الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الجمعة 31/3/ 2006

 

 

 


قصائد مشرق الغانم بين جلجلة وطن وصليب منفى ...
 


خلدون جاويد

واعزٌ حضاري ووطني أن يطل المرء على الكوكبة المغتربة من العراقيين كتابا وصحفيين وفنانين وادباءً وشعراءً وكل المبدعيين ، الذين غادروا وطنهم الى المنافي وظلوا يحلمون بالعودة الى العراق الحبيب لولا ظروف الإقصاء الاستثنائية التي ادّت بملايين الناس الى الهجرة والتهجير والمنفى والاغتراب ، الاّ ان القلم العراقي المبدع ظل راعفا بدم الحنين الى مأواه الأول ، وقد قال الشاعر القديم : وكم منزل ٍ في الأرض يعشقه الفتى ..... وحنينه ابداً لأول منزل ِ . ان الطاقات الابداعية والكفاءات العلمية لو توفر لها ان تمارس تطبيقاتها على الأرض العراقية لسارعت في دفع وتائر التقدم الفكري وتضافرت مع الموجود من الطاقات في العراق الجريح والمخرب ، لأنجزت الأحلام وتشبثت بالآمال وحب الحياة لأبناء العراق جميعا . ولكن السؤآل أين الأمان ؟ وكيف نشرع بأسس بناء وهناك معاول الغدر والاستباحة ، وقد قال الشاعر : متى يبلغ البنيان يوما تمامه .... اذا كنت َ تبنيه وغيرك يهدم ُ .
وليس تخليدا للصديق الشاعر مشرق الغانم فان تجربته الابداعية وصدق قصائده تخلده وجماليات لوحاته ورقة الفنان فيه هي مايبقيه في الزمن وهي التي تشده بحبل مشيمته : العراق.
في صومعته العالية في فضاء كوبنهاغن يقضي السنوات مقتعدا كرسيا على سحابة حالما ، صاحيا او مرتميا ، فهو في متابعة للضوء ومكابدة لظلام المنفى ومأواه الصغير شقته الضاجة بأوجاع العراق وفجيعة السفر النائي وباللوحات اللونية والقصائد الشعرية :

كل اقحوانة صادقتها انتحرت ،
باسل هذا العبور المثقل باغترابي ، باسلة كل الأكف التي لملمتني ،
أما الحجر الدافق بالدفء،
والحجر المتموج بالبرد ،
فأحمل نشوتهما وأمضي في غفلة المساء
وعند منحدر الذبح، سأرفع عنقي المليء بصخب البحر ،
وأتقدم نحو الطلقة فيما كفي دافئة في جيبي .

صديقي البعيد كل البعد عن التكسب باللوحة والشعر ، يعطي ظهره للخواء، للذبول المتهاوي ، للأجنحة الساقطة بعد رفيف مفعول او مفتعل ، انه يتطلع هكذا :

في الصباح أتيت
أمسك عصفورة من مطر
أطلقتها في اتجاه الشمس
ثم ارتميت .

ولذا فهو بحق وحقيق يستأهل ذلك المكان المنيف ، انه يشيح بوجهه عن صداقة السلطان وكواسر المال والحيتان ، انه يكابد افظع نهارات العتمة ملتفا باردية الصمت الصاخب بالتوهج الشعري والابداعي في حجره هي عالمه نحو فضاء الصقر وبراري الليل . هناك يجهش صديقي دمعة اللون ودم الفؤآد خمسة َدواوين من الشعر هن على التوالي : مطر الغياب ،احتفاء الخواء ،تخيلات الضرير ، طير تستحم بالرماد، طائر قلق ، .. وعشرات اللوحات وربما مئآتها ... لكن بعيدا عن الصخب والمجد والشهرة المفتعلة والبحث عن الأضواء . انه احد الذين ينتشون باحترام الذات نائيا بنفسه عن دعومات حكومية وكتابات صحفية مدفوعة الأجر ، او الانضواء المبيت تحت مظلة حزبية وظهير رابطي ، انه في حالة مقاومة وجودية ضد تدني الذات وفي تحليق مكابد من اجل السمو بالقلب والروح الى مصاف الشعر والحب والصفاء الانساني ، انه مسكون بالوجد لاتلوثه حسابات ولا تشغله فواتير ولا يدخل لعبة السوق الادبي والأماسي المشتراة والمباعة . انه وحده في هجيرة ساخنة او ريح برد عاتية ، لا ناقة ولا بعير ، فقط قلب مسافر باتجاه نغم لامع وحنين دامع الى الحارة والأم والطفولة البريئة وظلال النخيل وعراق النسيم وصباحاته وأماسيه الودود حيث لا حرائق ولا ملثمون لازيتوني ولا أسود لا تحزب ولا مهارشات ، عراق البراءة والتلقائية ... يقول الشاعر:

متى اسند رأسي الى نعاس حدائق بعيدة ، متى استفيق في الصباحات على حفيف وردة أيقظها الغبش ؟ داري الآن ربما هوت على نفسها وأضحت آخر رماد في اشتعال اليباس ، والمساء ثقيل، وحدها نافذة الحب الأبيض مفتوحة على فضاء السواد تضيء .

والعراقيون الخارجون على القانون ! قانون الفاشية كان مصيرهم إما الموت جسديا في المقابر الجماعية او تحت التعذيب في السجون اوالقتل بالسلاح الكيمياوي او الذبح والحرق في الحروب وأهون الشرين مغادرة الوطن والانتظار وهذا مصير الملايين ممن غادروا وأحدهم مشرق الغانم الذي هاجر في ارجاء العالم ثائرا متمردا حاملا للسلاح في أكثر من ترسانة قتالية لكنه في محطة اخرى من حياته ،عاد لينتظر كالآخرين :

كالموتى انتظرنا
تراب في العيون
وذبول في الأصابع
قتلى في الضفتين نحن
يلفنا عشب أزرق
وينتظرنا عراق مقبرة .

ان سكنى مشرق الغانم لا هي الوحدة والوحشة بين اربعة جدران عادية فحسب بل انه يسكن تعبيراته الشاعرية و حالته تجسيد له وبالعكس :

وحيدة
شجرة الغياب
تغفو على نهر الشتاء

بل وزد على ذلك في تعبير الانفعال الدقيق لسبر اغوار الذات المهاجرة والمكتوية بعذاب المنافي هو قول الشاعر عن ذاته :

جنون ازرق
وزئبق مشاكس
وحشائش ظلام
الليل كله أنا .

للصديق الشاعر ديوان آخر في طريقه الى الطبع ، لا ابوح باسمه خشية ان تسرق حتى العناوين وهذا ماحدث ضده اذ صادف وهو يتطلع في خلوته الى الشاشة الصغيرة بأن شاعرا ما في المربد قد راح يقرأ قصيدة عنوانها هو عنوان ديوانه - طائر يستحم بالرماد !.
لا ينشر مشرق الغانم قصائده قبل ان يخرجها بديوان خشية السرقات ورغم الالحاح من قبل أصدقائه ، وللكتابة عنه كان شاعرنا الجميل يفضل ان تتحدث قصائده عن نفسها . لكني هذه المرة تجاوزت واستعرت مقاطع قليلة من ديوانه مطر الغياب وسواه.
امنيات له ولكل الشعراء العراقيين وادباء العراق كافة وكل مبدعية ولكل منفي ومغترب ان تعود الطيور الى اعشاشها وان يعم السلام الاجتماعي والوفاق الانساني كل الأرجاء ... الوطن مأوانا وموعدنا وإغفاءة الروح .
والى ان تعود الطيور المهاجرة تبقى اللوعة ويظل الحنين الى التراب العراقي الجليل : يقول الشاعر مشرق الغانم في قصيدة لوعة :

في غرفة
يتحرك الضوء فيها كالغبار
أتى اليّ العراق
نخلة نامت على كفي
وصرائف
كنت أخطو بينها
يلامسني تراب جليل
ترى الآن من ظل ّ فيها
من يحرس أفئدتها والنساء
أي سماء تستوعب صرختها ؟ .

ولا يعني المنفى في نظر الشاعر العراقي مشرق الغانم الا معاناة وجودية كبيرة عبر عنها في قصيدة بعنوان ورطة :

من أدخلني في هذه الورطة ؟
من أحاطني بهذي الأشراك؟
من أسدل عليّ كل هذا الضباب ؟
من قذفني في جحيم العمر
كي أرى هذي الحياة ؟

النص بلا شك مكتوب في عام 1995 خارج العراق ، في منفى قاس ٍ لايرحم ، فالشاعر ليس بين ابناء بلده ولا في احضان عائلته ولا في عراق دجلة الخير على حد تعبير الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري أيام كان العراق على تلك النسبة من الخير ... لكنا جميعا مع الشاعر الغانم نستيقظ من الحلم فنرى العراق يكوى بحريقين حريق الفاشية المنهارة والارهاب الناري البغيض والطائفية المقيتة ونرى العوائلَ شذر مذر ، والإخوة َ كلا في منفى والناس في مقابر جماعية تحت الأرض ومجازر جماهيرية فوق الأرض .
وما بين العودة الى دجلة الخير والحرائق وبين التصبر بالمنفى يحدق مشرق الغانم من النافذة ليقول في قصيدة فراشة ليلية :

من الظلام
تنفتح نافذة
على رجل ينسج ضياعه
محدقاً في الفراغ
حيث تهوي فراشة ليلية
في كأسه
المحدّقة في الخواء .

ان قصائد مشرق الغانم مكابدات ٌ تشق الدرب بين صليب منفى وجلجلة وطن .