موقع الناس http://al-nnas.com/
عبد الكريم كاصد … من الحقائب
إلى هجاء الحجر
عبد الباقي فرج
بينما تنأى بجمر الشعر
تنوء عمائم برؤوسها
ورؤوس ٍ
تتقاذفها التيجان !
في زمن نأى فيه النقد عن ممارسـة مهمته الأساسية في
قراءة النص ! قراءة منهجية ، إستشرافية عجـّت الصحف والمجلات والمواقع والصالونات
والمهرجانات بكلّ ماهو
بعيد عن الإبداع ونقده ! .
في مثل هذا الزمن الردئ ، لم يغادر الشعر بعض الشعراء المضيئين ومنهم الشاعر عبد
الكريم كاصد الذي نال لقب الشـاعر من كلّ من قرأه أو عرفه :
يقول الشاعر في حوار معه :
[ أعتقد إن لفضة شاعر وحدها كافية لتقديم الشاعر
الحقيقي وتقييمه في آن ] .
منذ أن عرفت الشاعر عبد الكريم كاصد ، بقيت صورة كاصد الشاعر تزداد حضوراً كلما
قرأته أو ألتقيته .
ترى ما الذي يجعل كاصد نائيا هكذا بالشعر رغم كلّ ما مرّ به ، من عبوره حدود العراق
محمولا على خطر حيث على جمل مرّة و أخرى في خزان ماء ! ليصل الكويت بعيداً عن حراب
القتلة ومنها إلى عدن وما تلا ذلك من مرارات وخسران وفقدان ! .
إن إبداع هذا الشاعر لا يكمن في شعره فقط إنما يكمن فيه كإنسان أيضا حتى بات عصياً
الفصل بين الشاعر والإنسان عبد الكريم … عبد الكريم العارف الذي لا يذهله ولا يفرحه
إلاّ ما يفرح الصديق … الغريب كطير وفضاء بين سرب طيور من ثلج ! .
عرفته ذلك الشاعر المجرّب
الشاعر الذي لم تضف الفلسفة على شعره إلاّ جمالاً فالعارف يسعد بجمال الأشياء … دون
أن تأخذه الأشياء .
بتنا نتوقع من كاصد في كل عمل شعري جديد ، جديداً فلم يخيّب ظننا مرّة … بينما خيّب
ظننا السيد النقد عن قصد تارة وتارة لغيابه ـ والغائب عذره معه ـ .
منذ الحقائب وعبد الكريم كاصد يبحث عن قصيدته الجديدة وبذا فإن كاصد من أهم الشعراء
العراقيين الذين ما فتئوا يجربون … فمن يطلع على دواوين كاصد الأخيرة يرى إن
التجريب عند كاصد لم يقتصر على كتابة الشعر كما يأتي الشعر ،بعيداً عن مسميات لا
أرى فيها ـ شخصياً ـ ما يضيف للشعر الذي أطلقه الإنسان منذ بدء الخليقة حتى يومنا
هذا … فالشعر هو الشعر بأية حلّة جاء ! ، وعبد الكريم كاصد كتب قصيدة التفعيلة
والقريض وقصيدة النثر وتعامل مع الموروث الشعبي بحب ودراية فلم يكتف بتفصيح الموّال
والدارمي ـ حيث سبقه آخرون ـ بل أضفى عليه شيئاً من روحه :
أطلقت في الحلم يوماً كلّ أفراسي
تعدو وتعدو وتعدو وسط أعراسي
حتى أنتهيت إلى بــاب وحراس
صحت الطريق فردوّا : ما وراء الباب
غير الظلام وغير الريح ؟ صحت الباب
يرتجّ في الريح صاحوا ، ثم غاب الباب
في ظلمة ٍ لم تزلْ ترتجّ في راسي
يقول الكاتب صلاح حزين في مقال له عن ديوان الشاعر ـ زهيريات ـ والمنشور في
جريدة الحياة اللندنية في 22 / 2 / 2005 :
[ أستخدم عبد الكريم كاصد الزهيرية في شكلها التقليدي ، لكن الثقل الفلسفي والفكري
الذي صاغ به كاصد زهيرياته أستدعى لغة خاصة وصلت أحياناً حدّ أستخدام مفردات قديمة
، خالقاً بذلك جمالية خاصة ناشئة عن ذلك التناقض بين لغة الزهيرية التقليدية
المتميزة ببساطتها و مباشرتها ، وزهيرية كاصد بلغتها الكلاسيكية ومفرداتها القديمة
التي تتنافر ألفاضها وتتقارع حروفها على مدى أبياتها ] .
لذا فإن التوقف عند تجربة عبد الكريم كاصد الشعرية يتطلب أولاً تسليط الأضواء على
تجريب كاصد الدائم وإضاءة المشهد في شعره فكاصد [ بدأ رحلته مع التجريب الشعري عبر
ديوانه الثاني ـ النقر على أبواب الطفولة ـ الصادر في بغداد سنة 1978 ـ وحوله
بأكمله ما يشبه سيرة ذاتية شعرية لمرحلة الطفولة التي عاشها في مدينته البصرة ] .
[وإذا كان الشعر عادة كلاماً متعرجاً يتعذر معه إدراك التراسل الطبيعي للغة ، بحسب
دريدا ، فإن ذلك بالضبط هو ما يمنح تلك الحياة الشعرية للغة القدرة على تجديد
طاقتها الخارقة حين يستجيب النص لشروطها ] على هذا النحو بستعيد الشاعر العراقي عبد
الكريم كاصد بدايات أليفة في نصه الشعري الغريب ـ مملكة الأنهار ـ ، ذلك إن الحنين
المتذرر على حياة قطعت نسيجها مع ذات الشاعر ، مرّة وإلى الأبد ، لا يمكن أن يستعاد
إلا في الشعر ، أي أن يتحول إلى [ تعبير غير عادي عن حياة عادية ] ، بحسب نوفاليس ،
فهنا لا تعبر المناحة عن الفجيعة ، بل تتحول الفجيعة إلى حريق داخلي لصيق بتلك
الرؤيا التي تطبع لعنتها في حالات موازية لفجيعتها الأولى ، فالماضي والذكرى ،
والبديهة ، والأشياء ترتبط في النص بحنين يتصرف فيها بتلك القدرة الإستعارية التي
هي هيولى تأخذ صورتها أحمد في دراسته الرائعة ، التي كنت أتمنى أن تقرأ كاملة ، عن
قصيدة ـ مملكة الأنهار ـ التي يرثي فيها شاعرنا زوجته .
وعبد الكريم شاعر شهد بحق على وطن ومنفى !
في ليله الطويل عبر مناف كان يطل منها دائماً على نهارات وطن ، حلم ، لكنها نهارات
حاسرة ، حقيقية ، بسيطة رغم ثقل الشاعر الفلسفي وهنا تكمن المفارقة في الشعر وليس
في إفتراق الشعر عن بساطة الحقيقة الكامنة في قوتها ! .
جئنا بلا أمتعة
وسنعود بلا أمتعة
تحملنا القطارات والسفن
ولا تحملنا أقدامنا المتعبة
من رآنا ؟
نطوف العالم
كأننا في نزهة أبداً ! .
وكاصد في دأبه لم يكن رحيماً بما يكتب وإلاّ لكانت حصيلة ما يزيد على أربعين
عاماً من الشعر مجلدات كاملة كما يحلو للبعض أن يعلن نعي شعره :
أتطلع كالزاهد في أشعاري
أنا الحطاب
في غابة الشــعر ! .
هل أنصف النقد عبد الكريم كاصد ؟
يقول الكاتب المغربي محمود عبد الغني بعد قراءته لديواني الشاعر ـ دقات لا يبلغها
الضوء ـ و ـ قفا نبك ـ : وهاهي أشعار مضت كغيرها ، بلا سميع ولا سـامع . فالإعلام
لعب لعبته الخبيثة مع هذا الشاعر الذكي ، الموهوب و القادر . حفر قبراً لقصائده
أهال عليها التراب .وبقي يقضم أعشاب الشعر اليابسة . وهو الآن ( هذا الإعلام ) في
طريقة إلى السفح ، ولن تحميه الأدعية من الأنهيار . غير أن عبد الكريم مرتاح في
هامشه .وقصائده ، التي لا تجلس باكية ، تزداد قوة وذكاء و قدرة ، مثل شاعرها .]
نعم إن هذا الإعلام الذي يقدم نقداً يقضم أعشاباً يابسة ليس في الشعر فقط ! بل هو
راح يكرس ثقافة يابسة لا حياة فيها نائياً بحفلته ومحتفليه من بنات وأبناء وآباء
آوى ، معتقداً إن ما أهال من تراب على أعمال إبداعية كثيرة ،سيطمرها وإلى الأبد
،متناسياً إن هناك دائماً من ينقب عن التبر ، فتعساً لإعلام كهذا وتعساً
لإستعراضاته المثيرة للقرف ،متأبطاً غفلته ،مجللاً بالهباء .
هل أنصف
النقد إبداعنا ومبدعينا ؟
إننا حين نكرّس هذا الملف الذي أسهم فيه العديد من الكتاب الذين تمنينا
أن يكونوا بيننا ولذا أضطررنا إلى الإكتفاء بتضمين مقتطفات من إسهاماتهم في هذا
التقديم ، شاكرين لهم إسهاماتهم المتميزة في هذا الملف إحتفاءاً بشاعرنا المبدع عبد
الكريم كاصد وإحتفاءاً بالإبداع من أجل كسر معاول الإقصاء والتهميش والإهمال بحق
ثقافتنا ومثقفينا .