الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الجمعة 5/5/ 2006

 

 

 

أنفلونزا الطيـــــــــــور

 

وليد جاسم الزبيدي/ المحاويل

إني حزين،الحزن أعجوبةٌ، أو تابوتٌ جديد يحمله الإنسانُ على ظهره أينما يسير.. لا أدري ولكني كما ترى، أتأوهُ.. ولكني أكرهُ السكائر، بل وأكره الخمر، لا لأن الله قد حرّمها، بل لأني شاهدتُ منْ شربها تضربه الناس بالنعل وقشور الرقي.. إني حزين.. وعلامَ تصرخ؟ إذهب بعيداً وأطلق صوتك للريح والظلام وغنّي.. أخافُ أن يظن البعض أني أسب أحدا أو أتخفى كي أغتال جارنا أو أفخّخُ هراً على طريق السكارى..
إنها حسرةٌ في القلب تريد أن تنطلق، ولكن أطفالي أمامي أخاف أن يخافوا، أو يظنوا بأني جننتُ، أو...!!! فأحبسُ الصراخَ فيتورم رأسي، وتنتفخُ بطني.. ينقلوني إلى المستشفى، يسألني الطبيب ما بك؟ أقول: لا أدري.. يسألني مرةً أخرى: أين تعمل؟ فأجيبهُ: في دائرة الزراعة. يرتجف الطبيب، ثم ينظر إلى زوجتي، فيقول وبه رهبةٌ..
يتحشرجُ صوته، لعله اختنق.. أيها الطبيب :مابك؟ هل ننادي اليك بالطبيب الخافر الثاني؟ يشير بيده علامة النفي، لكنه يشرب كأس ماء!! أختي: زوجك لديه أعراض أنفلونزا الطيور.. لا تقربوه، وحاولوا عزله.. لعل الله لم يمهله سوى ساعات..خذوه لا داعي لبقائه...تصفر وجوه أهلي، ومن كان يحضنني قبل المجيء، فأتلفتُ يميناً وشمالاً، لعل الناسَ الذين صحبوني الى المستشفى سيحملونني من السرير لأذهب الى البيت.. فلم أجد أحدا.. لا الطبيب، ولا أهلي.. قمتُ من مكاني.. ذهبتُ حيث حديقة المدينة فافترشتُ الأرض والتحفتُ الشجر.. فتهادت أغنيةٌ رقيقةً الى مسمعي..( نامت عيون الناس كلبي شينيمة)..رددّتها، فأين أصدقائي الذين كانوا يسهرون معي ويقولون عبارات المديح.. أحسنت أيها الشاعر!!، أو لقد وُلدتَ في عصرٍ ليس عصرك؟؟ وأين أهلي الذين ضيّعوني وما وجدتهم،(هلي يامنْ ضيّعوني) وأين أهلي الذين أخذوا فراشي وملابسي فأحرقوها وأحرقوا صوري خوفاً من عدوى أنفلونزا الطيور؟؟؟
ذهبتُ بعيداً، وكان الناي يشقُ الليلَ الطويل، وكانت الذكريات سفينةً تلاعب الألم، أين أنت أيها الألم؟؟ أين أنت ..يا من قفزت على كل الأرقام لتعدّد إخوانك وأصدقاءك، وجيرانك، ومحبيك،فإذا أنت أمام الرقم صفر.. صفر في اليد خير واحد على الشجرة.. لا أحد يجيرك، ولا أحد يقول : أين أنت؟؟ وأين انتهيت؟؟
نم أيها الشاعر المخبوء في ألسنة النار، في ألسنة الدخان، فأنك تتطاير كالشرر في الظلام، ولكنك ستنطفىء بعد حين.. أيها المتورم حد الانفجار ستنهدم كل العبارات صروحاً وناطحات سحاب، أيها الموهوم، الوهمان، الغلطان، أنك ستكون في القلوب، أنك لم تكن حتى على مؤخراتهم، ولم يجعلوك حرفا أو رقما أو وهما من كل ما يسألون.. انتظر الصباح فسيكشف كل عوراتهم ولا تختبىء فإن الشمس ستكشف كل الوطاويط، والسناجب، والغربان التي تسعى الى الجيف.. َسطّّرْ على الحياطين، أو الحيطان، كل ما تحفظ لجرير أو الفرزدق فالهجاء، واحة الشعر في هذا الزمن الصدأ، لا ليس عدلاً أن تكتب الهجاء، فأكتب في العتاب، ولكن يأتي صوت أغنية من بعيد: ( ولك لو تسوه العتب جا عاتبيتك!! ) ..إذهب وكنْ مع نفسك وحدك فقط.. فالمشكلة أنك معهم.. أخرج من هذا الموت اوالانتحار الذي تتسلقه.. أخرج الى الطبيعة.. أخرج معك... مع نفسك.. أنك تحتاج أن تخرج مع نفسك التي فارقتها منذ دهر وعشت معهم... عش مع نفسك فأنت سجّان روحك وعقلك..!! فماذا تريد أن تقول بعد الذي قلته في ليلتك التي كانت ليلة من ألف وواحد ليلة.. أيها المتسكع الوهمان الهربان....