كتب كانت دار النشر نفسها قد أصدرتها ودفعتها إلى الأسواق ومعارض الكتب في وقت سابق.

من الملاحظ ان الكثير من الشعراء الان يطرق باب الرواية – وحضرتكم منهم- فهل هذا لضيق القصيدة عن التعبير مقارنة بالرواية، ام ان الاقبال على الرواية صار اوسع من الاقبال على القصيدة؟ كيف رايتم هذا بتجربتكم الروائية؟ وهل من اضاءة عنها؟
-
هذا السؤال وجه لي شخصيًا مرات عديدة بعد ترجمتي لرواية هيننغ مانكل (سرّ النار) عن السويدية وبعد صدور روايتي الأولى (لعبة الشيخ)، ثم بعد ترجمتي لعدد من كتب الأطفال والشباب عن السويدية. أعتقد أن لكل شاعر يتحول إلى الرواية أو إلى أي فن جميل آخر حالته وظروفه الخاصة، وربما أهدافه الخاصة وهي عديدة. أعتقد أن ما ذكرت في سؤالك من أسباب، منها ضيق القصيدة باعتبار أن الشعر هو لغة الإيجاز، وسعة الإقبال على الرواية من قبل المتلقي وهذا صحيح أيضًا، هما من الأسباب العامة. وهناك أسباب خاصة تتعلق بالشاعر نفسه، على سبيل المثال السبب الذي دفع الشاعر الراحل عبد الأمير معلة للجوء إلى الرواية وكذلك الشاعر الكبير سعدي يوسف حين كتب (مثلت الدائرة) وغيرهما العديد. بالنسبة لي جاءت فكرة الرواية بعد أن أشحت بوجهي عن الصحافة السياسية وتوقفت عن كتابة المقالات والدراسات الصحفية التي مارستها منذ مطلع شبابي في الثمانينات حتى عام تسعين. كنت أكتب يوميًا مقالة سياسية للإذاعة أو لإحدى الصحف أو على الأقل أعد نشرة للأخبار وأصحح وأعيد صياغة ما يكتبه الزملاء من مقالات لحساب أحد المصادر الإعلامية. أما كيف لجأت إلى الرواية فهذا ما لم يكن في الحسبان مطلقًا، لم أكن أجرؤ على ذلك خشية أن أفقد سيطرتي على الأحداث والتفاصيل، وأتورط تورط القط الذي يعلق بخيوط الصوف. بعد تكليفي بإعداد برنامج إذاعي عن التاريخ والتراث في العراق يعتمد الدراما والحوار، احتجت لأن أقرأ الكثير عن تاريخنا، تراثنا، أعلامنا الكبار في كل العصور، الأماكن والصروح وكذلك التراث والتقاليد. كل ذلك كان في عدد هائل من الكتب. كنت بحاجة إلى كل الأصدقاء ومكتباتهم وبحاجة إلى مائة عنوان. لأنجز ما طُلب مني بالكفاءة المطلوبة. كانت هناك مكتبتي الفقيرة، ما يملكه أصدقائي المقربون من كتب. وصديقي المصري الحاج حمدي علي مرسي الذي يملك أكبر مكتبة في اسكندنافيا وربما في أوروبا (خمسين ألف عنوان) ومئات الكتب عن حضارة العراق فقط. لم يعرني كتبًا، بل قدّم لي نسخة من مفاتيح مؤسسته ووضعها بما تحتوي من كتب ومعلومات وعلاقات تحت تصرفي متى شئت. قرأت الكثير وتراكم لدي الكثير من التفاصيل والمعلومات والحقائق التاريخية وأصبح من الضروري أن يسفر هذا الجهد الذي استغرق عامين عن شيء ما، فكانت الرواية.

ماهي قصتكم مع الأديب الجيكي كافكا، هل لكم ان تحدثوا القارىء عنها؟، وهل وجدتم في شخصياته تقارب مع الشخصيات العراقية؟
- فرانس كافكا.. لم أحب هذا الأديب على الإطلاق، لكنه أثار فضولي، ولأن ثمة من قال إنه أديب مختلف لأنه متميز ومن قال إنه مختلف لأنه مختل. ربما لأن كافكا نفسه اعتبر العالم غامضًا وسخيفًا. في بغداد وفي فترة مبكرة من شبابي قرأت له قصة (عرب وبنات آوى) نشرت باللغة العربية في مجلة الطليعة الأدبية السورية. خلقت هذه القصة بيئة غريبة في مخيلتي الشابة وقتها، والتصقت تفاصيلها في الذاكرة ليس لأنني أحببت هذه القصة، ربما أشعرني كافكا ببنات أواه أنه كان يغمز قناة العرب بوصفهم متغطرسين لا يشاركون الآخرين حياتهم، وهو يعني بالآخرين بنات آوى أو قبيلة من قبائل اليهود. كيف يكتب كافكا عن الآخر بهذه الصورة، ربما لأن أحدًا لم يختصم على هوية كافكا، بل لم يحفل به، إن كان تشيكيًا أو ألمانيًا أو هنغاريًا أو نمساويًا. فقد ولد هذا القاص في مقاطعة بوهيميا (براغ وما حولها الآن) وكانت تابعة لإمبراطورية تفككت وهي الإمبراطورية النمساوية الهنغارية، فتفككت هويته معها. كان يكتب باللغة الألمانية رغم أنه يجيد التشيكية بطلاقة، وكان يجيد الفرنسية ويهتم بآدابها. هناك الكثير من النقاد الأوروبيين لا يمنحه أية هوية أو صفة أو بلد أم. قرأت له القليل باللغة السويدية والكثير مترجمًا إلى العربية بعد أن اكتشفت أن أغلب ما كتب كافكا تُرجم إلى لغتنا. لأبد أن أشير أننا حين نختصم على البيروني أو الغزالي أو الإمام أبي حنيفة النعمان أو العلامة الراحل مصطفى جواد نختصم عليهم لأننا نحبهم. كان أشد ما أفرحني أن شابًا تركمانيًا وصف الدكتور العلامة بأنه (التركماني الذي علم العرب لسانهم)، فيما اعترض عليه صديق كردي قائلاً بل هو (الكردي الذي علمنا اللغة والتاريخ)، وأنا أصفه بأنه عربي القلب والهوى واللسان، والأهم من ذلك هو معلمنا وعلامتنا جميعًا الذي نصحنا بأن نقول ولا نقول. أعود إلى كافكا الذي أود بحق أن أنساه وأشير إلى أن قصة (قرار حكم أو المحاكمة) التي ترجمتها ونشرتها في وقت سابق مع سيرة حياته. كانت أحداثها تتصاعد وخصوصًا فيما يتعلق بعلاقة الشخصيات الثلاث (الابن والأب والصديق)، وتثير المزيد من الفضول، ثم تفاصيل محاكمة الأب الخرقاء للابن الذي انتهت باتخاذ الابن قرارًا غريبًا بانتحار لا مبرر له وهو في أوج شبابه ونجاحه وعطائه. شعرت وأنا أصل إلى هذه النتيجة بأنني أمسيت خالي الوفاض وأمام شاب ضعيف أضاع بعد حوار غريب حياته مقابل لا شيء، ولا يمكن أن نحكم بأن شعورًا ما بالذنب (أي لأنه خدع صديقه) هو ما دفعه إلى الانتحار. لم تترك هذه النهاية التي لا يمكن أن نصفها بالمأساوية سوى سؤال حائر محمّل بخيبة أمل كبيرة: لماذا؟

الترجمة هي واحدة من مواهبكم المتعددة، وهي حقل مهم في التلاقح الثقافي بين الشعوب وتقاربها، فما هي مساهماتكم في نقل صور من الادب السويدي الى القارىء العربي، وهل لكم ترجمات من لغات اخرى ما عدا السويدية؟
- (إذا قدر لك أن تدخل عالم الأدب أو الفن فحاول أن تتجنب بابين، هما باب الأغنية وباب الترجمة). كانت تلك هي نصيحة والدي الراحل سيف الدين ولائي. فالأغنية في تجدد مستمر ولا ينجح إلا الجديد المتميز، والترجمة هي وظيفة أو خدمة أكثر منها إبداعًا. أن تخدم نصًا وكاتبًا لو ترجمت ولا تخدم موهبتك. لكنني إلى جانب الصحافة والشعر بدأت أترجم وأنا في دمشق بعض المصادر السياسية لخدمة دراسات كتبتها لوفود إلى بعض المؤتمرات الدولية منها مثلاً عن جرائم إسرائيل وترجمت أيضًا بعض فصول الموسوعة العسكرية وما كتبته الصحف الأجنبية فيما يخص تاريخ الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية كمصادر لدراسات موسعة كتبتها لتقدمها وفود إلى بيونغ يانغ وموسكو ودمشق ومدن أخرى بعد إعادة ترجمتها إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية ونشرت الأصول العربية منها أيضًا في صحيفة تشرين السورية وصحف ومجلات عربية أخرى. في ستوكهولم كانت الترجمة مغامرة طفولية كاكتشاف غابة أو البحث عن بغداد أو دمشق ومجتمعاتها وعمرانها وأسواقها في فترة زمنية غابرة أو نزهة مع الجبرتي، ابن عساكر أو ابن فضلان، أو الوقوف عند سور بستان أو قصر قديم والتفكير بعالم خيالي خلف تلك الأسوار. كل كتاب كان كنزًا مُلغزًا مفتاحه اللغة السويدية. كانت البداية مع كتب الأطفال ثم كتب الحكايات والأساطير التي تغصّ بها المكتبات العامة ومكتبات المدارس في السويد. ثم دلني أولادي الأكثر ثقافة واطلاعًا مني فيما يخص الأدب السويدي عن أهم مصادر الآداب والفنون الجميلة في السويد. فقرأت الكثير عن يالمر سودربرغ، بيير لاغركفست، موا مارتينسون، اليزابيت سودرغران، شاشتين لوند، ييدر لوند، هيننغ مانكل وغيرهم، بل خدمتني المكتبة واللغة السويديتان في قراءة أدبًا كلاسيكيًا ومعاصرًا لكتاب من أمثال نيرودا، إيلوار، انطوان تشيخوف، بيكيت، جون فوستر، فرانسيس هودجستون برنيت وغيرهم. قرأت وترجمت ونشرت لهؤلاء جميعًا في خطوة وصفها البعض بالحماقة وربما فكر هذا البعض بالوقاحة ولم يصرّح. لكن استقبال السويديين وبعض الصحف العربية المهمة لما ترجمت شجعني على مواصلة هذا الجهد، وكانت رواية سر النار لهيننغ مانكل التي عرّفت القارئ العربي لأول مرة عام 2005 على نتاج هذا الروائي الكبير والذي احتفل به معرض الكتاب في الإمارات العربية هذا العام والذي وقع على الطبعة الثانية لهذه الرواية مع روايتين أخريين صدرتا عن دار المنى بستوكهولم أيضًا كانت التتويج لهذا الجهد.
ثمة محاولات بسيطة للترجمة من العربية إلى السويدية. روايات ترجمت نصفها أو بعض فصولها لكنها بقيت مبتورة، ثم نسيتها تمامًا. أعتقد أنها محاولات فاشلة لأن ما أملكه فقط اللغة العربية. لكن ثمة محاولة بسيطة ناجحة بشهادة المهتمين السويديين هي ترجمتي لعدد من قصائدي إلى السويدية بتكليف من المسرح الملكي السويدي قدمها على المسرح الفنان العراقي نضال عادل فارس باللغة العربية والفنانة سيسيليا باللغة السويدية وترجمت بعض قصائد لبعض الشعراء قرأت في أمسيات مقهى بغداد الثقافي في سوق تينستا السنوي.

كيف يقيـّم السويديون القضايا العراقية؟ ، وهل نجح الأدباء العراقيون بنقل صورة حية عما يدور في العراق، وهل حاولتم الترجمة من العربية الى السويدية؟
- ثمة شغف وفضول معرفي بيّنان لدى السويديين في معرفة الكثير مما يخصّ ثقافات وأوضاع مواطنيهم من ذوي الجذور غير السويدية بشكل عام السياسية والاجتماعية والتاريخية وما يرتبط بالأعراف والتراث الشعبي، ولدى السويديين العديد من المصادر فيما يتعلق بهذا الأمر، ومؤخرًا تضاعف الاهتمام بالشأن العراقي، واستقبل العديد من الفنانين والمبدعين العراقيين وكذلك بعض فرق التراث العراقية التي جاءت من العراق ومن بلدان العالم الأخرى، فقد حظينا بلقاء مبدعين كنا نحلم في رؤيتهم والإصغاء لهم كالشاعر والناقد علي جعفر العلاق، الشعراء سعدي يوسف، محمد سعيد الصكاّر، فوزي كريم، مظفر النواب، عريان السيد خلف، بلقيس حسن، أحمد مشتت وخلدون جاويد، والفنانين جعفر حسن، جعفر الخفاف، علاء مجيد، فؤاد سالم، فرقة التراث العراقية، وسيدة المقام العراقي فريدة محمد علي والفنان محمد حسين كمر وتختهما الشرقي. ومن الفنانين حمودي الحارثي، ناهدة الرماح، جواد الأسدي، قاسم مطرود وفنانون آخرون، كذلك حظينا كعراقيين بزيارات من العديد من العلماء والأساتذة الكبار والأطباء والمهندسين المميزين وخبراء في السياسة والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع واستمعنا لمحاضراتهم القيمة. ومن العرب الفنان دريد لحام والفنانة نضال الأشقر ومرسيل خليفة والفنان اللبناني ملحم بركات والشاعر أدونيس وغيرهم الكثير. ثمة جهات ومبدعون عراقيون كان لهم الفضل في دعوة بعض هؤلاء الضيوف وتعريف السويديين بالمنجز الثقافي العراقي، مثل نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي والشاعران جاسم محمد وإبراهيم عبد الملك. وجهات أخرى.
الآن هناك كتب قيمة ترجمت إلى اللغة السويدية تحفل بها المكتبات العامة لشعراء عراقيين (فوزي كريم وجاسم محمد)، ولمبدعين عرب أمثال أدونيس، محمود درويش، نجيب محفوظ، سليم بركات، وحنان الشيخ وغيرهم. أمنيتي أن أجد كتبًا لسعدي يوسف وجاسم الرصيف وجنان جاسم علاوي وهدية حسين وعبد الستار ناصر وغيرهم من مبدعينا العراقيين. لكني لا أجرؤ أن أرتكب كبيرة من كبائر الترجمة إلى السويدية. السويديون سيرحبون حتمًا ويطلبون المزيد.

لكم حضور واسع في المواقع الالكترونية العربية والعراقية، فهل تعدونها وسيلة اعلام ناجحة افرزها التطور الهائل في وسائل الاتصال؟ والى اي مدى ساهمت بابراز المواهب الحقيقية؟
- المواقع الإليكترونية بما تنشره من نصوص متباينة يمكن تشبيهها بالبحر كخليط منفلت ومختلف في مستوياته، أما الجاد والمهم والمفيد منها فهو كالسفن والكنوز الغارقة. هذا الكم الكبير من المواقع ليس كله نافعًا، وليس كل ما ينشر فيه هو إبداع يستحق القراءة، لكن الكثير منه هو كذلك، عملية البحث عن الجيد والمتميز بين هذه المواقع صعب في البداية، لكن الأمر يصبح أكثر سهولة مع الوقت والتطور التقني وزيادة طرق البحث وسرعتها ودقتها، وبالقراءة المتواصلة تزداد الخبرة أيضًا ويمكن الوصول إلى الهدف بشكل مباشر وسريع، الهدف هنا هو المبدع نفسه ومادته النصية. أعتقد أن هذه المواقع هي وسيلة إعلام ناجحة وستنال قسطًا إضافيًا من النجاح في عمليات النشر والبحث عن مصادر البحث. ومع الوقت ستزداد الحاجة إليها كوسيلة لا غنى عنها، وستنتج آليات جديدة ودقيقة وتبلور مرجعية ثقافية رصينة يمكن الثقة بها. الآن لا تتوفر هذه المرجعية الموثوقة وهناك كم كبير من النصوص تحت مسميات فنية عدة لا تستحق القراءة والجهد. مازلنا في مرحلة التعريف في الوقت الحاضر. وستنتظم عملية البحث والتصنيف بشكل أدق في المراحل القادمة. ستختفي مواقع وتظهر أخرى جديدة، ستتجدد مواقع وتصبح أفضل وستهمل أخرى وتضعف. لكن العملة الأصيلة ستطرد المزيفة حتمًا، وسيكون البقاء للأفضل.

اخيرا، وبما ان لكم اهتماما في اغلب مجالات الثقافة والابداع، كيف تقيـّمون الثقافة في العراق بالوقت الحاضر؟ وهل انصفت المؤسسات الثقافية داخل الوطن المبدع العراقي في الخارج؟
-
أعتقد أن هناك كمًا هائلاً من مختلف أشكال الإبداع أنتج في السابق وتنتجه عقول عراقية كل يوم وساعة، لكن أغلب هذا النتاج يبدو مغمورًا اليوم تحت صلف الأفكار الرافضة أصلاً لعملية الإبداع وكسل المؤسسات الثقافية الحكومية التي تمتلك عناصر احتضان وتطوير هذا الكم. لو أتيح للجيد من هذه الإبداعات كلمة وصورة ولوحة ومادة فنية أن يصل إلى العالم، لأجبر العالم لأن يلوي عنقه ويلتفت ليرى ما يُكتب ويُرسم ويُصوّر في العراق. لأن هذا النتاج جاء بعد عطش وحرمان طويلين وعنيفين. هناك فيض من الإبداع، ولكن ليس هناك طلب، ليس هناك احترام خصوصًا من المؤسسات التي امتلكت بوضع اليد، داخل العراق وخارجه لما ينتج من أدب وفن عراقيين في العراق وخارجه. هناك مساومة أيضًا، وهناك ثروات تخدم ذوات دعية وغبية تنتج نصوصًا مثلها تمامًا ساذجة وغبية، كان الورق الذي كتبت عليه سيكون أبهى وأطهر لو استثمر في مادة أخرى غير ما يُكتب عليها، مثلاً في كتابة عروض الحال التي يعاني منها فقراء ومحرومو كل العهود من العراقيين. مصيبتي أنني أعتقد أن كل ورقة بيضاء سوّدت بكلام سخيف لا فائدة منه ولا خير فيه ورقة مغتصبة. في السابق كنت أستشيط غضبًا وأنا أرى آلاف الأطنان من الورق التي تبدد في كتابة بيانات الحروب وأغانيها ومقالات الردح والمدح والغزل الذكوري المُخجل التي كان يحظى بها الدكتاتور صدام حسين وغيرها. اليوم أضيف هذا الورق إلى ذاك وأعتبره خسارة أخرى. لكننى مازلت متفائلاً بأن العملة الأصيلة هي العملة الطاردة، فسيبقى الأصيل والباقي يذهب جفاءً.




 

free web counter