الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الخميس 30/4/ 2009

 

فيما وراء إسحاق وإيفجيني أو هذيانات المبدع الكبير مطرود

حسين عجة
 

هناك أعمال إبداعية لا يمكن لا الحديث ولا الكتابة عنها (أعمال سامية، لكنها غير مقدسة). كما ليس بمقدور المرء فعل أو عمل أي شيء حيالها سوى تركها تغزو وجدانه بصدق وأن يوسع لها محيط ذلك الوجدان، لكي تكتنفه، تطهره، ومن ثم تمنحه ما لم يكن قادراً من قبل على اللقاء به أو ملامسته (قد يكون ما تمنحه تلك الأعمال هو ببساطة الدهشة، السحر، الاضطراب الداخلي، غبطة مستحيلة في مرحلة كالمرحلة التي نعاصرها، أو كل هذه "الأشياء" مجتمعة وبدفعة واحدة!)، شيء كهذا لا سبيل ولا إمكانية لتبلوره، أحياناً، إلا في قلب الفاجع، وحينما يخر الكون برمته (بأرضه وسمائه) وسط الجحيم. نادرة هي تلك الأعمال. نادرة وشاذة أيضاً هي لحظات ولادتها. من ناحية أخرى، لا تحتاج هذه الأعمال أن تكون كبيرة، ضخمة ومعقدة في ملابساتها، ولا حتى في ثراء لغتها. يكفيها أن تتلقى عطاء ما يأتيها من الخارج وتعيد عطائه بنفس الوفاء الذي تلقته به. لكن بعد أن تكون قد لامسته أصابع الفن المرهفة. من هنا لا بد من الحديث والكتابة عنها، أو، بدقة أكبر، عدم الحديث والكتابة إلا عنها. 

  

البرقي أو جنون الاختيار

أضع، دون ضجة، ولكن دون توجس أيضاً، عمل أو "هذيانات" قاسم مطرود "مواطن" ضمن تلك الأعمال النادرة، والتي قد تمر دون أن تتمكن قوى العصر المُحبطةِ والمُفلسةِ، بما فيها تلك التي تقع ضمن الميدان الفني من تلقي رسالتها الاستثنائية والإصغاء لصوتها المتفرد. لاسيما إذا ما كان ذلك العمل من صنع قلم عربي، كما هو الحال مع مسرحية "مواطن". مرد استغفال كهذا لا ينتج بالضرورة عن سوء طوية، أو إقصاء متعمد، لكنه يمكن أن ينتج عن إسقاط المرحلة التي نعيش فيها لكل "الأشياء" النبيلة، وفي مقدمتها أشياء الفن الكبرى في عمليات تسويق تجليات الفكر والفن في سوق النخاسة وتسويق البضائع المبتذلة. من ناحية أخرى، من المحتمل أن تفلت أعمال كهذه، المتطرفة في حساسيتها ورهافتها، حتى عن أعين وفطنة من يُفترض بهم تلقي ما هو نادر، استقباله ومن ثم فتح جميع آفاق الممكن أمامه، ذلك لأن إيقاع حركته ونوعية الموسيقى التي يرقص عليها تتخطى ومن بعيد الإيقاعات الثقيلة للزمن الحاضر وابتذال رقصه وموسيقاه، هذا إذا ما كان له من إيقاع أو حركات راقصة! لكن لا بد لتلك الأعمال، ومهما يكن الحصار الذي قد يطوقها ويسعى لخنقها، من ترك صداها الذي لن تخمده غيوم السماء الملبدة ولا جبال الأرض الصامتة، كذلك لن يمحو آثارها الشفافة بطبيعتها زبد ومخاط البحار الوهمية والضاجة للعصر الذي تلد فيه. سيتضح، شيئاً فشيئاً، صوت ذلك الصدى، وستتم قراءة تلك الآثار بعيون أكثر سعة وملكة إدراك أكبر انفتاحاً، إن لم يكن في الجيل الحاضر، ففي الجيل الذي يليه؛ إن لم يكن في هذه المرحلة، ففي المرحلة التي تليها، أو في الأجيال والمراحل البعيدة التي ستليهما. ذلك هو وقع هذيانات "مواطن" عليَّ شخصياً؛ لا أقول ذلك بتواضع حيال دقة وجمالية هذا العمل وحسب، بل بفرح واعتزاز أيضا إزاء تشبثه بقوة بقضية لا يمكن إلا أن تسلم نفسها، في النهاية، لعين ومخيلة المبدع.                                                                               

لكن لماذا؟ ما الذي جرى، وما هي ضربة الواقعة؟ أولاً، لأن هذيانات "مواطن" ، أو التحفة النثرية/الشعرية/الموسيقية بالأحرى، التي تمت كتابتها بزمن برقي قد يصعب تخيله : ساعة واحدة، قد ولدت في صميم فاجعة واقعية، وضمن عالم عبثي وجحيمي، ربما لم يسبقه في ضراوة عنفه وبربرية الاختيارات التي يطرحها علينا عالم من قبل. لكن، ولكي لا أتحدث مباشرة عن الدوافع التي جعلتني أستخدم لهجة كهذه، أو حماس أفتخر به كهذا، دعونا نتساءل عما حدث، وما هي الشرارة الأولى التي أولعت النار في هشيم الروح ووهبت ملكة التفكير بما لم تكن تثق بتملكها له. هنا، علينا أن نصغي أولاً لما يقوله مؤلف هذه المسرحية، المُذهلة في كثافتها؛ صاحب هذه "الهذيانات" التي قلما صادفتنا براعة وحنكة عملية في طريقة صياغتها، كتلك التي نعثر عليها في "مواطن". لنصغي إذاً لما يقوله ذلك الذي أقتلعه خبر قرأه صدفة من مجرى ووتيرة حياته اليومية، لكي يدفع به نحو أكوان العزلة وطاقات الفن الغريبة القادرة على تحويل فاجعة الخبر ذاته إلى ما يشبه المعجزة، يقول المؤلف : "بعد أن قرأتُ الخبر التالي، وهو يحدد تاريخه القريب منا، في عام 2007، "مجموعة من القتلة طلبوا من رجل أن يقتل أبنه وإن لم يفعل ذلك يُقتل هو". كان وقع الخبر، كما يمكننا تخيل ذلك، صاعقاً على ذهن وروح المؤلف إلى حد شُلت بسببه كل طاقاته المفكرة، أو سبل مخيلته الواسعة. وكردة فعل أخلاقية أولية، كتلك التي يمكن لأي واحد منا معايشتها، حينما تهزنا وتقتلعنا من ذواتنا حوادث كهذه، هي غياب أية معرفة أو دراية بما ينبغي علينا فعله، لذا نلجأ إلى أنفسنا، نستنطقها، نحاورها، نلتمسها، لكي توفر لنا إجابة ما حيال مأزق كهذا. ولأننا قد وجدنا أنفسنا في رعب وعراء كهذا الرعب والعراء الضاري والعبثي، نحاول تخيلنا في مكان آخر، نضع أو نأخذ مكان من تلقى ضربة الكارثة، مثلاً. لكن عبثاً، فالتأملات، أو التطلع في الفراغ لن يجلب أية ثمرة ولن يدفع على القيام بأي فعل. وذلك ما حدث بالدقة للمؤلف، لنصغي له ثانية، وهو يروي لنا ما قام به مباشرة بعد صدمته الأولى : "وضعت نفسي مكانه، لكني لم أعثر على حل ولم أتوصل إلى أي قرار". لماذا؟ ذلك لأن القرار كقوة، كما سنبين ذلك بعد قليل، يقاومنا، ولا يمنحنا أبداً إمكانية اتخاذه إلا عندما نتخذه، وليس قبل لحظة اتخاذه. ما الذي يمكن فعله ؟ يقول أندرية مالرو : "ثمة رجل في بؤس، ينبغي إنقاذ ذلك الرجل". لكن لندع ماليرو هنا جانباً، فهو يتحدث عن موقف عام، تجريدي، وعن بؤس مُفترض، لا يقل تجريدية عن الموقف ذاته. الأجدر بنا التساؤل عما فعله مؤلف "مواطن"، بعد اكتشافه لا جدوى تأمله وتمزقه لفهم حقيقة الأمر وحسب. يقول التالي : "في حالات كهذه أهرب إلى المساحات البيضاء على الورق والقدر المتاح لي بالبوح، عسى أن أتخلص من العذاب الذي يكتنفني، وبعد ساعة جاءت هذه الهذيانات التي أسميتها مواطن".                                                                              

لقد قيل كل شيء عبر هذه المصارحة الأشد ألماً، فهذه الجملة التي على بساطة صياغتها قد وضعتنا سلفاً في قلب وصميم الفاجع/الكارثي، أي قبل الدخول في ساحة أو جحيم الموقف الذي ستكشف "مواطن" عن توالي حالات فزعه المدمرة دون تردد، وبحركات لا يماثل شجاعتها سوى شجاعة الشعر المقاوم . إذ منْ يتكلم هنا هو إنسان "المساحات البيضاء"، رجل "الورق"، الفنان، لكن أي فنان؟ ذلك الذي يرفض كل أشكال وخدع الفصل التي تحاول جعله يقف كمتفرج فيما تذبح الحياة نفسها أمام عينيه وفي وضح النهار. لنصغي له، أو لنسمع عارنا وفضيحة عالمنا عبر صرخته : لكي "أتخلص من العذاب الذي يكتنفني". و"بعد ساعة جاءت هذه الهذيانات التي أسميتها مواطن". علينا إذاً دخول المشهد، لنمتلك الجرأة على الاقتراب من خشبة مسرحية "هذيانات/ مواطن"، لكن كلا، علينا إعادة قراءة الخبر أولاً : "مجموعة من القتلة طلبوا من رجل أن يقتل أبنه وإن لم يفعل ذلك يُقتل هو". وهكذا، تكون بنية "الهذيانات" قد اتضحت تدريجياً أمام أعيننا : من جانب، هناك هذا الرجل الذي ألقي به ضمن مأزق الاختيار المستحيل ذاك، وهناك، من الجانب الآخر، الفنان المُنفعل عن حق، الفنان غير المتخاذل والذي يعرف، وإن بطريقة غامضة، بأنه ينبغي عليه هو بالذات، ومهما كلف الثمن، القيام بردة الفعل الواجبة، الأقدام على أخذ المبادرة، مواجهة الموقف، ابتداع ما يمكن بفضله قلبه، تحويله، إحالته على مقام آخر، لا يكتفي بالحكم على تجربة المعاش وكأنها لا تمسه هو في كينونته. كلا. فصاحب "المساحات البيضاء" لا يضع من فوق عينيه عدسات الموقف الدموي والمغلق معاً، ولا يرتضي بالخيارات المستحيلة والعبثية التي يطرحها عليه، بل يخلق، بدلاً عنها، إمكانيات لا يعرفها الموقف ذاته، ولا يريد أن يعرفها، ما دامت رؤية إراقة الدم هي متعته الأولى والأخيرة. لهذا لن نندهش من ترديد رجال ذلك الموقف، جميعهم (رجل السكين، رجل الحصان، رجل القنبلة، ورجل المثقب الكهربائي أو المدفع) عبارة لا أعرف، حين يواجههم ببساطة الرجل الذي يطلبون منه قتل أبنه وإلا سيقتل هو نفسه؛ حينما يسألهم بسذاجته الرائعة لماذا يريدون منه قتل أبنه والتضحية بنفسه هو؛ لا نندهش حين يرددون كالببغاء "لا أعرف". نعم، أنهم لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا، فالقتل، الذبح، التفجير، الجريمة والموت هي وحدها من يحكم عالمهم. أما مؤلف "الهذيانات"، فيدرك، بحدسه الفني المتميز، بأنه من المستحيل فك مأزق الموقف، وبالتالي إنقاذ الطفل والرجل من قبل القوى التي خلقت وما زالت تتحكم بالموقف. لا شيء في المسرحية يشير أو يوحي من بعيد بأن"مواطن"، كمسرحية، قد وضعت في حسابها، أو مخيلتها إمكانية زائفة كهذه. أن تعيّين النقطة التي تقفُ عندها، إن كانت على صعيد المكاني، الأخلاقي، والجمالي تجعلها في موقع أكثر نبالة بما لا يُقاس عن خسة والتباسات الموقف ذاك، حتى وإن كان حاضرة في صميمه والأقرب له من أي شخص آخر. نحن هنا أمام ولادة ما يمكن تسميته "الفنان صاحب القضية"، أي المبدع وهو داخل المحنة، وليس خارجها، الفنان الذي لا يكتب عن مأساة، أو كارثة هي ليست مأساته أو كارثته الشخصية. ولادة جديدة "لصاحب قضية"، حتى وإن سبقت ولادته عشرات أو مئات الولادات من قبل. ولادة فجر آخر، ما زال ينازع بشجاعة ودقة ضد غيوم الموقف السوداء والعبثية. في هذه النقطة، تكمن أصالة، قوة وعنفوان المبدع الكبير قاسم مطرود.                                         
 

 إسحاق وإيفجني

لكن، لنبقى ضمن إشكالية واستحالة الموقف ذاته، لنفحص جنون خياراته الجنونية والإجرامية ثانية. لنسأل أنفسنا إذا ما كان قد حدث في يوم ما من تاريخ الإنسانية وذاكرتها، إن كان ذلك على أرضية الواقع أو في ميدان الفن، شيئاً يماثل ولو من بعيد مأزق "مواطن"؟ ربما. بيد أننا لا نظن بأن هناك ما يتطابق معه، وفي كل تفصيلاته، كان قد حدث، أو يمكن حدوثه مثلما هو حادث في "مواطن.                                                                         "

نحن نعرف، كما يروي لنا التاريخ أو ذاكرة الشعوب ومخزونها المُتخيل قضية إبراهيم وأبنه إسحاق، وكيف كان على هذا الأب الأسطوري قتل، أو التضحية بابنه الأعز على قلبه، ذلك لأنه كان قد تلقى نداء من ربه يأمره بتقديم ذلك الابن كضحية، كبرهان على إيمانه المطلق بمشيئة وإرادة خالقه، ربه وسيده الذي لا يمكن التمرد على مشيئته، كما كان عليه الإذعان لذلك النداء، مهما بدا غير مفهوماً وعبثياً في قسوته.                                      

هناك قضية "إيفجيني" أيضاً، الصبية الإغريقية ذات الجمال الخارق، والتي كان على والدها، "أغامنون"، القبول بذبحها أمام عينيه، لكي يتم إنقاذ شرف العسكر، أو شرفه الشخصي، أو غيرها من الأسباب والعلل؛ فهذا ليس شأننا في الوقت الحاضر، نحن لا نروي هنا ما حدث بالدقة في تاريخ وذاكرة الشعوب المدمية، لكننا ننوي وحسب القول بأن حالة "مواطن"، كعمل إبداعي جديد يطرح أمامنا نموذجاً لا شيء يدل عن يقين بحدوث ما يمكن أن يماثله بفجيعته، ولكن أيضاً بطريقة معالجته. ففيما يتعلق بإسحاق، يظل أمر وإرادة ذلك الرب القاسي والأناني أمر أو أرادة خرافية، وقد لا يمكن فك طلاسمها، فهي مطروحة كبرهان تجريدي على قوة الإيمان بحد ذاته، من ناحية، ولأن إسحاق قد تم إنقاذه من قبل نفس تلك المشيئة أو الإرادة نفسها، من ناحية أخرى. وهذا يعني أننا ما زلنا، في الحقيقة، مع تفصيلة إسحاق أو أسطورته، نعيش ضمن ميدان الكوميدي، التيولوجي، أو الخرافي. فيما لا تكف مسرحية "مواطن"، البسيطة كبساطة ذلك الرجل عن ترديد المقولة التالية، والتي يمكن أن تكون شعارها أو إيحائها الأكثر رهافة : "السماء أغلقت أبواب الدعاء".


لا رب، لا إلاه، سيتدخل إذاً لإنقاذ رجل الخبر الذي ولد هذيانات عمل مطرود المدوخة. لنتمسك بقوة بهذه النقطة : السماء ليست فارغة وعارية وحسب، بل أصبحت صماء كما هي عليه دائماً، ولن ينزل كبش فداء ضمن أشعتها النورانية ليحل محل الطفل الذي يراد ذبحه، أو الأب الذي يطلب منه تقديم رقبته كرهينة أو ثمن خطيئة لم يرتكبها. لكن، مرة أخرى، نحن في زمن غياب الآلهة، في لحظة رفضهم الفضائحية وتنكرهم القاسي والذي لا يُغتفر لكل مناشداتنا.. هنا، لا بد من التذكير بمقولة الفيلسوف الألماني هيدغر الشهيرة : "في الكآبة التي نحن فيها، قد ينبغي تدخل أله ما لإنقاذنا". أستشهد بمقولة هيدغر عن ظهر قلب، ولا يعنيني هنا ترديدها حرفياً، ذلك لأن جوهر ما أسعى لقوله عند هذه النقطة هو أن "مواطن" لا تقدم نموذجاً جدياً ولم يسبق لمأساوية الوضع الإنساني وشراسة وانحطاط القوى التي تتحكم فيه وحسب، بل تقدم الشهادة الأكثر صدقاً على غياب وانتفاء المعجزة، لاسيما معجزات السماء؛ "فانغلاق أبوابها أمام الدعاء"، لا يشير على صمتها، ابتعادها، استنكافها عن الرد أو الاستجابة فقط، ولكنه يشير بالدقة على ضرورة الكف عن توجيه هذه الدعاءات لها، الكف عن نقل النظر نحو قبتها غير المملوءة بغير الغاز الفارغ، كما لا بد من الابتعاد عن تدابيرها المتواطئة في خلق الموقف ومأزقه الإجرامي والعبثي معاً. من ناحية ثانية، ينبغي القول بأن السماء ما عادت قادرة، إذا كانت في يوم ما قادرة، على استنباط "تقنيات" الخروج من وحشية الموقف. لقد نضب كل احتياطها القديم وتبخرت طاقتها الأسطورية. أما قضية العسكر وإمكانية الاستعانة بكرامتهم أو شرفهم المفقود، فأن "هذيانات/ مواطن" كانت قد عرفت سلفاً كيف تجعلهم طرفاً مدبراً للمأساة. ذلك ما يخولنا ربما القول بأن
"مواطن" تذهب إلى ما وراء اللحظة التراجيدية لإسحاق، كما تخلف من ورائها تمثيلية وعذابات "إيفجيني" المُفترضة. أن ألم ونوعية العبث الكوني الذي تزيل "مواطن" الغطاء عن وجههما القبيح هما بمثابة الكشف الأكثر رهافة عن موقف وجودي يتعلق بإنسانية جديدة تُساق ويُدفع بها يومياً باتجاه مجازر ذبح وغرف تعذيب من نمط آخر، مغايرة تماماً. وقد يكون بمقدورنا القول، دون أن يكون ذلك ما تقوله أو توحي به المسرحية نفسها، بأن تلك المجازر وغرف التعذيب قد تشبه مجازر وغرف التعذيب التي يعيشها الإنسان العراقي اليوم.                                                                                       

                            

ما الذي يمكن فعله ثانية إذاً في موقف كهذا، في عزلة دامية كهذه؟

معالجة العمل

بعد أن وضعتنا "مواطن" على حافة هواية الاختيار الدامي هذا إذاً، وبعد أن وضعت على خشبة المسرح ذلك الرجل الأعزل أمام كارثته الأرضية، التي لا نشك في موقع حدوثها، في قتل أبنه أو قبول موته هو الشخصي، على أيدي "مجموعة مجرمة" لا نعرف عنها شيئاً، ولا نعرف كذلك شيئاُ عن دوافعها باتخاذ قرار إجرامي وإشكالي من هذا القبيل، تشرع المسرحية بالإيحاء بممكنات تحويل وقلب الموقف، لكن ليس بالضرورة الخروج منه تماماً. أي أنها بدل الاستسلام الأعمى للمأزق، تقوم بمقاومته، انطلاقاً من حركتها الأولى، وبدلاً من الإدعاء بالخروج منه كليةً، بدفعة واحدة، لا تكف عن الإيحاء والإشارة على قدراتنا الضمنية، على الأقل، على لعبه، على خلق أو ابتداع آفاقاً غريبة عليه، وقد نتمكن، بهذه الطريقة أو تلك، في النهاية من تشتيت صرامته ونذالته الكونيين. ذلك ما يقدر عليه الفنان، وما لا تتمكن منه السماء ومن يقطنها. ذلك لأن ما يقدر عليه الفنان يكمن في " خلق هارموني وسط الجحيم". ذلك هو "المهم". وها أننا أصبحنا مهيأين على اتخاذ الخطوة الأولى نحو "مواطن". كيف يمكن للمبدع خلق "هارموني وسط الجحيم"؟ وأي جحيم؟ ومع ذلك... وقبل أن نذهب أبعد في رؤية تلك الإمكانية، دعونا ننظر أولاً "لديكور" المسرحية، لنقطنه قليلاً، لننقله حرفياً ونضعه أمام عين القارىء : "مجموعة كواليس على خشبة المسرح ويمكن رؤية ما يجري خلفها من مشاهد، في وسط المسرح قفص حديدي في داخله طفل صغير وسيم بعمر العشر سنوات أو أكثر يمسك بيده لعبة، وطوال الوقت يلعب بها، إلى جانب القفص يجلس الرجل على كرسي قديم أو علبه صفيح ماسكاً رأسه بين يديه، أصوات ذات صدى من خارج المسرح، يمكن عملها كأصوات متداخلة أو قادمة من عمق السماء أو باطن الأرض". يمكننا إذاً، بعد أن قطنا الديكور قليلاً، رؤية ما يجري خلف مجموعة الكواليس، بيد أن النظر فيما وراء الكواليس لا يعنينا ولا تهمنا رؤية ما "يجري خلفها من مشاهد"، تكفينا رؤية "القفص الحديدي"، وبشكل خاص ما في داخله : "طفل صغير وسيم بعمر العشر سنوات أو أكثر" كذلك يعنينا الانتباه لقضية أنه "يمسك بيده لعبة" لا ندري ما هو نوع تلك اللعبة، هذا الرمز الكبير الذي لا يفارق تقريباً كل أعمال المبدع مطرود، والذي لا نكف نحن من التأكيد على دوره الاستثنائي؛ كذلك نرى، "إلى جانب القفص رجل يجلس على كرسي قديم أو علبه صفيح ماسكاً رأسه بين يديه"، لكننا نسمع أيضاً. ماذا؟ "أصوات ذات صدى من خارج المسرح". ما هذه الأصوات، ومن أين تقدم ؟ : "أصوات متداخلة أو قادمة من عمق السماء أو باطن الأرض". تلك هي اللوحة ذات الجمالية الخارقة والمروعة معاً التي ترسمها أمامنا "هذيانات/ مواطن" والتي تدعونا للدخول فيها. لكن قبل أن ندخل طواعية في كونها الجحيمي هذا، لا بد لنا من التأكيد على نقطتين، أولهما تمنح نفسها مباشرة لرؤيتنا، نعني بذلك العناصر الموجودة فيها والتي تمسنا عن قرب : الطفل، اللعبة، الرجل والأصوات؛ الباقي متروك لمتعة المشاهد أو اضطرابه الداخلي. أما النقطة الثانية، فهي غير مرئية ولا يصرح بها الديكور ولا حتى النص برمته، لكن نحن من يأخذ ثانية مسئولية الإعلان عنها، التصريح بمدلولاتها، مع أنها تنطق بذلك من تلقاء نفسها : نحن أمام موقف سياسي محدد وبدقة. فالكواليس والمشاهد التي يمكن رؤيتها من خلفها تشير صارخةً بأننا في مواجهة واحداً من المواقف السياسية الأكثر شفافية ووضوحاً، بالرغم من دمويته المحيرة والتي لا يمكن وصفها. ذلك كل ما كنا نطمح الإشارة عليه. ومع ذلك، يبقى سؤالنا الأول معلقاً : كيف يمكن للفنان "خلق هارموني وسط الجحيم"، أي كيف يمكنه القيام ولو بحركة واحدة كانت السماء نفسها قد عجزت عن اتخاذها؟ لا ينبغي نسيان ذلك. ومع ذلك، يبقى كل ما ذكرناه، ما تحدثنا عنه حتى الآن لا يشكل سوى مقدمة لكي نقول، بعد كيركغارد، بأن "الاختيار هو الجنون بعينه". لقد تشبثت "هذيانات مواطن" بأسنانها ومخالبها بذلك القول، وظلت وفيه له من بدايتها حتى نهايتها : لا ينبغي مواجهة جنون بجنون آخر، لكن علينا، في حالات كهذه، في مواقف مأسوية مدمرة كموقف "مواطن" هذا، أن لا نقبل أو نستسلم للخيارات الظالمة في جوهرها التي يقدمها لنا الموقف، ولا نركع كالعبيد أو المجانين أمام أحكامه العنفية وسياسته الرقيعة. علينا، من ناحية، تكثيف وسائل وممكنات الإبداع التي لا يفهمها، وكذلك تعمد اختيار "اللااختيار" باعتباره الاختيار الأسمى، رفض أن نوضع بين خيارين أحدهما أكثر مرارة من الآخر. (كما يفعل الرجل في رفضه، دون ضجة مفتعلة، وبلا تهور حيال خطر وشراسة القاتل، الاختيار ما بين ذبح أبنه وتسليم نفسه كضحية أو ثمن). لكن، هل يكفي قرار عدم الاختيار وحده؟ قد لا يكفي، بل وقد يتكشف بسرعة عن استحالته، حين تكون سكين العدو، أو سيفه، قنبلته، أو مثقبه الكهربائي، أو مدفعه موضوعة ومسلطة على رقابنا، أو على رقاب من نحب ونريد الحفاظ عليه وصيانة حياته وكأنها أغلى من حياتنا نحن. لكن إذا ما ترافق قرار الرفض على الاختيار هذا مع مضاعفتنا لقدراتنا الفنية على تحويل اللعبة بكاملها، الكشف عن ممكناتها ضمن الموقف الذي يجهلها ويتظاهر بعدم سماعه لصوتها، حينئذ، ربما ستتولد "معجزة" الفعل/الفن، أو حلول الهذيانات المبدعة التي لا ينبغي التخلي عنها، أو خيانتها في اللحظة التي نكون في أمس الحاجة إليها. أهذا كل ما في الأمر؟ وهل ينبغي علينا الاكتفاء "بالهارمونية" التي ينبغي الحفاظ عليها"وسط الجحيم"؟ صبراً. لا ينبغي التململ من تكرار ضرورة لعب الموقف برمته، كذلك لا بد من التأكيد على قضية أن قوى الموقف، ومهما كانت ضراوة ونوعيه أسلحتها، تظل بعيدة عن الاستحواذ الكلي والمطلق على ممكنات الموقف ذاته، فهي لا تستطيع الاستحواذ وتملك ما لا تعرفه. ولن تعرفه. مادام ذلك "الشيء" الذي لا تعرفه هو بالدقة ما يمتلك الفنان مفاتيح معالجته. أي الرد على أسلحته المرعبة، أبطال مفعولها، وترك تهديداته تمر وكأنها لا شيء آخر سوى انعكاس أو صدى خائباً لجنونه وغبائه. مواجهة تلك الأسلحة الُمخيفة وتلك التهديدات اللعينة بما لا علاقة له لا بالأسلحة ولا بالتهديد المقابل. قد يشكل الصمت، صمت "الرجل البسيط الذي يضع رأسه بين يديه" واحدة من تلك الردود، لكن أيضاً قد يشكل لعب العمل الفني ، بدوره، رداً آخراً على تلك الأسلحة والتهديدات المتواصلة. وذلك ما تقوم به "هذيانات/ مواطن" قاسم مطرود بحرقة، بفطنة، برهافة وبشجاعة تكاد تكون خيالية، أو هي كذلك، بالمعنى الذي يكون فيه المُتخيل هو الإبداعي بحد ذاته.ً لكن كيف؟ لكن بماذا؟ الإجابة هي التالية:بالكيف واللماذا نفسهما، ولوحدهما.                                                                 

                                                                                   

الكيف واللماذا

تتكون مسرحية "مواطن" من سبعة شخوص هم :

1- الرجل

2- رجل السكين

3- رجل الحصان

4- رجل القنبلة

5- الطفل

6- رجل المثقب الكهربائي

7- المجموعة

وهي تتشكل من "أربعة لوحات". نحن نتذكر بأن كل هؤلاء الرجال، ما عدا الرجل، أب الطفل، هم من يطالب ذلك الرجل بالقدوم على الاختيار ما بين قتل أبنه أو القبول بأن يقتل هو؛ أما المجموعة، فهي تتمتع، كما نراها، بدور مزدوج:تارة تشارك هي ذاتها في المطالبة باقتراف جريمة القتل، وتارة هي نفسها ضحية لكون يلتهب من حولها، ويدفعها نحو ما لا ندري أي جحيم وهذيان مرعبين. نحن لا نتعرف على هذه المجموعة إلا عبر أصواتها المأسوية أحياناً، المسلوبة الإرادة، ولكن أيضاً عامل تعطيل جريمة القتل، في أحيان أخرى. أما اللوحات الأربعة، فهي متماثلة تقريباً، ولا تتنوع إلا قليلاً من جانب شكلها الديكوري الخارجي، لكنها تختلف وتتنوع باختلاف وتنوع الأسلحة التي يُراد استخدامها في عملية القتل. بعد تقديم الرجل الذي يضع رأسه بين يديه، الطفل والقفص، يأتي دور رجل السكين. هل سمع أحد بتسمية كهذه؟ منْ هو رجل السكين هذا؟ لرجل السكين هذا بعدين:بعده على خشبة المسرح وهو يقبض على سكينه ويطالب الرجل على القدوم على الاختيار العبثي ذاك، فيما يبطل "الرجل البسيط" ذاك شراسة ودموية رجل السكين وسكينه أيضاً عبر طرحه لأسئلة بسيطة يمكن أجمالها بالكيف واللماذا، ولأن رجل السكين، كرمز للموقف، يظل حائراً وبليداً حيال أسئلة الكيف واللماذا هذه، يتبخر أو يهرب في النهاية، بعد تدخل المجموعة المباغت، ذلك ما يمكننا تسميته ببعده الواقعي. لكنه ينطوي على بعد ثان:بعد العصر أو الزمن الذي ينتمي إليه. وهكذا نكتشف بأنه لا يمكن ذبح الطفل، أو قتل الرجل لنفسه بسلاح ينتمي لتاريخ آخر غير اللحظة المعاصرة التي نحن فيها. يمكننا القول، هنا، بأن "مواطن"، إلى جانب تفاديها الخطر الأول، خطر السكين، تكون وفي ذات الوقت والدفعة قد أرّخت لزمن السكين ورجل السكين، لكن دون تحديد ذلك الزمن بالدقة، فهو، بطبيعته، لا ينتمي إلى أي زمن بعينه:السكين سلاح الإنسانية البدائية الأولى،الهمجية والمعدومة الصفات.بعده يأتي"رجل الحصان"الذي لا ينسى مؤلف "هذيانات/مواطن" أو يتغافل عن وصفه بالطريقة البارعة التالية"وكأنه أنتفض من كتب التاريخ السمر وبيده سيف براق"هل يمكن للمشاهد التظاهر بأنه لا يعرف منْ هو صاحب "السيف البراق هذا؟ قطعاً لا. وبهذا نكون كذلك قد تعرفنا على الزمن أو العصر الذي ينتمي إليه، كما نكون قد فهمنا بأن كل زمن "السيف البراق" هو بالدقة زمن شهية القتل ورغبة رؤية سيلان الدماء التي لا تقاوم. لكن، وقبل أن نصل إلى النماذج الأخرى، أي"رجل القنبلة" و"رجل المثقب الكهربائي" وإخفاقهما، هما كذلك، على إنجاز عملية القتل، قبل كل هذا، دعونا نتعرف على ردود فعل ذلك "الرجل البسيط"بعد أن يكون "رجل الحصان" قد خرج من خشبة المسرح، تاركاً سكينه هناك، يقوم "الرجل البسيط" أولاً بتوجيه طرف السكين الحاد على الجمهور، وكأنه ينوي القول رمزياً بأن تلك السكين هي أيضاً سكين ذبحهم، هم الجالسون على مقاعدهم الوثيرة، لكنه سرعان ما ينتبه لحماقة فعله، ومن ثم يدير نحو ذلك الجمهور مقبض السكين الذي لا يقتل، وليس طرفها الحاد القاتل. منْ منا من الغباء حداً يجعله لا يفهم الشحنة الرمزية العالية في فعل كهذا؟ "الرجل البسيط" هو أيضاً رجل السلام، أو حتى ما هو أفضل من ذلك؛ أنه ذلك الرجل الذي يرفض، هنا أيضاً ومع نفسه، أن يجعل من الآخرين ضحايا لكارثته هو. تتكرر ذات الحركة عبر اللوحات الأربعة. في كل مرة يدير ذلك الرجل البسيط الطرف غير المؤذي من السلاح، إن كان السيف، القنبلة، وفي النهاية المثقب الكهربائي نحوه، وليس باتجاه الجمهور. هل ثمة من براعة تحاكي براعة تحويل موقف العنف الدامي الذي يستهدف ألذات إلى موقف سلام يخص الجميع؟ سيطول الحديث عن الدلالات العبقرية التي تتضمنها "مواطن" ليس فقط فيما يتعلق بممكناتها الثرية على نزع فتيل الأزمة وحسب، بل وأيضاً على فك وتفتيت رعب اللغز المهول المطروح أمامنا.


نحتفظ لأنفسنا، وبأنانية، بالسحر الذي لا نمتلك المفردات الجديرة على وصفه والذي ولدته فينا لحظتين من لحظات تقديم "مواطن" لمشهدين من مشاهدها، لكننا ولأننا لا نريد الإبقاء على تلك الأنانية لفترة طويلة، ها أننا نضعها أمام عيني القارىء بتفاصيلها، لكي لا يحرم من القبض على أبعادها الكبيرة ومدلولاتها المرهفة.

 المشهد الأول هو التالي:

                                                                                                                                        من خلف الكواليس نشاهد مشاعل نيران كثيرة وما أن يقول رجل المثقب كلمة:

-  لا أعرف

تدخل المشاعل بمصاحبة الصراخ والعويل وموسيقى توحي بحجم الفجيعة التي ألمت بهم،

بعض من المجموعة احترقت ثيابه أو وجهه والبعض الآخر أحترق كله ويبحث عن من

يسعفه كمشاهد سينما

في هذا المشهد، علينا أن نحتفظ في أرواحنا وذاكرتنا على المفردات التالية:صراخ، عويل، موسيقى، فجيعة، مشاهد، وسينما. هل بمقدورنا إضافة أي شيء هنا؟ كلا. سوى كلمة واحدة. تؤرخ "مواطن" ثانية لأزمنة الصراخ، العويل، الموسيقى، الفاجعة، المثقب الكهربائي، والسينما. تؤرخ لعالمنا المعاصر. عصر نخر العظام البشرية بالمثاقب الكهربائية. وهذا وحده كافياً. هل يمكن مغالطة الحقيقة، حتى عند هذه النقطة؟ قطعاً كلا. وفي النهاية، إليكم بالمشهد الثاني الذي كنا ننوي التمتع به أنانينا لوحدنا، والذي "تنزل فيه الستارة"، غير الموجودة،على"مواطن"والذي ثالثة ننهي فيه حديثنا الذي لا ينتهي عن"مواطن"دون إضافة ولا مفردة واحدة أو تعقيب صغير واحد، مهما كانت أهميته:

"يخرج الجميع وتبقى بقعتي ضوء أحداهما على الأسلحة في مقدمة خشبة المسرح والأخرى على قفص الطفل الذي ما زال يلعب بلعبته". قلنا مسبقاً بأننا لن نضيف أي تعليق على هذا.               

لكن تبقى لدينا كلمة أخيرة، أو تساؤلات ترغمنا من نفسها على طرحها، ومن ثم فهم لغزها المحير:من هو ذلك الرجل، بصرف النظر عن الخبر؟ من هو هذا الطفل؟ ما هي تلك اللعبة التي يقبض عليها الطفل، ولمن تنتمي تلك الأصوات؟ لا ترد مسرحية"مواطن"على تلك الأسئلة مباشرة، ولا حتى بطريقة غير مباشرة،من وجهة نظرنا.هل يخولنا أحد، أو هل يغفر لنا صاحب "الهذيانات" بالرد على تلك التساؤلات على طريقتنا الفنطازية نوعاً ما؟ إذا كان الرد نعم، ستكون إجابتنا هي التالية، وبكل ما تنطوي عليه من مجازفة وتهور:قد يكون"الرجل" أو "الرجل البسيط" هو بالذات "رجل المساحات البيضاء"الفنان الذي "أكتنفه العذاب" وبعد "ساعة" أهدانا "هذياناته" التي لم يسبقها شيء من قبل. قد يكون الطفل الموضوع في القفص، الطفل العزيز والغالي هو بالدقة "وطن "رجل المساحات البيضاء" في وضعه الحالي. قد تكون اللعبة، ثانية أو ثالثة هي لعبة "رجل المساحات البيضاء" نفسه، أو قد تكون براءة الوطن مادام الطفل "ما زال يلعب بلعبته" قد تكون "الأصوات "التي يمكن أن تكون قادمة من عمق السماء أو باطن الأرض" هي أصواتنا نحن، أو بالأخرى أصوات أهلنا المحترقة هناك. 


ملاحظة أخيرة: لم يكن الحجم الذي أخذته "هذيانات/مواطن" يتعدى مساحة صفحة واحدة على الحاسوب الالكتروني.هل يبقى لكل ما قلناه من قيمة؟ قطعاً كلا. أي أن ما كتبته "مواطن" على صفحة واحدة لا يمكن لمئات الكتب السياسية أن تأتي به، وما كتبته كتبته عن السياسة نفسها.عن السياسة التي لا ترد أبداً إلا بعبارة واحدة :"لا أعرف"لأنها لا تعرف، ببساطة. هل يحق لكاتب هذه الأسطر تقديم نصيحة للقارئ،أو للعصر الذي نجد أنفسنا فيه؟ إذا كان الرد بنعم، فنحن نقول:كنصيحة، ليتم التعامل مع "هذيانات/مواطن" باعتبارها واحدة من التحف النادرة، المسروقة من متحف بغداد.

 

للتواصل يمكنكم مراجعة نص مسرحية مواطن على الروابط أدناه

www.kasimmatroed.com/Nsoos15.htm

 



 

free web counter