الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

السبت 21/6/ 2008

 

أم فاطمة وسيدة بيت السوامرة والمرأة الشكّاءة البكّاءة
وسيدات أخريات. في رواية "لعبة الشيخ"
للكاتب العراقي: جاسم الولائي

محمد موسى التكمجي - باريس


جاسم الولائي بعدسة محمد الكحط

كيف نريد للمرأة أن تكون، وأي دور تلعبه داخل مجتمعها في رواية لكاتب عراقي خرج من بلده وهو في السابعة والعشرين من عمره وقضى مثلها من السنوات خارج بلاده في أكثر من بلد، منها أكثر من عشر سنوات في دمشق، المدينة المفضلة لدى المهاجرين والمهجّرين العراقيين لكونها الأقرب إلى قلوبهم ومن بلادهم؟ هذا ما قاله جاسم الولائي في يوم ما. وحين تشجع الصحفي وسأله عن أجمل مكان يراه في دمشق. أجاب: "أن ثمة ساحة ترابية ملوثة بزيوت السيارات وبرك الماء، قريبة من ضريح السيدة زينب، يمكن للمرء أن يرى هناك بعضاً من الباعة المتجولين وبعض النساء والرجال يستوقفونه ليبصّروا له ويقرءوا ما يخبئه المستقبل. ربما يصادف المرء حظه، حين يرى لحظة وجوده هناك حافلة ركاب يصرخ أحدهم عندها منادياً المسافرين إلى بغداد، أن يهيئوا أنفسهم وحقائبهم للسفر. أو ربما يرى مشهد استقبال أو توديع عراقي- عراقي. هذه الساحة الترابية تشعرني بأنني أقف على مدرج هائل، تستعد كل روحي منه للانطلاق إلى العراق. وصلة من الأرض كما نقول نحن العراقيين يتجمع الحنين عليها. تشرع المحركات بالعمل تئِزّ ثم تدوي، تصرخ ثم تنطلق، ليشعر المرء بالغياب لحظات ثم يصحو ليجد نفسه في مكانه."
وقتها كان جرح كاتبنا طرياً ولم يكن قد مضى على فراقه أهله سوى عامين. في العام التالي كان حاضراً مشهدي مواراة أمه وأبيه في مقبرة السيدة زينب قريباً من تلك الساحة الترابية. الآن صار لقلبه حبان تحت هذه الأرض أجمل امرأة في حياته وأول معلم له. صار يحب حمص وعيون الأطفال والفتيات في ساحل طرطوس، روايات حنا مينا وقصائد فايز خضور، موسيقى صفوان بهلوان وصوت ميادة، فن أسعد فضة ويوسف حنا ومنى واصف، لوحات نذير نبعة ونادي الكرامة والمكتبة الظاهرية.
ليس هذا فقط ما نعرفه عن السيرة الذاتية للكاتب العراقي جاسم الولائي. فمن خلال أصدقائه في دمشق عرفنا أنه طوال وجوده في سوريا لم يكن بعيداً عن الشأن العراقي. كان متابعاً يومياً لكل ما كان يجري في العراق وقد أتاح له ذلك عمله في أكثر من مؤسسة إعلامية مهمة. أتاح له أن يكون قريباً من الخبر وكل حدث يجري هناك ساعة بساعة، كذلك كانت أبواب الصحف والإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الثقافية مفتوحة أمامه ليكتب وينشر فيها ما يراه في شؤون بلاده أو أي شأن آخر. وهناك أيضاً طبع ونشر مجموعته الشعرية الأولى "لنفتش عن شمس للفقراء"، بدعم من الاتحاد العام للكتاب العرب عام 1986.
بعض هذه السيرة الذاتية لكاتب رواية لعبة الشيخ تجيبنا عن سؤالنا حول قدرة كاتب عاش نصف حياته في غربة قسرية في الكتابة عن بلده وعن المرأة بالذات التي كانت ومازالت أول ضحايا ما جرى في السابق ويجري الآن.

الخيزران العباسية
"أم فاطمة التي دخلت شارع خضير أبو الثلج مع زوجها البهي جاسم العزاوي باكيان خائفان ومعهما ابنتهما الصغيرة فاطمة، كان قلبها بمنتهى الصفاء والبراءة، لكنه طافح بالألم والقهر. وهذا هو سر غضبها المنفلت السريع وشراستها. لا أدري لماذا تذكرني هذه المرأة الآن بالملكة العباسية الخيزران؟ التي خطفها مغامر بدوي من اليمن أو بلاد البربر وجاء بها إلى بغداد وباعها إلى الخليفة أبي جعفر المنصور، فعشقها ولده المهدي وتزوجها فأنجبت له ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد. والخيزران هي من أشرس ملكات وادي الرافدين وأشدهن قسوة. أم فاطمة أيضاً تنحدر من جد مخطوف جيء به إلى مكة وبيع إلى الحجيج من أبناء عزة في ديالى، فتزوجت حفيدته من ابن أحد شيوخ العشيرة بعد قصة حب شهيرة، فكان عقاب جاسم العزاوي الطرد من العشيرة مع زوجته وابنته بملابسهم دون درهم أو كسرة خبز. جاءت العائلة الصغيرة إلى بغداد واستأجرت غرفة في بيت من بيوت التاجر محسن العاني وعاشت العائلة فترة في رعاية السيدة نعيمة العاني زوجة التاجر التي كانت بمثابة الأم الحنون لهذه العائلة الصغيرة. والغريب أيضاً أن وصف المؤرخين للخيزران العباسية يعطي العديد من ملامح أم فاطمة وطباعها، والأغرب من هذا كله أن أهالي شارع خضير أبو الثلج كانوا يصفون أم فاطمة بالخيزرانة لأنها أدبت من أول يوم دخلت فيه الشارع الحرمة زوجة الحكومة وبطحتها في نزال مشهود."

هذا الجزء من أحد فصول رواية لعبة الشيخ يعطينا أربعة نماذج للمرأة العراقية في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي وهي فترة طفولة وشباب الكاتب وهي فترة استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي في العراق، يمكن اعتبارها واحدة من واحات الترف القليلة التي عاشها العراق مقارنة بأحوال العقود الثلاثة الأخيرة وكانت عبارة عن سلسلة متوالية من الحروب والكوارث والأزمات التي لم تنته بعد. في تلك الفترة كان كل شيء يعيش مرحلة نمو وبناء، بما في ذلك الشخصية العراقية الحديثة. وكانت المرأة أكثر حرية وتطوراً وإبداعاً وتلعب دوراً أهم وأكبر مما هي الحال اليوم. ولدراسة هذه النماذج النسائية الأربعة في هذا الجزء بالذات، حيث هناك نماذج أخرى في فصول الرواية الأخرى، نجد أنها نماذج مختلفة يضع الكاتب للغريبة منها أساساً تاريخياً حين يربط شخصية أم فاطمة وأصولها بالملكة العباسية الخيزران وهي الشخصية التي ستلعب دوراً كبيراً في تطور الرواية ثم تختفي بإشارة صغيرة من الكاتب، فيما يترك النماذج الطبيعية الأخرى باعتبارها النموذج الطبيعي الشائع في العراق.

امرأة المروءة
من هذه النماذج الشائعة السيدة نعيمة العاني. يصورها الكاتب بأنها امرأة تفيض بالمروءة والخير على أسرتها وخارج هذه الأسرة. سيدة بكل معاني هذه الكلمة. أم مستقرة في بيتها، زوجة لتاجر على درجة من الغنى. تلعب هذه المرأة دورها الأول في استقبال أسرة أم فاطمة واحتضانها وإسكانها في أحد بيوت العاني الملاصق لبيتها لتكون هذه الأسرة تحت نظرها وفي رعايتها. هذا التصرف يظهر قوة شخصية هذه السيدة وأنها امرأة صاحبة قرار وموضع احترام زوجها وأسرتها. تختفي هذه السيدة ليظهر بعدها الزوج محسن العاني والابن الأكبر هاشم ليلعبا دوراً كبيرا في رواية جاسم الولائي ولعبة شيخه ذي الجرار. حيث يظهر الرجلان كشخصيتين قويتين كريمتين، يلعبان دوراً كبيراً في حل مشاكل سكان شارع خضير أبو الثلج. تختبئ شخصية هاشم خلف والده، لكنه عند الضرورة يظهر كرجل قوي ويمنع جريمة كادت تودي بحياة طفل هو أحد الأحفاد المزعومين لشيخ الهيبة ذي الجرار، في لحظة كان الشرطي صويلح والد الطفل في أشد حالات هوجه وجنونه. إذن لعب هذه الابن البكر للسيدة نعيمة العاني دور الحكمة بين رجال كبار في سن والده وبوجود هذا الوالد في لحظة حاسمة. ثمة سيدة أخرى مشابهة للسيدة نعيمة هي السيدة مراتب ربة بيت السوامرة في الشارع، لكنها لا تظهر لقوة شخصية زوجها شاكر السامرائي، الحاج الذي حمل الراوية حقائب حجه الميمون من رأس الشارع حتى بيته في وسط الشارع الذي سمي بشارع ذي الجرار فيما بعد. ثم العلوية سليمة زوجة السيد يحيى الكعبي. وهي سيدة مقتنعة تماماً بالحياة ككل ويعجبها كل ما في الشارع، لا تأنف من أحد ولا تنتقد أحداً وابتسامة الرضا دائمة على شفتيها، حتى لو مازحت أحد صبيان الشارع وشتمته، فهي تفعل ذلك بأمومة وحب.
الشخصية النسائية الثانية والتي ستلعب دوراً كبيراً في أحداث الرواية حتى فترة طويلة هي "الحرمة زوجة الحكومة" باعتبارها زوجة الشرطي صويلح الابن الرسمي للحكومة وحامل لواء أمنها واستقرارها. الشرطي الذي يخافه الجميع ومن يقطع زراً من أزرار بدلته الرسمية الخضراء يحبس ستة شهور دون تحقيق. لا تحمل هذه المرأة ولاء إلا لزوجها والجهة التي تمنحه راتبه الشهري. لا نجد اسماً لهذه المرأة في الرواية سوى بعض الصفات التي أطلقها الآخرون عليها. هي نموذج سيء للمرأة الجاهلة المتغطرسة التي تستفز الآخرين وتبدي احتقاراً لمن تعتبرهم أضعف منها. تتحرش بعباراتها البذيئة بنساء الشارع وبناتهن، حتى جاءت أم فاطمة وعلمتها الأدب. تعتبر الحرمة زوجة الحكومة النساء الأخريات أقل شأناً منها لذلك احتجبت في بيتها ومنعت ابنها من الاختلاط بأبناء النساء الشعبيات في الشارع، وحصرت علاقاتها بزوجات زملاء زوجها باعتبارهن من حريم الحكومة المتغطرسات. الحكومة التي يخضع أمامها الجميع صاغرين، والتي يمثلها الزوج بنطاقه وبدلته الخضراء وهراوته ومسدسه.
الشخصية القوية الأخرى التي تمثل الند الموضوعي للحرمة زوجة الحكومة هي أم فاطمة التي يحترمها ويخشى غضبها الجميع. هي امرأة مقهورة رغم حب زوجها وأسرتها الواضح لها، الزوج هو العم البهي جاسم العزاوي سائق الشاحنة التجارية الذي يسافر بها إلى سوريا ولبنان كما تصفه الرواية. لكن الفقر والطرد من العشيرة وترمل ابنتها الوحيدة فاطمة وهي في عنفوان شبابها وفزعها على حفيديها الجميلين جعل غضبها أقرب منها إلى حلمها، فهي تغضب بصورة مرعبة وكأنها قطعة من الكبريت، تنفجر وتدمر كل شيء لحظة غضبها، لذلك يفر الناس من أمامها لحظة غضبها الذي من النادر أن يدوم ساعة كاملة. بعد ذلك يمكن لابتسامة أحد أطفال الشارع أو تحية منه أن تعيدها إلى حالها الأول. ثمة طفل واحد تتحدث عنه الرواية يستطيع إخماد غضب أم فاطمة في لحظته ويعيد لها سعادتها وابتسامتها العزاوية الهادئة، أطلقت عليه نساء الشارع لقب "الماء البارد". أم فاطمة هي الوحيدة التي قطعت دابر الحرمة زوجة الحكومة بشرها وغطرستها وبذاءة لسانها.
ثمة شخصية ثالثة تظهر في المشهد هي شخصية فاطمة ابنة العم البهي جاسم العزاوي تصفها الرواية بالقول:

" كانت فاطمة بنت جاسم العزاوي أجمل فتيات الشارع لأنها ورثت أجمل ما في أبويها من ملامح وطباع، كانت سمراء بعينين زرقاوين وبناء جسدي رائع، وكان أجمل ما فيها هدوؤها وحديثها الهامس كالنسيم. في سن السادسة عشر تزوجت فاطمة، وعادت وهي في سن الثامنة عشر إلى بيت أبيها أرملة تحمل طفلاً بين يديها وتنتظر طفلاً آخر. مما زاد من مواجع ومعاناة أم فاطمة وأبيها.
كانت فاطمة هادئة في ردها، وكان صوتها أشبه بالهمس حياء من أن يسمعها الناس وتأدباً عزاوياً كما كانت المرحومة أمي تصفها. هذا الأدب العزاوي شجع حرمة الحكومة وأطمعها أكثر."

ثمة امرأة مهمة أخرى لم ترشدنا الرواية إلى بيت لها أو زوج ولا لأولاد أو بنات، ولا نجد لها اسماً أو اسم عائلة أو كنية، ولم يخرجها جاسم الولائي من مداخل أحد الدور البغدادية أو يُظهرها مطلة من نافذة أو سطح إلى الشارع، بل أسفر عنها فجأة وكأنها مصيبة ولدت في الشارع. وهي كما تصفها الرواية "المرأة اللوّامة الشكاءة البكّاءة صبّاغة البيض التي رزلتنا عند المقهى وطالبتنا بالرقص للسيد الرئيس. هذه النموذج لنساء لعبة الشيخ هو أخطر النماذج النسائية كونه نموذجاً مصنّعاً يسعى مثل أية مؤسسة مصنّعة أخرى إلى هدف واحد هو الدعاية وتسويق ما هو كاسد لدى الناس. هذه المرأة حين شكت وبكت وبدأت توجه سيلها الموجع إلى رجال يجلسون في مقهى شعبي يتفرجون على لقاء تلفزيوني كانت في حقيقة الأمر تبيع بضاعة وتراقب تأثير بضاعة أخرى كانت قد سوقتها في الماضي. هذه المرأة بتقدم أحداث الرواية تلعب دوراً أخر تماماً بعد الاحتلال حيث تبدأ بجمع البضاعة التي كانت قد سوقتها في المرحلة الماضية، باعتبار أن المدرسة الجديدة تحتاج في مراحلها الأولى إلى خبرة بعض أساتذة المدرسة القديمة وتحتاج أيضاً إلى تفكيكها واستخدام بعض تروسها القديمة. في كلا الدورين تحصل هذه المرأة على مكافأتها المجزية. وفي كل الظروف والأحوال تجد أن وظيفتها تنتظرها وثمة من يحتاج إلى خدماتها، لأنها عملة نادرة لمخدومها وليست كل النساء على استعداد للقيام بمهامهن الوظيفية أمام مقهى شعبي. في النهاية يعيد أحد الباحثين في الأنساب والأصول أصول هذه المرأة إلى امرأة عاشت في بغداد قبل أكثر من مائتي سنة، اسمها امرأة النفير. كانت تخرج بإشارة من الشيخ ذي الجرار إلى الناس منكوشة الشعر وعباءتها فوق كتفيها، تجري كالمجنونة تحذرهم من أن وباء أو عدواناً أو فيضاناً في طريقه لاجتياح بغداد. لم يحفل الناس بها ولا اهتم أحد بأمرها فعاقبهم الشيخ هيبة الدين أحمد بن النعيم ذو الجرار لغفلتهم. إذن فكل ما هو مصنوع وغريب على المجتمع يحتاج إلى أصل ليكتسب شرعيته، لذلك اهتم باحثو الشيخ في إيجاد أصل لشخصيات مثل حرمة الحكومة والمرأة البكّاءة صبّاغة البيض. ولم يحفل بسيدات مثل زوجة التاجر وزوجة السيد يحيى وسيدة بيت السوامرة لأنهن نموذج طبيعي وأصيل موجود في الواقع العراقي ولا يحتاج لعناء البحث.

النموذج النسائي
لا يكتفي الكاتب بالاعتماد على النموذج النسائي العراقي الأصيل أو المصنّع لتسيير أحداث روايته لعبة الشيخ، بل يلجأ إلى قبيلة من النساء القفقاسيات التي تزوج عميد أسرة الرجال الخرس وجدهم الأكبر فياض الأخرس واحدة منهن لتقوية نسله فكانت الطامة الكبرى، لكنها كانت مناسبة خير بالنسبة لهذه الأسرة بلقاء جدها الأخرس بالشيخ هيبة الدين وتعيين الأخير له حاملاً لجرته المباركة. يورد الكاتب حكاية عن ثرثرة القفقاسيين وطول ألسنة نساءهم ليبرر رحلة فياض الأخرس ومغامرته لمصاهرة قوم وهبهم الله نصف ألسنة البشرية.
يقول الماء البارد، حامل حقائب الحاج شاكر السامرائي، الذائق جده حلاوة ماء جرة الشيخ هيبة الدين ذي الجرار في رسالته إلى الحفيد اللواء الركن سعدون صلاح الدين ذي الجرار:

"شد رحاله وسافر إلى تلك البلاد وتزوج امرأة منها أملاً في تحسين نسل الأسرة وإنجاب أجيال جديدة قويمة اللسان. فأنجب ولداً ليته ما أنجبه. لم يكن الولد يستطيع نطق أكثر من خمسة حروف. نحن نعرف يا سيدي أن الألثغ يمكن أن يقلب الراء غيناً أو يجعل الثاء سيناً، لكن أن ينطق الجيم طاء، فهذا ما لم يحدث إلا في أسرتنا.
أدرك جدي أنه قد زاد في زواجه من تخلف أسرته، وأدرك القفقاسيون بأن خطراً سيحيق بجنسهم القوي لو استمروا في تزويج بناتهم بغرباء من نمرة جدي. طلقوا جدي من زوجته وطردوه من القرية شر طردة بعد أن ضربوه وأهانوه. أشد ما جرح كبرياءه وترك ندبة عميقة في جبينه هو ضربة وجهتها له زوجته، لا أقول بأي سلاح ضربته حفاظاً على سمعة رجال العائلة الخرس، والله ستّار يحب الستّارين.
إن رجال أسرتنا الخرساء تجمعهم بالرجال الجراريين صفة مشتركة هي وجود ندوب وآثار جراح قديمة في رؤوسهم ووجوههم وجباههم، لكن الخلاف هو أن مصدر ندوبنا نحن وندوبكم أنتم ليس واحداً، أنتم حصلتم على ندوبكم في جهادكم التاريخي في سبيل الله والدين والوطن، أما نحن فندوبنا التاريخية مصدرها ضربات أنثوية بأسلحة أنثوية."

هذه الرسالة كتبها الماء البارد إلى الحفيد الجراري بعد الاحتلال، وبعد أن فقد الشيخ هيبته واختفى حفيده خوفاً من نقمة الناس وبعض المريدين السابقين الذين تغير ولاءهم القديم للشيخ بولاء جديد، في محاولة منه إعادة تأهيل الشيخ ذي الجرار وجمع أكبر قدر من المريدين الجدد له. فقد وضع جده الأكبر فياض الأخرس الذي رحل منذ زمن بعيد تحت تصرف الحفيد مشترطاً أن يكون حاملاً لجرة جده المباركة.
ولا أحد يدري من أين سيختار جاسم الولائي نساء بديلات للشيخ بعد التعديل والتأهيل وإعادة التسويق في زمن الاحتلال. ربما سيوفر الاحتلال للحفيد وأتباعه الجدد نساء مدربات من جنسيات قوات التحالف؟
وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.


جريدة الزمان- السنة العاشرة. العدد 2945 الثلاثاء 18 آذار 2008.



 

free web counter