الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأربعاء 24/6/ 2009

 


الإنسان بنيان الله على الأرض
ملعون من هدمه

فهد محمود

العراقيون لا يجيدون الفـن والأدب فحسـب وإنما يعشـقون الثقافة كروح متجددة للحياة ، من الحـزن ينحتـون البسـمة ، من تراث بلاد ما بين النهرين يستلهمون الخطوات الواثقة نحو العطاء ، أليست هذه الأرض هي التي أعطت للبشرية حضارة متكاملة لمفردات الوجود ، دون فـن يصدؤون .

زينت القاعة بشكل استثنائي وبعناية فائقة لشخصية علقت صورها التخطيطية والفوتوغرافية لوحة في إحدى زوايا المكان ، تعكس التأمل نحو الأفق ، الابتسامة من الجرح المزمن ، النخلة نكثت سعفها رثاءً لصاحبها ، وفي الزاوية المقابلة صورة وشمعتين خرج بينهما رائد المسرح العراقي الفنان قاسم محمد ، حينذاك تقدم بهدوء الفنان المسرحي علي ريسان ليعلن باسم الجمعية الثقافية العراقية في مالمو وفي هذا المساء 20 من حزيران 2009 عن أمسية استذكارية لمبدع أخر من بلاد دجلة الخير ، فقيد المسرح العراقي الفنان قاسم محمد . يساهم فيها نخبة من الفنانين والمسرحيين والمثقفين .

لكن علي ريسان يعود ثانية ليقول ، حتما الفنان الراحل قاسم محمد سيظل بيننا بجده ، بإبداعه ، بتواصله بما أنجزه للمسرح العراقي . كانت في عينيه بسمة طفل وكنت أغالب أن اصدم ، الليلة مر طيفك خلف الدخان ، ثمة ذكرى ، ما أجمل أن تذكر مع الكأس الأولى ، مر طعم الكأس الأولى كالقتل ، وان احرق في طلع الشمس أو احرق عود ثقاب مذلول ، حينها وقف الحضور دقيقة صمت إجلالا للفقيد الراحل .
أبى الفنان الموسيقي المتألق عبد الله البدران ليفتتح الأمسية بمقاطع موسيقية من الموروث العراقي ، بعدها قدم مشهدا عبر الحاسوب لمسرحية النخلة والجيران .

الدكتور حسين الأنصاري تناول فصولا عن حياة الراحل وعن سيرة إبداعات قاسم محمد ، مشيرا في القول : مهما تحدثنا عن ما أنجزه هذا المبدع ، فلا يمكن أن نوفي حقه تماما ، لأنه كان مبدعا متعدد المواهب ومتعدد الانجازات .مضيفاً : أي مسرح هذا الذي يؤجل السؤال ويغيب الرأي ويلغي الموقف ، أي مسرح هذا الذي ينسى هم الإنسان ويتجاوز إشكاليات الواقع ، أي مسرح هذا الذي لا تسكنه المغامرة ومحاولات التجريب ولا يرهن ذاته للفكر المتجدد والتغيير ، أي مسرح هذا الذي يتخلى عن مرجعياته وسمو قيمه ليهيم في صحراء التجريد والغموض واللهو الفارغ ولا جدوى ، أي قداسة تبقى لمسرح يجافي الحقيقة ، ويرقع ثوب الواقع بالهامشي والمطمئن والعابر ، أليس المسرح هو فضاء الحرية والتعبير وإشباع الذات من الإبداع المعرفي والجمالي. كما توقف الدكتور حسين الأنصاري عند ابرز أعمال الفنان قاسم محمد والجوائز الممنوحة له من جهات عديدة داخل الوطن وخارجه .

استكمل الفنان باسم الحجار ما ذهب إليه حسين الأنصاري بقصيدة نثرية مؤثرة : يظن أن فؤادي غير ملتهب وان دمع جفوني غير منسكب ، فلتكفي كلمات مثل اللعنة ، هل تكفي الجروح الغائرة كلها . . . هل يكفي الصراخ كله ..... هل يكفي العواء كله والنشيج والخذلان والخسارة أن نبكي عليك ، هل تكفينا النخلة والجيران ، البيك والسائق ، حكاية الرجل الذي صار كلبا ، أنا ضمير المتكلم ، أنا لمن وضد من ، المسرح مكان طاهر ، نحن الذين لم نضع آثامنا عليه أو كلماتك التي قلتها : الإنسان بنيان الله على الأرض ، ملعون من هدمه ، هل تكفي الكلمات لتبكيك أيها الصوفي ، أيها المتعبد في محرابه ، لكنك مذنب اقل قليلا أو أكثر ، لأنك تموت تحت سماء غريبة .

مسك الختام كان للأستاذ كريم رشيد مشيرا إلى علاقاته القديمة الحميمة مع الراحل ، الحزن لا يليق بقاسم محمد ... فلنبتسم ، وحسنا فعلتم بعرض مشهد من النخلة والجيران ، ذلك المشهد الكوميدي الهائل الذي لا ينسى في تأريخ المسرح العراقي وذلك أول ما صنعه قاسم محمد .

قاسم محمد هو مؤسس الثقافة السعيدة في المنجز الثقافي العراقي المعاصر ، لأننا غالبا ما نتوغل في المأساة والحزن والميلودراما إلا أن قاسم محمد له رؤيا أخرى . كان الراحل يحترم الأدب العالمي بمدارسه الإنسانية المتنوعة ، لكن الأعظم لديه هو تراثنا العربي ، وكان يطلب من طلابه ، اذهبوا وابحثوا من جديد ومن خزين تراثنا الكبير .


 

free web counter