الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأربعاء 27 /12/ 2006

 

 

الصحافة العراقية في المنفى
فائق بطي يؤرخ بعيداً عن الآيديولوجيا والنظرة الانتقائية
 

رضا الظاهر

عندما عاد ذلك الصحافي الشاب من القاهرة أواسط عام 1958 الى بغداد ليتولى مهمة جسيمة هي رئاسة تحرير صحيفة «البلاد»، لم يكن، بعد، قد خبر هذا الفضاء الواسع، عالم الصحافة والسياسة. غير أنه كان يمتلك عدة أخرى، فقد كان وريث عائلة امتدت فيها جذور الثقافة وازدهر فيها فن الصحافة. فهو ابن الكاتب رفائيل بطي، الذي كتب، من بين مؤلفات أخرى، (الصحافة في العراق)، دارسا تطورها الفكري والسياسي منذ أواخر سبعينات القرن التاسع عشر، حيث صدور أول صحيفة هي «الزوراء» عام 1869 حتى عام 1936.
وقد عبر عن وفائه لذلك الأب، الرائد في الفكر، والبرلماني والوزير في العهد الملكي بالعراق، عندما حقق يوميات الوالد التي صدرت عام 2000 عن «دار المدى للثقافة والنشر»، بجزأين تحت عنوان (ذاكرة عراقية)، وهي من اليوميات الغنية في توثيقها للوقائع والأحداث، والمليئة بالقصص، والمكتوبة بأسلوب أدبي رشيق.
وفي عام 1960 أصدر فائق بطي أول دراسة له عن الصحافة العراقية في كتاب حمل عنوان (الصحافة العراقية ـ ميلادها وتطورها)، فكان ذلك بداية مسيرة اتسمت بالغنى والتحدي. وبحكم عمله في الصحافة واصل بطي بحثه ليقدم إسهامات مميزة في تاريخ الصحافة العراقية أهّلته الى أن يكون العميد الثاني للصحافة العراقية، وارثاً تلك العمادة من أبيه الذي عدّه المؤرخون، بحق، عميد الصحافة العراقية.
ويرى بطي أن الصحافة العراقية مرت بمراحل يحددها بـ: الكفاح من أجل الاستقلال، وهي فترة العقدين الأولين من القرن العشرين، وثورة العشرين، وتأسيس الحكم الأهلي، وانبثاق الحياة الحزبية، وفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وقيام الأحزاب الوطنية. ويشير الى أن الصحافة في العراق عاشت حرية نسبية خلال ثلاث فترات؛ الأولى كانت بعد الحرب العالمية الثانية عندما أجاز وزير الداخلية، الوطني المعروف، سعد صالح الأحزاب السياسية التي أصدرت صحفها. والثانية كانت بين عامي 1953 و1954 في أعقاب تشكيل وزارة فاضل الجمالي التي دخل فيها خمسة وزراء من الشخصيات المعارضة آنذاك، وكان والده رفائيل بطي أحدهم، حيث تسلم حقيبة وزارة شؤون الصحافة والاعلام. أما الفترة الثالثة فتشمل السنوات الأولى بعد ثورة 14 تموز 1958، حيث صدرت العشرات من الصحف وكذلك المجلات الثقافية، كما عرف العراق الصحافة الكردية قبل تحقيق الاستقلال الوطني، حيث صدرت أول مجلة شهرية عام 1912.
وبين أعوام 1968 و1976 أصدر فائق بطي في الصحافة وتاريخها: «صحافة العراق ـ تاريخها وكفاح أجيالها» و«صحافة الأحزاب وتاريخ الحركة الوطنية في العراق» و«صحافة تموز وتطور العراق السياسي» و«الموسوعة الصحفية في العراق» التي ضمت كل ما يتعلق بالصحف والمجلات وقوانين الصحافة منذ عام 1924 ولغاية ثورة تموز 1958 والعمل النقابي بعد تأسيس نقابة الصحافيين عام 1959.
وكانت أطروحة الدكتوراه من موسكو عام 1979 الكتاب السابع له في تدوين تاريخ الصحافة العراقية، وقد صدرت عام 1982 في لندن تحت عنوان «الصحافة اليسارية في العراق منذ نشأتها حتى عام 1958».
وفي أواخر السبعينات اضطر الدكتور فائق بطي، شأن آلاف من الكتاب والصحافيين والمبدعين العراقيين، الى الهجرة من بلاده لتبدأ مرحلة جديدة من حياته الصحفية.
وفي منافي العراقيين، الذين توزعوا في ارض الله الواسعة، كانت الاصدارات الجديدة امتداداً لصحف مركزية للأحزاب الوطنية العراقية، بينما نشأت وتطورت في المنافي صحف ومجلات جديدة سياسية وثقافية بلغ عددها المئات في غضون ثلاثين عاماً ونيف.
وفي مقدمته الموجزة لكتابه الجديد «الصحافة العراقية في المنفى»، الصادر مؤخراً عن «دار المدى للثقافة والنشر»، يقول فائق بطي إنه «خلال تلك السنوات الطويلة من العمل في صحافتنا بالمنفى شعرت بحاجتنا الى تدوين مسيرتها كجزء متواصل ومتمم لتاريخ الصحافة العراقية، خصوصاً وأن الصحف والمجلات السياسية منها والفكرية، كانت في مستوى متقدم يفوق تقدم وواقع ذلك الكم الهائل من المطبوعات التي أغرقت أسواق بغداد في فترة زمنية طويلة، والتي لم تكن سوى أبواق لنظام صدام حسين وتمجيد له ولعائلته».
وفي صفحة الغلاف نقرأ كلمات الناشر الموجزة: «من العراق الى كل الجهات، انطلقت أصوات عراقية حرة، مهاجرة، تكتب وترصد مصير الانسان العراقي المحاصر في الداخل، وتنشر الحقائق المرة، وترسم صورة الحاضر وأحلام المستقبل. (الصحافة العراقية في المنفى) مرصد حر لصحافة حرة كانت لها أصداء في كل الجهات، وكان للدكتور فائق بطي مبادرة طيبة في رصد هذه الظاهرة».
وحاول «شيخ» الصحافة العراقية، المفعم بنشاط الشباب والذهن المتقد والعقل المثقف والمنفتح، أن يتتبع ويمسح ما صدر من مطبوعات في المنفى الممتد من بلاد الشرق حتى أقصى بلدان الشتات العراقي في كندا ونيوزيلندا وأستراليا، والوقوف على كل ما صدر من صحف ومطبوعات، دون أن يبحث في النشرات وهي كثيرة أيضاً.
يقول: «إنه من الطبيعي، في مثل هذه الدراسات، أن لا تأتي أو تكون متكاملة بسبب تعدد الدول على الخارطة الجغرافية التي شهدت ميلاد الصحافة العراقية، ناهيكم عن غياب المصادر التي تعتمدها الدراسة، أو وجود الأشخاص الذين أصدروا أعداداً قليلة من المطبوعات لأسباب خارجة عن إرادتهم. يضاف الى ذلك عدم احتفاظ البعض من المثقفين الذين ساهموا في الاصدار أو الكتابة فيها بأعداد منها، باستثناء قلة منهم».
ورغم هذه الأسباب، أو الصعاب إن شئتم، فقد أفلحت دراسة بطي في تغطية الكثير من الوقائع في ما يتعلق بجهات الاصدار وتحليل مكانة كل مطبوع ودوره في العملية السياسية في الوطن والجهات التي وقفت وراءه وأسباب ديمومة البعض من هذه الصحف أو الغياب السريع للبعض الآخر.
ونحن مع تطلع المؤلف في أن هذا الانجاز العلمي بحاجة الى إغناء بمساهمات من الشخصيات العراقية التي كان لها دور متميز في العمل السياسي والفكري والثقافي في المنفى الاجباري، لتضاف تلك المساهمات في طبعة لاحقة حتى تكون جزءاً من الدراسات التي تدون تاريخ الصحافة العراقية في المنفى.
وفي هذا الكتاب الذي يضم، في صفحاته الـ 380، مقدمة موجزة وأربعة فصول هي: صحافة الأحزاب والكتل السياسية، والصحف والمجلات الثقافية، وصحف ومجلات المنظمات والجمعيات والنوادي، والصحافة الخاصة، يجسد المؤلف مسعى يتسم بالشمولية والتقصي الدؤوب والبحث الدقيق والمضني في إطار منهجية تتجلى فيها سمات الموضوعية والحيادية والابتعاد عن الآيديولوجيا والنظرة الانتقائية، فضلاً عن التحليل العميق، وهو أسلوب في كتابة التاريخ نجده في كتاب الدكتور فائق بطي، الذي يسد، في الواقع، حاجة ملحة في المكتبة العراقية والعربية.
ويرسم الكتاب صورة لمعاناة ومصاعب الصحافة العراقية في المنفى، من حيث ظروف المنفى نفسه ومشقة الاغتراب ومصاعب التمويل، ناهيكم عن ملاحقة الأصوات المعارضة حتى لو كانت في الخارج. كما تتجلى تلك السمة البارزة في الصحافة العراقية، متمثلة في ارتباطها الوثيق بالقضايا السياسية ونزعتها الوطنية وخوضها غمار المعارك السياسية والفكرية. وقد ورثت صحافة المنفى كثيراً من تلك السمات وجسدت كونها امتداداً لتلك التقاليد التي ميزت الصحافة العراقية.
هناك الكثير من فضائل هذا الصحافي والمؤرخ والكاتب، الذي ينشغل حالياً في كتابة الجزء الثالث من «الوجدان»؛ وهو سيرته الذاتية التي تؤرخ، هي الأخرى، وبأسلوب جذاب، لأحداث سياسية وثقافية مهمة على مدى نصف قرن من تاريخ العراق الحديث. غير أن إنجازاته المتميزة في مجال فن الصحافة وتاريخها، وبينها كتاب «الصحافة العراقية في المنفى»، تعد في مقدمة تلك الفضائل، حيث تصدى، بمفرده، لتوثيق صفحات مهمة من الذاكرة العراقية، وهي مهمة شاقة لا يمكن أن تنهض بها إلا مؤسسات أبحاث ذات إمكانيات كبيرة.

الشرق الأوسط ـ 27/12/2006