الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأثنين 4/8/ 2008



الورقة الأخيرة من مُذَّكرات موّفق محمد

حققها: علي الموسوي

كان الشاعرُ الحليُّ في آخر الليل يلوك صمته كالقات ..
بين حينٍ وآخر يقوم واقفاً،ثم يجلس
قال الحليُّ:
بقيت أوثث صمتي بكلام مستعمل
ليركب رأسي بعدها حصان الذكريات
ولا يعود
أردف الحليُّ:
على غفلةٍ من صديقي المُبَّجل الذي أضاع جوازَ سفره في البلاد
سأطفيء سيجارتي الألف هذه الليلة
سأطفيء معها الف مُسوَّدةٍ بللتُها بزيت الحُزن
فالحبر يهطلُ من سماء الورقةِ الثيّب على غفلةٍ من صديقي المُبَّجل
على غفلةٍ من صديقي المُبجّل انظر إلى المنفضة
(ملاحظة: المنفضة/مومسٌ للسجائر)
أنظر الى المنفضة التي تُشبه عجوزاً جنوبيةً
وانا أطارد بقايا الروح التي تخرج مع دُخان السيجارة
(ملاحظة ثانية: الدُخان/صراخ السيجارة)
أنظر إلى جلد الليالي الذائب مع وشَل الكأسِ؛
فلا صديقَ في هذه الساعة الموحِشة
سوى كأسي وعقب سيجارةٍ رخيصة
(ملاحظة ثالثة: العُقب:سيجارةٌ مُعَوَّقة)
لا صديقَ معي في هذه الساعة
لا صديقَ معي في هذا اليوم
لا صديق معي في هذا الوطن الأعرج
فالوطنُ الكريم اهداهم الى المنافي
عاد الحليُّ إلى كأسهِ
ومضى يلوك صمته كالقات.
***
(حركةٌ ثانية)
قال الحليُّ:
أحلم بامرأةٍ لا تنظر إلى بياض شعري
أحلم بامرأةٍ لا تبحث عن شيء سوى بياض قلبي
لكنَّ الحلم تبخر بعد إطلاقةٍ واحدة من خدِّ ساترٍ أحول؛
فلا إمرأة مع الشاعر الكهل سوى الحلّة
عَرّف ما يأتي: الحلّة
(الحلةُ بنتُ تغطس في النهرِ حتى نهديها الشفّافيَن فنندلقُ من نهديها الى المنافي كحليبٍ مُرّ)
أمشي في غرفتي الصغيرة حتى أصل الى المرآة
انظر إلى كهلٍ تركض التجاعيد في وجهه
يا موّفق:
ايها المخلوق من رملٍ ودمع
ماذا ستقول؟
يُغنّي الحليُّ قائلاً:
- "يا كَلب طيرك شِرد،شاف الحزن حَلته
وجنحانه جانن رمل؛قيد النهر حَلته
شو آنة دهري يمرّ مامش مدن حَلته؟
يا حيف هذا الحزن لِبن الإبن وَرّثه
والكَلب صاير خشب دهري بثلج وَرّثه
ما شفنه من الشعر بس المدح والرثا!
بس حيف مَحَّد رثى بغداده وحلّته"
الوجه المليءُُ بالتجاعيدِ والشيب لا ترغبه النساء
فموّفق محمد ليس مُطرباً هابطاً ويقيناً انَّه ليس شاعراً رومانسيّاً
موفق محمد؛ ليس سوى مصوّرٍ شعروغرافي يسحبُ الوطنَ من ياقتهِ
ويمدّهُ على الورقةِ الثيّب كخبّازةٍ تصنعُ حلوى العيد المُنافق
فيا موّفق محمد؛
شاهد مَن يلعب (التوكي) قرب جُثث الحليين المحمولين على عربات الفواكه..
"كِبّي؟
- yes!"
لا تيأس،فنحنُ الفقراء الذين يموتون كالأشجار
يا موفق: ضرورةٌ أحياناً أن نموت كالأشجار...واقفين...لتصفع الريح جثثنا
يا موفق:سأتقيأ حزني كُله،عسى أن أجد في قرارة نفسي فرحةً مُتعفنة
يا موّفق؛ النسمة التي عبرت الأسلاك الشائكة جاءتنا مُضَّرجة بالصمت
يا موّفق؛الفئران لا تفهم شيئاً عن الكتب التي تزدردها،الشاعر يفهمها لأنه يزدرد الجوع..
يا موَّفق؛ إشعل سيجارتك واركض قرب براميل البارود والعتاد
يا موّفق؛السكّين غير الحادة تعشق رقابنا الطريّة
***
كلمة التحقيق:
بعيداً عن بخار الذكريات
يتفيأُ الشاعر ظلال قصيدتهِ العمياء
أرأيتم ألاّ جبل في العالم يُشبه موَّفق محمد؟
هذا الذي يمشي فيساقطُ الإنكسارات ِ على خدّ الحِلة
يا موّفق،
وانت تلوك صمتك كالقات،
وتُكمِلُ سيجارَتك الألف هذه الليلة
إسحب المِشرط
واكتبْ قصيدتَكَ الأخيرة....
فالليل يوشكُ على الإنتحار بمقصلةِ الشمس...

***
القصيدة التي قُرأت في الإسبوع الثقافي العراقي في طهران، هذه القصيدة تسببت ببكاء موفق محمد مرّتين إضافة الى بكاء الفنان الكبير محمد جواد اموّري وقوله لي"لقد ابكيتُ العراق من شماله إلى جنوبه وها انت ابكيتني الآن!"
قلتُ لأموري:
- كُتب علينا البكاء كما كُتب على الذين من قبلنا!.


 

free web counter