موقع الناس     http://al-nnas.com/

عبد الكريم كاصد … من الحقائب إلى هجاء الحجر
 


عبد الباقي فرج

الثلاثاء 2/5/ 2006


بينما تنأى بجمر الشعر
تنوء عمائم برؤوسها
ورؤوس ٍ
تتقاذفها التيجان !
في زمن نأى فيه النقد عن ممارسـة مهمته الأساسية في قراءة النص ! قراءة منهجية ، إستشرافية عجـّت الصحف والمجلات والمواقع والصالونات والمهرجانات بكلّ ماهو
بعيد عن الإبداع ونقده ! .
في مثل هذا الزمن الردئ ، لم يغادر الشعر بعض الشعراء المضيئين ومنهم الشاعر عبد الكريم كاصد الذي نال لقب الشـاعر من كلّ من قرأه أو عرفه :
      يقول الشاعر في حوار معه :
[ أعتقد إن لفضة شاعر وحدها كافية لتقديم الشاعر الحقيقي وتقييمه في آن ] .
منذ أن عرفت الشاعر عبد الكريم كاصد ، بقيت صورة كاصد الشاعر تزداد حضوراً كلما قرأته أو ألتقيته .
ترى ما الذي يجعل كاصد نائيا هكذا بالشعر رغم كلّ ما مرّ به ، من عبوره حدود العراق محمولا على خطر حيث على جمل مرّة و أخرى في خزان ماء ! ليصل الكويت بعيداً عن حراب القتلة ومنها إلى عدن وما تلا ذلك من مرارات وخسران وفقدان ! .
إن إبداع هذا الشاعر لا يكمن في شعره فقط إنما يكمن فيه كإنسان أيضا حتى بات عصياً الفصل بين الشاعر والإنسان عبد الكريم … عبد الكريم العارف الذي لا يذهله ولا يفرحه إلاّ ما يفرح الصديق … الغريب كطير وفضاء بين سرب طيور من ثلج ! .
عرفته ذلك الشاعر المجرّب
الشاعر الذي لم تضف الفلسفة على شعره إلاّ جمالاً فالعارف يسعد بجمال الأشياء … دون أن تأخذه الأشياء .
بتنا نتوقع من كاصد في كل عمل شعري جديد ، جديداً فلم يخيّب ظننا مرّة … بينما خيّب ظننا السيد النقد عن قصد تارة وتارة لغيابه ـ والغائب عذره معه ـ .
منذ الحقائب وعبد الكريم كاصد يبحث عن قصيدته الجديدة وبذا فإن كاصد من أهم الشعراء العراقيين الذين ما فتئوا يجربون … فمن يطلع على دواوين كاصد الأخيرة يرى إن التجريب عند كاصد لم يقتصر على كتابة الشعر كما يأتي الشعر ،بعيداً عن مسميات لا أرى فيها ـ شخصياً ـ ما يضيف للشعر الذي أطلقه الإنسان منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا … فالشعر هو الشعر بأية حلّة جاء ! ، وعبد الكريم كاصد كتب قصيدة التفعيلة والقريض وقصيدة النثر وتعامل مع الموروث الشعبي بحب ودراية فلم يكتف بتفصيح الموّال والدارمي ـ حيث سبقه آخرون ـ بل أضفى عليه شيئاً من روحه :
أطلقت في الحلم يوماً كلّ أفراسي
تعدو وتعدو وتعدو وسط أعراسي
حتى أنتهيت إلى بــاب وحراس
                          صحت الطريق فردوّا : ما وراء الباب
                          غير الظلام وغير الريح ؟ صحت الباب
                          يرتجّ في الريح صاحوا ، ثم غاب الباب
في ظلمة ٍ لم تزلْ ترتجّ في راسي
يقول الكاتب صلاح حزين في مقال له عن ديوان الشاعر ـ زهيريات ـ والمنشور في جريدة الحياة اللندنية في 22 / 2 / 2005 :
[ أستخدم عبد الكريم كاصد الزهيرية في شكلها التقليدي ، لكن الثقل الفلسفي والفكري الذي صاغ به كاصد زهيرياته أستدعى لغة خاصة وصلت أحياناً حدّ أستخدام مفردات قديمة ، خالقاً بذلك جمالية خاصة ناشئة عن ذلك التناقض بين لغة الزهيرية التقليدية المتميزة ببساطتها و مباشرتها ، وزهيرية كاصد بلغتها الكلاسيكية ومفرداتها القديمة التي تتنافر ألفاضها وتتقارع حروفها على مدى أبياتها ] .
لذا فإن التوقف عند تجربة عبد الكريم كاصد الشعرية يتطلب أولاً تسليط الأضواء على تجريب كاصد الدائم وإضاءة المشهد في شعره فكاصد [ بدأ رحلته مع التجريب الشعري عبر ديوانه الثاني ـ النقر على أبواب الطفولة ـ الصادر في بغداد سنة 1978 ـ وحوله بأكمله ما يشبه سيرة ذاتية شعرية لمرحلة الطفولة التي عاشها في مدينته البصرة ] .
[وإذا كان الشعر عادة كلاماً متعرجاً يتعذر معه إدراك التراسل الطبيعي للغة ، بحسب دريدا ، فإن ذلك بالضبط هو ما يمنح تلك الحياة الشعرية للغة القدرة على تجديد طاقتها الخارقة حين يستجيب النص لشروطها ] على هذا النحو بستعيد الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد بدايات أليفة في نصه الشعري الغريب ـ مملكة الأنهار ـ ، ذلك إن الحنين المتذرر على حياة قطعت نسيجها مع ذات الشاعر ، مرّة وإلى الأبد ، لا يمكن أن يستعاد إلا في الشعر ، أي أن يتحول إلى [ تعبير غير عادي عن حياة عادية ] ، بحسب نوفاليس ، فهنا لا تعبر المناحة عن الفجيعة ، بل تتحول الفجيعة إلى حريق داخلي لصيق بتلك الرؤيا التي تطبع لعنتها في حالات موازية لفجيعتها الأولى ، فالماضي والذكرى ، والبديهة ، والأشياء ترتبط في النص بحنين يتصرف فيها بتلك القدرة الإستعارية التي هي هيولى تأخذ صورتها أحمد في دراسته الرائعة ، التي كنت أتمنى أن تقرأ كاملة ، عن قصيدة ـ مملكة الأنهار ـ التي يرثي فيها شاعرنا زوجته .
وعبد الكريم شاعر شهد بحق على وطن ومنفى !
في ليله الطويل عبر مناف كان يطل منها دائماً على نهارات وطن ، حلم ، لكنها نهارات حاسرة ، حقيقية ، بسيطة رغم ثقل الشاعر الفلسفي وهنا تكمن المفارقة في الشعر وليس في إفتراق الشعر عن بساطة الحقيقة الكامنة في قوتها ! .
جئنا بلا أمتعة
وسنعود بلا أمتعة
تحملنا القطارات والسفن
ولا تحملنا أقدامنا المتعبة
من رآنا ؟
نطوف العالم
كأننا في نزهة أبداً ! .
وكاصد في دأبه لم يكن رحيماً بما يكتب وإلاّ لكانت حصيلة ما يزيد على أربعين عاماً من الشعر مجلدات كاملة كما يحلو للبعض أن يعلن نعي شعره :
أتطلع كالزاهد في أشعاري
أنا الحطاب
في غابة الشــعر ! .

هل أنصف النقد عبد الكريم كاصد ؟
يقول الكاتب المغربي محمود عبد الغني بعد قراءته لديواني الشاعر ـ دقات لا يبلغها الضوء ـ و ـ قفا نبك ـ : وهاهي أشعار مضت كغيرها ، بلا سميع ولا سـامع . فالإعلام لعب لعبته الخبيثة مع هذا الشاعر الذكي ، الموهوب و القادر . حفر قبراً لقصائده أهال عليها التراب .وبقي يقضم أعشاب الشعر اليابسة . وهو الآن ( هذا الإعلام ) في طريقة إلى السفح ، ولن تحميه الأدعية من الأنهيار . غير أن عبد الكريم مرتاح في هامشه .وقصائده ، التي لا تجلس باكية ، تزداد قوة وذكاء و قدرة ، مثل شاعرها .]
نعم إن هذا الإعلام الذي يقدم نقداً يقضم أعشاباً يابسة ليس في الشعر فقط ! بل هو راح يكرس ثقافة يابسة لا حياة فيها نائياً بحفلته ومحتفليه من بنات وأبناء وآباء آوى ، معتقداً إن ما أهال من تراب على أعمال إبداعية كثيرة ،سيطمرها وإلى الأبد ،متناسياً إن هناك دائماً من ينقب عن التبر ، فتعساً لإعلام كهذا وتعساً لإستعراضاته المثيرة للقرف ،متأبطاً غفلته ،مجللاً بالهباء .

هل أنصف النقد إبداعنا ومبدعينا ؟
إننا حين نكرّس هذا الملف الذي أسهم فيه العديد من الكتاب الذين تمنينا أن يكونوا بيننا ولذا أضطررنا إلى الإكتفاء بتضمين مقتطفات من إسهاماتهم في هذا التقديم ، شاكرين لهم إسهاماتهم المتميزة في هذا الملف إحتفاءاً بشاعرنا المبدع عبد الكريم كاصد وإحتفاءاً بالإبداع من أجل كسر معاول الإقصاء والتهميش والإهمال بحق ثقافتنا ومثقفينا .