الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأربعاء 26/8/ 2009

 

اشراقات على حوار نعمة السوداني في متكأ البنفسج

سعد عزيز دحام *

كمن يسبر اعماق روحه ليبحث عن تلك الاسئلة المنتقاة ليدفعها تباعا الى فضاءات نعمة السوداني , الذي بدى بدوره يطلق بصمته ذلك عبر النداءات التي لايمكن اسكاتها او عزلها, كأنها تعلن شكواها الخفية وقد اصبحت فاضحة لسرها ... ثم ما لبث ان حول اعماق صمته الى صرخات تلقائية , تحمل بين جنباتها معنى الاغتراب وويلات الحروب وسياط الجلاد والمقاومة واستنزاف الاحبة وهاجس البحث عن الراحلين في ذلك الفضاء الذي تحتويه روحه , وذلك الجسد الضعيف الذي انهكته بسالة الرفض واللاانحناء.. فقد كان يتكأ على قبضة صمته .. ذلك الصمت الذي اصبح شاهدا ومتوهجا بالعذابات الطويلة .

كانت بداية اللقاء لازالت خجلة حين سالته المحاورة امينه الحماقي.. ماذا منحتك نشوة البقاء طويلا في المنفى ؟؟؟ولكن المنفى لايمنح النشوة بقدر ما يمنح الم البعد عن ذكريات الطفولة ورائحة التراب الممزوج بالمطر...لكنه كعادته راح يراقص الكلمات بذلك التباهي الجميل بالارث الحضاري الرائع لأكد وسومر وبابل كونه ابن هذا الارث حيث يقول :

انا ابن تلك الحضارة السومرية التي تتمتع بجماليات المكان والفكر والادب ...

لكنه يهجر كل هذا مجبولا بالبحث عن فضاءات سومر المفقودة في عوالم اوربية مثل بلد هولندا حيث هناك يتعرف على الحنين , فيكتب بصحبته اجمل القصائد , لقد كان الحنين وفيا لنعمة السوداني , حيث سافر به في رحلات لا تنتهي اكثرها مصحوبة بذكريات تجسدت بسيل من الدماء الطاهرة للمناضلين الشيوعيين في سجون الطاغية والبعث المقبور وألم الانتظارات الطويله في زنزانات الاعدام و لقد كان الحنين وفيا للمواقف التاريخية البطولية والشجاعة للسجناء الشيوعيين لذا كان حديث ذلك الصمت عبارة عن نزيف للذكريات الحبيسة في فضاءات السوداني حتى الهزائم التي يتحدث عنها بتلك الكلمات المكلله بالجرح والمهجر ابت الا ان تتغنى بحب العراق امام سياط الجلاد وسعة الجرح وصرخات الالم.. وياتي الحنين لينتشله من عذاباته ويسافر به الى غابات القصب بحثا عن اكيدو وليسقيه صبرا ثم يسافر به الى امه لتسقيه ابجدية الاشياء كلها من حليبها الطاهر, هكذا حين عاد الى مقصلته اتسعت عيناه لتحتوي مجازر الجلاد وصخب الالم وشموخ الرجال فسالت حبرا وحكايات عن الزمن الذي توقف على دكة الحياة المعطلة هناك فكانت :

ابجدية النهر.....

ابجدية النهر
البيت
صندوق خشبي
نخلته جمجمة
تصافح المرآة
تتزين بالبياض
وتنطق بالتناوب
غير ان شراعها الاخير
يكتفي بريشة اسنانه
ومصافحتي

خلف المرآة انا
راكبا بوصلتي
سالت يدي
عن اتجاه اصابعي
عن جدي وساعاته
تلك التي تكسرت في غابة الارز
قرب خمبابا
سالتها عن ثوبي
عن فزعي
عن طفلي الحالم
ذلك المسلوب عنوة
من خاصرتي

سالتها عن انفجار السواد
في عين عشتار
وهي تغادر الحانة
بكأس دسها ابو نواس
في جيبه المثقوب

وعن لغتي
كيف فقدت ابجدية النهر
وعن الموج
وهو ينزف القتلى
ينزفها
وكان النعش
يشرب الماء
من عروق الماء
وكانني
مؤمن بالخرافة
فالريح
صفراء باقدامها
صفراء بجمجمتها
التي تصافح تلك المرآة
بصندوقها الخشبي
وكانني انا
البيت .

ولكن تلك الروح حين فارقت دجلة والفرات طالما عاد بها الحنين لتتحنى بقصب العراق.. ونساء العراق .. وبخور العراق .. لابي نؤاس ونصب الحرية والسياب
ذلك الفضاء الرحب من الابداع الذي صنعته تلك الاسماء التي تلألأت في سماء العطاء الانساني الجميل بدءا بالمتنبي ومرورا بالشعر الكبير محمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري ومظفر النواب وسعدي يوسف ولميعة عباس عمارة والقائمة تطول لتحتوي على جنباتها من صقلته السجون والمنافي ....
حين التقيت المبدع نعمة السوداني اول مرة كان يسال مالذي يميز الفنان المبدع عن الفنان العادي ؟؟؟؟ فشاكسته قائلا : النقد يقوم بتحليل العمل الفني فيحكم على مواطن الجمال والقبح القوة والضعف الاكتمال والنقص فيه... فرد قائلا : اذا كان النقد فرع من فروع الفلسفة فان علم الجمال هو نقد النقد ..
هكذا هو نعمة السوداني يفرغ نزيف الالم من خلال علاقته بالفن , ذلك النشاط الانساني الذي تم الاستدلال عليه منذ عصور ماقبل التاريخ ليترك اثره في منتج نعمة السوداني الابداعي والذي ادى الى ان تتحفز استجابات جمالية لمتذوقين اخرين فخاض معهم الدرس في تاريخ علم الجمال والفن فدرسوا الفن محاكاة لافلاطون وارسطو و الفن تعبير لبندتوكروتشه وكذلك الفن ظاهرة اجتماعية لاميللا دور كايم وايضا الفن رمز لسوزان لانجر و الفن حدس لهنري برجسون وهكذا...

فلم يكن الفن مجرد نشاط خاص لنعمة السوداني بل تعداه ( ليكون )رؤية جديدة للحياة فقد استنتج تفاؤله من المه الممتد على مساحة نصف عمره ....
ايها العزيز المبدع نعمة السوداني اقول لك لقد عشت في الظلمة طويلا من اجل ان تعرف معنى الضوء والنافذة ...مثلما تقول في :

حكاية ظلي

بينما انا منشغلا
برسم ظلي
ثمة ضوء
تسرب

من نافذتي
وصياح ديك
يسذهب للجحيم
مساء اليوم
نذرا
كانت ريشتي
تشق طريقها
لجمع دواخلي المتناثرة
بين الالوان الداكنة
التي فقدتها
بعد رحيل الفجر
كصوت طائر

ظلي بارد كجسدي
معلق

كعنكبوت ينسج معاناتي
من هذيان الجدران
التي البستني ثيابها
ودفأتني
كصانعي التوابيت
وحفري القبور
حين يلفون موتاهم
بجرحهم الكوني

اختبأت
خلف ظلي
شاردا يجر عربة الموتى
اتنفس ثقوب نافذتي
فيما
ضم الطير جناحيه.


سقطت وظلي
ببئر
تنفست فيه
ثوب يوسف
والذئب يحرسنا
بقينا معلقين
فانزلقت
وارتطمت بالهواء

تجمعت في حدقتي
صور كانت
قد تلاشت
في عالم ميؤوس
صار قديما


فللبوح جناح
يفترش الصمت
اراني متعددا
وانا معلق
ولأن ظلي منحني ولادة
اصبحت بلا راس
سقطت سرا
تكسرت حدقتاي
وريشتي
ومات الديك .


اخيرا وهكذا الان وقد اشرق الصباح الجميل في اي مكان منك تركت الظلمة .


* عضو رابطة بابل للكتاب والفنانين في هولندا

 

free web counter