الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الثلاثاء 4/8/ 2009



 النظرة الدوغماتية للتأريخ

المهندس أمير المرعب

منذ أن تشكـّل وعينا الفتي ونحن ننهل من كتب التأريخ المدرسي ما دوّن فيها من وقائع وأسماء وأزمان وأمكنة وكأنها اليقين الذي لا يطاله شك .. وكأنها حقيقة ثابتة كحقائق الفيزياء , وكانت الأحداث والصور المتخيّلة للوقائع تترسخ في ذاكرتنا كنصوص مبرهنة من الصعب الطعن في مصداقيتها , وحينما نما الوعي وتنوّعت القراءات في مجريات التأريخ بعيداً عن المفروضة علينا قسراً عبر الكتب الرسمية المؤلفة داخل حجرات وزارات التربية المتعاقبة , برزت أمام قناعاتنا حالات التضاد في طبيعة الوقائع والتقاطع في زوايا النظر لما جرى وأهتزّت الصور النصّية المتخيلة التي ترسخت في أذهاننا كحقائق يقينية , وأصبح مفهوم التأريخ أمامنا مدان بمصداقيته وعليه أن يجيب على حشود من الأسئلة كي يبرّأ نفسه من الشطط والأكاذيب التي أثقلت دفتيه , وأصبحنا واثقين تماماً بمقولة ( التأريخ يكتبه الأقوياء ) أي الحاكمين وأصحاب السلطان ووفق ما يخدم بقائهم وذريتهم على رأس الهرم السلطوي للتحكم بمصائر الرعية وتسخيرها لخدمة أغراضهم ومصالحهم .

وعندما أصبحنا نمتلك الحق في البحث عن ماهية وكيفية كتابة التأريخ , تمثـّلت أمامنا حالات مروّعة من الحقائق ستجعلنا مجبرين على طي كل ما دوّن عن مجريات الأزمنة الغابرة لنعيد صياغة المشهد التأريخي برمّته بعد أخضاعه الى التحليل وتفكيك عناصره وأعادة تكوينها للوصول الى الحافة الأقرب الى حقيقة الوقائع التي جرت رغم صعوبة ذلك وأستحالته احياناّ .

أجرت مؤسسة علمية معتمدة عالمياً ومتخصصة بالأتصالات الفيديوية عبر الهاتف ( videoconferencing ) أختباراً واقعياً لطرق كيفية أنتقال المعلومة بين الأفراد لمعرفة مقدار قدرتهم على نقل الحقيقة كما هي , أو مقدار ما يترشـّح من معلومات تنضح بها رؤاهم مقاربة للواقع المعاش أو المرئي , فعرضت فلماً قصيراً أمام جمهرة من المعنين وأختارت أحدهم لينقل ما رآه في الفلم الى شخص آخر في غرفة أخرى معزولة تماماً وعلى أن يتوخى الدقة في حقيقة ما رأى , ثم طلبت من الشخص الذي أستقبل المعلومة نقلها الى آخر في غرفة أخرى وهكذا لعشرة أشخاص , وعندما طلبوا من الشخص العاشر أن يروي للحضور ما سمع عن مجريات الفلم , أنتاب الجميع الدهشة والحيرة والضحك أحياناً , حيث أستمعوا الى عرضاً يكاد يختلف تماماً عن حقيقة ما جرى في الفلم الذي شاهدوه .. وبعد أن أجرت هذه المؤسسة مجموعة من الأختبارات والتجارب الأخرى توصلوا الى النتائج والحقائق التالية :
وجدوا أن :
7% من أصل الحقيقة فقط تنقله الكلمات المكتوبة ( words ) شرط توّخي الدقة في النقل قدر الأمكان .
38% من أصل الحقيقة تنقلها نبرة الصوت المسموعة ( tone ) , التي تنقل عبر الهاتف أو المذياع أو اجهزة التسجيل الصوتي .
55% من أصل الحقيقة تنقلها لغة الجسد المرئية أي طريقة التعبير المؤداة بالواقع أمام الاخرين أو عبر أجهزة الفديو ( body language ) .

ولمّا لم تكن في الأزمنة البعيدة التي تتشكّل منها احداث التأريخ أجهزة أتصالات متطوّرة كما في عالمنا الحالي , اذن لا تتعدى القيمة المنقولة عبر المدونات نسبة 7% في أحسن الأحوال , اضافة الى أن الكثير مما كتب تسجيلاً لتفاصيل وقائع تأريخية جرى بعد حصول هذه الوقائع بعشرات أو مئات السنين ممّا يشكك بمصداقية هذه التفاصيل ويقلل هذه النسبة الى حدّ كبير .

واذا ما صدقـّنا هذه النسب والأرقام وهي مقاربة لحقيقة علمية ملموسة يتضح لنا أن أمراً جللاً سيصيب العقلية النقدية التأريخية , وأن أنقلاباً جوهرياً سيطيح بالنظرة الدوغماتية الجامدة التي ورثناها عبر العصور والتي وصلت الينا بتواتر النقل المدوّن في التعاطي مع مجريات التأريخ وحقيقة ما حصل من وقائع , وسينهض من ركام الأحداث التأريخية المثقلة بها ذاكرتنا والتي تفيض من بطون الكتب ذات الأوراق الصفراء المتهرئة , أسئلة بحجم الكارثة فيما لو آمنا بحقيقة هذه النسب وهي : أي تأريخ هذا الذي ممكن اعتماده ؟ وكيف لنا أن نتوّفر على معلومات مقاربة للواقع الذي كان والذي ممكن أن نقيس عليها كيف كانت حقيقة المواقف والأرادات ؟ وأين يكمن الحق وأين يكمن الباطل ؟ ومن هو الظالم ومن هو المظلوم؟

أن الكثير ممّا وصل الينا عبر المدوّنات التأريخية هم محض صورٍ أبتدعتها عقول المدوّنين التي تفلتُ أحياناً من نسقها الواقعي لتخترق عالم الميثولوجيا فتتحوّل الواقعة الى خرافة أو أسطورة ويتحوّل الأنسان الى كائن خارق مفرط في قوته بما لا يتحمّله منطق الأشياء وحقائق الواقع , ولعلّ في أسطورة كلكامش السومرية أنعكاساً لهذا المفهوم .

وأخيراً ليس أمامنا الآن سواء كنا مهتمين بقراءة التأريخ أو نقاداً أو مؤرخين , أكثر من خيارين , فأمّا أن نظل متمسكين بما تم تناقله عبر الكتب وتدوينه فيها رغم كل الشكوك التي تحوم حول مصداقيتها ورغم ايماننا بعدم صحة الكثير منها , أو ان نعيد ترتيب قناعاتنا أعتمادا على التجارب العلمية ووفق دراسات مستفيضة بأستخدام التحليل المنطقي وتفكيك المفترقات العقدية لتسهيل الوصول الى حالة الأقتراب من حقيقة ما جرى , وهذا بطبيعة الحال سيحتاج الى سنوات طويلة من العمل المضني يتم فيها غسيل وأزالة ما علق من شوائب وأكاذيب في متون الكتب والمدوّنات .

 

 
  
 

free web counter