الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء 22 / 5 / 2007

 

 

"أنا هارب بأعضائي"


قراءة نقدية بقلم الروائي المغربي
 محمد البوزيدي

قراءة في المجموعة القصصية
" موسم الهجرة إلى أي مكان "
للباحث والمترجم والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني

1 تقديم:
يهيمن على الغلاف اللون الأسود القاتم، وتتوسطه صورة لمركب متوقف يبدو تقليديا، ويحيل على الهجرة، لكن المركب متوقف وبلا ركاب، جزء منه في الرمال دلالة على فشل الرحلة أو عدم انطلاقتها أصلا…….
2
تتوزع المجموعة القصصية إلى 16 قصة قصيرة كتبت في مجموعة من المدن المغربية المختلفة، ونشرت في صحف عديدة مغربية وعربية وعالمية في فارات مختلفة، وتتنوع بين السرد والتأمل ،ودائما تكون مسبوقة باستهلال خاص لأحد الفلاسفة أو الكتاب أو أحد الفنانين ، كما تصدرت المجموعة شهادة خاصة للكاتب تضمنت تصوره الخاص للقصة القصيرة باعتبارها تؤدي / ويجب أن تؤدي وظائف عديدة في المجتمع ومن أهمها :
• إنها تفتح الخيال على نوافذ جديدة وتنتج عوالم جديدة وتشيع مثلا جديدة وقيما جديدة 5
• إنها تفجر موقفا سياسيا أو ثقافيا 5
• تغيير القارئ 6
• فرصة المساهمة في تغيير العالم 9
أما منهجيته في الكتابة فقد اختلفت جذريا عن المعروف والسائد ، فإذا كان أغلب الكتاب في الكتابة القصصية يجمعون قصصهم ثم يختارون لها عنوانا خاصا يحيل على وحدة مضمونها، فان الكاتب الريحاني ينطلق من النهاية كبداية ،أي اختيار العنوان وتيمة النصوص أولا، لتنسل النصوص بعد ذلك منسكبة متوزعة بشكل يحيل على وحدة القصص والمجموعة، وخدمتها لهدف خاص.
يقول الكاتب :إنني أكتب بالمجموعة القصصية وليس بالنصوص الفردية المتفرقة ..أفكر أولا في مبحث يتخذ شكل عنوان للمجموعة القصية، ثم تتفرع عناوين النصوص بعد ذلك ثم تتناسل النصوص داخل مبحث واحد 7
إن خلفية الكاتب في هذا *المشروع الجمالي والنظري لكتابة القصة القصيرة *8 يتحدد في السعي لتحطيم الجاهز وكسر السائد ،لذلك نجده يصرخ في القارئ قبل اقتحامه عالم النصوص أنه *لامكان للنمطية*8 ويزيد توضيحا لرؤيته قائلا *أن أغلب النصوص الباحثة عن الوحدة العضوية والحبكة المنسوجة تبدأ من نهايتها وتتقدم عكسيا بحثا عن بداياتها عبر متواليات قصصية تضمن لها ذلك التطور السلس * 9
واختتمت المجموعة بورتريه خاص للكاتب يتضمن مسار الكتابة العام .
3
إن كل كتابة كيفما كان جنسها وطبيعتها لها فلسفتها الخاصة في الحياة وعلى خلاف المجموعات القصصية المتداولة، فإن هذا الإصدار نحت لنفسه منحى خاصا ضمنه صاحبه في إطار مايسمى* الأدب الملتزم والعمل الثوري*
فهل استطاعت المجموعة ملامسة وأداء المهمة بنجاح
3-1 *دلالة العنوان
إن سؤال الهجرة يطرح نفسه عميقا في المجتمع المغربي، لكن المختلف أن العنوان صارخ وغير معهود، فالهجرة إلى أي مكان دلالة على غياب أي أمل للبقاء هنا، وأمر الهروب أضحى حتميا ولو إلى فضاء آخر مهما كان…
فلماذا ؟ ومن الذي هاجر أو سيهاجر ؟ وما الذي يدفع للهجرة إلى أي مكان ؟ وهل حدد الكاتب وجهته ناصحا غيره بالتزام نفس الطريق ؟
من خلال تأمل النصوص يمكن إدراج أسباب ذلك إلى الجو العام الذي يكتنف مجتمعنا فلقد *اسودت الدنيا وازداد سوادها قتامة * 37،كما أن *البحر يملأ الكون صخبا ولا مجال للتجول في الشوارع والطرقات *38 فماذا تبقى إذن ؟ وأين الفضاء المناسب ؟
3-2*دوافع الهجرة
أ-الجانب الصحي
يبرز الكاتب في قصة الرجل الأرنب كيف لا يتردد الأطباء في التعامل باستخفاف مع المرض والمريض، لدرجة طرد أحدهم من العيادة قبل التخلص من التخدير، بل يصل الأمر درجة النقص من رجله بكل هدوء ، وبعد احتجاج المريض الذي أصبح يتحرك مثل الأرنب – وذلك دلالة العنوان - يجد نفسه أمام مفارقات غريبة :
فمن ناحية الطبيب المحلف يبرر الأمر على أنه قدر، وأن العمليات الجراحية تكتنفها نسبة من الفشل.
ومن ناحية رفاقه الذين حاول الاستنجاد بهم لنصرته على الظلم الذي لحق به، لا يترددون في نصحه بالقبول بالأمر الواقع، بل ويعترفون بجريمته وكأن الأمر عادي جدا *فالموت بالنسبة له - للطبيب- حالة عادية والموتى الذين نجلهم هو يقضي يومه يتعثر في جثثهم *42
لكن هل كان المريض يتوقع مثل هذا الجواب ؟ طبعا لا ، فهاهو يكتشف الواقع الحقيقي المر حين سؤاله عن ذاته : هل سيخذلني أصدقائي 43 وسيأتي الجواب قاطعا بالخنوع والاستسلام بمبرر *هذا قدر الله *43 مما جعل الأمر يتحول عنده إلى تغيير للقناعات المختلفة بفعل هذه التجربة المريرة:
فمع *الأصدقاء أحسست أن العالم يتغير أمامي* لكن هل العالم هو الذي تغ*43.م الكاتب يعرف الوضعية مسبقا؟ وهل كان يجهلها خاصة أن *الأصدقاء واصلوا ابتعادهم كلما واصلت التوسل *43.
ب- شخصية الحاكم
إن أبرز ماتعانيه الشعوب العربية هو شخصية الحاكم وحبس الأنفاس من جراء ثقل الرموز الميتة /الحية ،وهكذا تحيلنا قصة فخامة الرئيس على نظرة الآخر/ الأجنبي لمجتمعاتنا والتي تتجلى في استغرابه لمفارقة غريبة وهي أن جل أسماء وشوارع المدينة تحمل أسماء شكلت نقاطا سوداء في التاريخ الإسلامي كالخلفاء الأمويون الذين كرسوا أنظمة خاصا للملك بالوراثة ، وإلا فما معنى شارع معاوية وخليفته عبد الملك بن مروان والرموز العباسية التي شكلت اشتهرت بقمعها المعروف كسيف الدولة وجعفر البرمكي .
لكن الأمر لا يتعلق بالماضي بل يتجاوزه إلى الحاضر ، وذلك مالمح له الكاتب بعنوان قصة فخامة السيد الرئيس الحبيب الحي ديما حيث أشار إلى أن الفائز بالجائزة الكبرى لفخامة الرئيس الحبيب الحي ديما ناله عن بحث معنون ب* التبرك باسم فخامة رئيس البلاد ضرورة لتنمية الاقتصاد وتوحيد وجهات العباد * .
إنها أزمة عقلية تعانيها الشعوب العربية لاسيما أن الأسماء لم تقتصر على الشوارع ، بل أصبحت عنوانا الحاضر والعائلة و..و..و…و..
لنتأمل هذا المقطع وهو حوار بين الغريب / الأجنبي الذي زار القرية وأحد أبناء القرية:
+ هل لديك إخوان ؟
- نعم
+ ماهي أسماؤهم ؟
- عبد الملك، سيف الدولة ،نظام الملك
+حتى في أحلامكم وداخل قرارة نفوسكم وفي أعماق بيوتكم ………………..
إن استنتاج الأجنبي للظاهرة صرخة قوية من الكاتب لتجاوز أزمة الوعي الشقي الذي يخترق مجتمعاتنا والذي عنوانه الرئيس: تقديس الماضي والتيمن بشخصيات الحاضر من أجل ملء فراغ خاص قد يكون ناتجا عن الخوف أو التملق أو كسب الود الهارب …فهل الأمر نفسي خاصة أن الفائز بجائزة البحث أجهش في لحظة بالبكاء ورفع يديه متضرعا لله أن يحمي الرئيس الحبيب الحي ديما من كل مكروه.
ومواصلة لنفس المسار في تقديس الرموز التاريخية نجد وصفا آخر لمدينة سمت كل شيء باسم الحجاج بن يوسف الثقفي هذا الرمز التاريخي المشهور بسفكه للدماء بل وبقصف الكعبة ..ورغم ذلك مازالت المدينة تحتفظ به كمرجعية خاصة تجدها في كل مكان فهو اسم الجمعية والندوة المنظمة لأجله بل حين يدخل الكاتب للنشاط المنظم لا يسمع سوى رحم الله الحجاج.
ترى هل هذه المدينة *لم تر وتسمع في يوم من الأيام بغير الحجاج..*
إن قصة الحجاج تنبيه خاص بطريقة ذكية لضرورة التخلص من الحجاج على اختلاف أنواعهم داخل مجتمعنا المغربي ودعوة للتخلص من عقدة الحياة على ضفاف أطلال الموتى…
ج-العمل الجمعوي
تحيلنا هذه القصة إلى عمق أزمة العمل الجماهيري وميوعة أداء ماقد يسمى تجاوزا بالمجتمع المدني واتجاهه اتجاهات خطيرة أصبح معها فاقدا لشرعية اكتسبها عبر التاريخ …وهو ماأدى بالكاتب إلى وصف النشاط المنظم والذي تناوله في القصة بالمشهد التافه، فهل أصبحت معظم أنشطتنا مشاهد تافهة بإخراج تافه .
إن تأملا خاصا للقصة يجعلنا أمام نموذج مصغر مما يحصل يوميا داخل الجمعيات
1+اسم الجمعية هو الخلود للتربية والثقافة والفنون والعلوم والتكنولوجيا والرياضة والبيئة والطفولة والعمل النسوي 31 لنلاحظ أن الجمعية تضم كل التخصصات وكل فروع المعرفة وفي كل شيء يضيع كل شيء. ………..
2+الطبخة الخاصة والتهييء الخاص للنشاط *نضع تصورا لشكل العرض ..أجلسوا الضيوف ..وأنتم لجان اليقظة…*
3+المداخلات بتقنية لجان المداخلات 31 وشكلها أشد بحرارة على يد جمعيتنا ..العرض الشيق والرصين ومضامينها العرض التاريخي …الحقيقة..رأيي المتواضع ليس هناك أبدع مما قيل
4+ طريقة قمع المتدخل الذي اخترق لجنة المداخلات فجأة
الرئيس : شكرا للمتدخل كلمتك وصلت
المتدخل : عذرا سيدي أنا لم أكمل كلمتي بعد
المتدخل : ياسيدي لا تقاطعني فضلا
أنا لا أقاطعك أنا أوقفك انتهت مداخلتك
المتدخل : أنا متمسك بحقي في إتمام كلمتي والاستفادة من نفس المدة التي تمتع بها المتدخلون قبلي
الرئيس : انزعوا الميكروفون من يده من أعطاك الحق لتقحم اسمك في اللائحة .
المتدخل : حضوري يعطيني كامل حقوقي لممارسة النقد وإسماع صوتي، ولهذا نحن جميعا هنا
الرئيس : انزعوا الميكروفون من يده 33
5+استجداء وسائل الإعلام بعدم الإشارة للتدخل المغرد خارج السرب والذي انتقد الجمعية
6+والأخطر توظيف بعض الكلمات للتمويه والتمييع الوعي.. المسؤولية.. النجاح ..الانضباط. الهدوء..
إنها قصة تحاول فعلا رصد إخراج تافه لمشاهد فاشلة تتكرر في مختلف الإطارات على اختلاف أنواعها ،بما يزكي طغيان الصوت الواحد وغياب الديمقراطية الداخلية والخارجية .
د-غياب إنسانية الإنسان 1
+من خلال العلاقات الأفقية والعمودية للمجتمع المغربي
من خلال قصة* كلاب* يطرح الكاتب إنسانية الإنسان ،هكذا وبطريقة ذكية يوظف الحيوان للإشارة لواقع خاص للإنسان. ففي الوقت الذي مات فيه أحد الكلاب من فرط التخمة كان الآخرون يتضورون جوعا ، بل وحين ابتعدت الكلبة عن ماتبقى من الخبز ..هب الآخرون ليقتاتون عليه .
إن هذا الوضع هو تشريح لما يجري في مجتمعنا بمنهجية ابن المقفع الذي تناوله في كليلة ودمنة بل يصدق على الأمر *مزابل قوم عند قوم موائد*
2+من خلال العلاقة مع الكاتب
حين يكتب الكاتب فهو يحاول إيصال رسالة أو كما عبر عن ذلك الكاتب *فرصة المساهمة في تغيير العالم *9 لكن قصة *كاتب* تبن جليا واقعا آخر يحياه الكاتب وراء الستار .
فإذا كان قد ضحى بكل ما قد يملك وأصدر كتابه فقد بدأ مرحلة غريبة وهي الصراع مع الآخر الذي لن يكون سوى كاتبا آخر أو متتبعا أو آخر……….
ومن خلال العبارات الآتية التي قد تنبئ عن تجربة ذاتية تحيل على السهام الذي يتلقاها الأديب وحيدا داخل جوانحه على أساس عدم الاهتمام بها بالمضمون و الإبداع بل وتأويله وتحليله وفق خلفيات لا أساس لها من الصحة ، بل لن تضيف للكاتب سوى الشقاء واليأس من إصدار آخر .
و يمكن أن نستشف ما قد يواجه أي مبدع من عبارات الازدراء أو التهجم الخاص من الجميع ، لنلاحظ جيدا ماذا يقال للكاتب أو كيف يستقبل إصدار الكاتب
• دخلت بورصة الثقافة
• كتابك صغير للغاية
• اخترت ثمنا غاليا
• صدور كتابك بصورتك الشخصية على غلافه الخلفي مهم جدا خاصة أننا على أبواب الانتخابات والتعريف بالمرشحين
وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل يخبرنا الكاتب بمجموعة مطالب وقرارات تحيل على “القتل الرمزي *54اتخدتها شرذمة توفق الكاتب في تحديد اسمها وهي مجموعة “فيدرالية قدماء كسالى الثانوية الوحيدة بمدرسة خاء” 54 ويمكن جرد بعض هذه المطالب التي ستناضل عليها الفيدرالية:
• القتل الرمزي
• العزل عن كل الفاعلين
• منع المتعاونين معه من توزيع كتبه
• إرغام كل من ساهم في التوزيع على سرقة المال الذي جمعه من بيع النسخ التي اؤتمن إياها
• التوسل لدى الصحف المحلية والجهوية والوطنية لعدم نشر أعماله مستقبلا
• القتل النهائي
الأمر لم يقتصر على ذلك بل تجاوزه للافتراس وسرقة البريد وأساليب أخرى
لكن الكاتب يستغرب اصطفاف الأصدقاء في نفس الصف بشكل آخر ولذلك سمى نصائحهم بأنفاس الضباع من أفواه الأصدقاء وجردها
هل تريد تغيير العالم ؟؟؟؟
الناس مرتاحون وأنت مالك ؟؟
هل أنت مستعد للتضحية بحياتك فداء بعوام يحاربونك
إن المبدع في عين الضباع حواليك هو مجرد وجبة 56
ورغم ذلك فالموقف الشجاع الذي يجب أن يتخذه المبدع وضحه الكاتب في تصديره الدال والعميق وهو مقولة سارتر حين يقول *إلاهي من أكون غير الخوف الذي يشعر به الآخرون نحوي * 53كما لمح له وسط القصة :حين يقدمك الناس للغير …إنهم في ذلك التقديم لا يقدمون إلا أنفسهم ….55
3+ من خلال العلاقة مع الأجنبي
لم يكن عبثا اختيار تصدير قصة *ياذاك الإنسان * بأغنية عبد الهادي بلخياط وأغنية الحسين السلاوي ،فالآلام أعمق لسيما مع مايحصل من استغلال للأجنبي لفتيات الدول العربية لقضاء شهواتهم، بل ونقل الأمراض الخطيرة التي تدمر المجتمع في إطار لعبة صراع الحضارات الذي توظف فيه كل الأسلحة الجلية منها والخفية والأغرب أنه يتم محاكمة الضحايا بينما يبعد الآخرون لبلدانهم .
ترى هل كان نشر القصة بمجلة ألف باء العراقية دلالة خاصة على مايعيشه العراق في هذا المجال من سبي واغتصاب على يد الجنود الأمريكيين ؟؟ خاصة أن أغنية الحسين السلاوي تنبئ أن أولئك كانوا يتبعون نفس الأساليب في بداية القرن الماضي فالأمر محسوم تاريخيا على مايبدو
4+أين المفر ؟ ومالعمل ؟
من وجهة نظر الكاتب لم يبقى له من خيار سوى الهجرة إلى أي مكان، المهم هو الهروب ولذلك
تهيمن القصة الأخيرة للمجموعة على سائر القصة من نواحي عدة
4-1+ فهي كتبت في 20صفحة أي ربع صفحات المجموعة مما يحيل لثقل خاص لها مضمونا وشكلا مقارنة بالقصص السابقة
4-2+ إنها تجمع خلاصات الكاتب والتي تتخذ من الهجرة تيمة خاصة للمجموعة التي تتنوع ومهنا وانتماءات جغرافية بل وحتى أعمارا فحتى الشيخ ينتظر دوره مع * جحافل المنتظرين لصفارة الإنطلاق لعبور البحر نحو الضفة الأخرى *57 ولكل *ظروف وأسباب الهجرة وأسباب إقدامه على الهجرة *67.
4-3+إن الاستهلال يحمل معاني كثيرة للمتلقي فهو لشخص هاجر عالمنا وهو كئيب وألف كتابا حول الهجرة سماه الرحيل بعد أن كان اسم أبيه وجده رحال إنه الكاتب العربي باطما الذي كان يدرك جيدا أنه راحل طوال فترة كتابة كتابه ……
فمالذي يدفع إذن إلى الهجرة ؟ تصرخ قصة موسم الهجرة إلى أي مكان قوية قائلة بغياب معنى للحياة ولا شيء في الوضع الحالي سوى ذلك ،إنه سر السؤال الذي يطرحه الكاتب على نفسه وعلى الآخرين*ألا زلت تقرأ وأنت على حافة الهجرة والموت *57 وهذا السؤال القوي دليل على أن الهجرة لن تكون أحسن حالا من الوضع الحالي فهي ستقود إلى الموت فقط ماديا أو معنويا .
ومن خلال جرد الضحايا لواقعهم الخاص يسرد علينا الكاتب مجموعة دوافع قوية للهجرة على لسانهم، لنلاحظ كيف يعبر كل مرشح للهجرة عن آلامه الخاصة التي تدفعه للهجرة نحو أي مكان ، وكل واحد يتحدث فرديا ونيابة عن فئة معينة في المجتمع ،وللتذكير فالفئات تشمل كل شرائح المجتمع :المرأة،الطفل ،الكاتب ،الفنان ، السياسي ، المفكر ، العالم ، الطالب ، المقاول …..
1. إن الوطن “تمثيل في تمثيل..وأنا في حاجة إلى العيش ولو لليلة بعيدا عن هذه الخشبة الكبيرة ” 58 ترى من المخرج ؟ومن المنتج ؟وهل تحترم أبجديات التمثيل؟ أم أن الأمر للتمثيل فقط بعيدا عن رسالة الفن ؟ وماهو دور الكاتب؟ هل هو متفرج عادي؟ أم متلقي ناقد ؟ أم كومبارس مثله مثل الآخرين ؟ لذلك مل من الدور السلبي ويريد الهروب إلى ساحات أفضل وأفسح ……….
2. إن الوطن أصبح بمثابة منفى وأقسى درجات المنفى في أن تعيش ” منفيا بين والديك وزوجتك وأبنائك..أن تعيش منفى الوطن بين أناس..لا يرون في وجودك جدوى”58
3. “فكرت طويلا في الأمر الإهانة هي كل مايو جد هنا..”59 لكن كيف ؟ وماذا هناك ؟ يجيب الكاتب في الصفحة 67 أنه *حيثما وجدت الكرامة والشرف والحق والعزة …فثمة الوطن *
4. هنا الجميع “يخلدون الوهم ويقدسونه…لا أحد ينظر إلى الأفق” 59 فهل المثقفون يدخلون ضمن هذا الإطار؟؟ أم هم الذين يسوقون الأمر ويشرعونه ؟
5. “لو توفرت فيك كل الشروط وكل القوى وكل المواهب لوجدت نفسك تسابق أراذل القوم لتمد يدك ولسانك وأعضاءك الآخرون توسلا لمن احتكر كل شيء كي يستمتع بهذا المنظر منظر زحف جحافل المتسولين نحو يده العليا إلى الأبد خير من اليد السفلى”
6. “لا صوت يعلو فوق صوت المنبطح”61
7. هنا”الجفاف والقروض والحياة دوما دون كهرباء أو ماء أو كهرباء بعيدا عن المشفى والصيدلة والحمام والمدرسة…والسوق”61
8. هنا”الناس بلا إرادة”
9. هنا”يسمون العمل المافيوي عملا سياسيا والعصابة حزبا والعراب أمينا عاما والاختطاف استقطابا والرهائن مناضلين ولا حق للرهائن في الحرية الفردية”62
10. هنا”كل شيء غال ماعدا حبال الشنق والأحزمة الناسفة وحقن السم ..كل شيء غال الفواكه واللحم والكتب والسكن”
11. هنا”ثقافة التحريم ..كل الناس تتسابق على تحريم هذا أو تحريم ذلك ..الجميع يحرم ومن لم يحرم شيئا فهو لازال يؤسس بصياغة مقبولة لتحريم شيء لن يخطر على البال”63
12. هنا الإنسان ينظر إليه كمجرد سلة أعضاء بشرية ومجرد قطع غيار 64
إنها مشاهد مفزعة تتكرر مع كل لحظة يومية ببلدنا لتحس الإنسان بلا إنسانيته وتدفعه للفرار بكل الطرق المسموحة والممنوعة إلى عوالم أخرى، عوالم حسمها الكاتب في آهات الفئات السابقة التي تعبر بها عن الآفاق التي ستهاجر نحوها …….
لذلك فالكاتب يصيح “هنا لا مكان لأمثالي ..لذلك لا مناص من الرحيل 59
أنا اخترت الهجرة الى المحيط الجديد
اطلب النجاة بجلدي ..أطلب الرحيل الكبير
اشهد اللهم أني قد قلت وتطهرت قبل أن أرحل وأغيب 62
أبحث عن دفء إنساني ينبعث من دفء 63
أنا هارب بأعضائي 64
أنا مهاجر بحثا عن وطني ضالتي
……………………………………
………………………….
إن هذه القصة تخترق كينونة الانسان الداخلية لتمنح الجراح اشجانا عميقة تحمل دلالات خاصة عميقة .
ترى هل الأمر يتعلق بالهجرة أم يتجاوزه إلى التهجير ؟
هل هي خلاصات الكاتب الخاصة ؟ وهل وصل الكاتب درجة النيابة عن الكتاب في القول صادحا
لمن أكتب ؟ ثم لماذا نكتب ؟وأي قيمة للحرية في مجتمع يحكمه الخوف من الفتنة ؟وأين سأضع كتبي .؟
لذلك لا حل له-نا- سوى الهجرة لتنفس هواء القيم النبيلة والثقافات المتعددة والتاريخ غير المخصي وأتصالح مع ذاتي وجذوري وأكمل ديني /حريتي 65
لكنه رغم ذلك وبطعم المتفائل يؤكد أن الهجرة لم ولن تكون حلا، فهي قد تكون أحلام غضب ،لاسيما أنه يخبرنا باكتشاف الواقع بطعم آخر * لم يكن الواقع بهذا الوضوح في يوم من الأيام ، لم تكن حياتنا مفضوحة بهذه الدرجة لأننا لم نكن حميمين في تحايانا ، ولا في كلامنا ،ولا في خصامنا ، ولا في صداقتنا ،ولا في جلوسنا….* 68 ، بل إن حصلت فهي بالتأكيد مرحلة مؤقتة وعابرة خاصة أن الرجوع قد حسم لكن اشترط ب *أن تصبح الشجاعة صفة وجودنا …والحرية نظام تفكيرنا ..والكرامة غاية كينونتنا * ومما يزيد من تأكيد أن الهجرة لن تكون نهائية تأثره الكبير من صوت الشجر والحجر يصيحون أمام الجميع :
أتذهبون حقا وتتركوننا لوحدنا ؟ هل هذا النوع من الهجرة قادر على تطهيركم فعلا ؟ …الهجرة هي عقوبة إضافية لمعاناتكم التاريخية ، والهجرة لن تتحقق إلا بهجرة سلبياتكم 69
لذلك يحسم الكاتب قراره بالعودة قوية على لسان أفنية فيروز المشهورة التي أنهى بها القصة:
سترجع يوما إلى حينا ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات مابيننا
فياقلب مهلا ولا ترتمي على درب عودتنا مونا
يعز علينا غدا أن تعود رفوف الطيور ونحن هنا
5
على سبيل الختام
لقد استطاع الكاتب نقش جدار آخر يخترق مجتمعنا سعيا لتفتيته ، كما حرك بعض البرك الآسنة التي مازال الحديث عنها لم يكتسي صبغة علمية /اجتماعية ،أو أصبح عنها الحديث موضة عابرة ، وبذلك فهو يحاول أن يطبق المقولة التي استقاها من كريستوفر مورليه في الصفحة 37 *حين تهدي أحد كتابا ،فإنك لا تهديه فقط ورقا ومدادا وغراء .إنك تهديه إمكانية عيش حياة جديدة *
إن المبدع محمد سعيد الريحاني حين يهدي لنا المجموعة القصصية *موسم الهجرة إلى أي مكان* فهو يهدي لنا فعلا مستقبل حياة جديدة مليئة بالآمال الواسعة والأحلام الجيدة إلى أفق أفضل ومغاير من الحياة الرتيبة التي نحياها بانتظام ممل .