الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأحد 21/10/ 2007



ملف خاص بالذكرى العشرين لرحيل المناضل جمعة كنجي
(3)

جمعة كنجي

  • مواليد 1933 الموصل ، بعشيقة/بحزاني

  • انهى الدراسة الاعدادية – القسم الادبي – سنة 1953

  • خريج الدورة التربوية سنة 1954، عين معلما ً في مدارس سنجار والشيخان والموصل .

  • التحق بصفوف الانصار عام 1963 ، بعد فصله من التعليم .

  • بدأ الكتابة في الصحافة العراقية عام 1952، حيث نشر العديد من المقالات في جريدة (فتى الموصل) وبعدها في أتحاد الشعب وطريق الشعب والفكر الجديد وشمس كردستان .

  • كان له اهتمام بالتراث ونشر العديد من المواضيع في مجلة التراث الشعبي .

  • كتب القصة القصيرة ، وله عدة مجاميع غير منشورة .

  • نشر قصص للأطفال من خلال دار ثقافة الطفل عام 1985.

  • نشرت له مجموعة قصصية في سوريا بعنوان ذلك المسافر عام 1966 عن دار بترا للطباعة والنشر.

  • له مخطوطة غير منشورة عن الديانة الأيزيدية .

  • اعتقل بسبب نشاطه السياسي لأكثر من مرة في عهود مختلفة .وتعرضت عائلته للأبادة بعد اعتقالها في آب 1988، ومن ضمنها زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته وشقيقته واولاد شقيقه (ابو عمشه) ووالدتهم .
    ولحد اليوم لم يعثر عليهم رغم سقوط النظام وإكتشاف المئات من القبور الجماعية .

  • منع من النشر وتعرض لأستدعاءات متكررة من قبل جهاز الأمن ، تعرض إلى سكته قلبية قاتلة يوم 18/10/1986 بعد خروجه من مبنى مديرية أمن نينوى مباشرة .
     

الثقافة الكردية الأيزيدية
جمعة كنجي المسافر الذي رحل دون كلمات

زهير كاظم عبود

المجموعة القصصية التي كتبها القاص الكردي الأيزيدي الراحل ( جمعة كنجي ) تعبير حقيقي عن ذاكرة الأنسان المنفي داخل الوطن ، فقد تضمنت مجموعته القصصية أحاسيس دافئة وأحلاماً متواضعة ، وحكايات بسيطة بساطة المجتمع الذي كان يعيشه ، وربما كان جمعة كنجي يوزع روحه بين شخوص ومحاور القصص القصيرة التي ضمتها المجموعة الأخيرة التي تؤكد رحيله المبكر ممتلئاً بفواجع الوطن وعذابات العائلة والقرارات التي لاحقته في أيامه المليئة بالمرارة والعذاب والأحزان والمآسي ، ابتداءً من منعه نشر كتاباته الى فصله من وظيفته لأسباب سياسية وحرمانه من مصدر رزقه حتى محاربته نفسياً ومطاردته مقاتلاً متسلحاً بالعقيدة والبندقية ، ربما تشير هذه المجموعة القصصية إلى رحيله فعلاً حيث أختار الناشر قصته الأخيرة من بين مجموعة القصص (( ذلك المسافر )) فأختارها عنواناً للكتاب ليدلل بشكل أكيد على سفره الأبدي عن نهاراتنا المتعبة .
وداخل جميع القصص التي ضمتها المجموعة تقرأ وتشعر بعذابات الإنسان في الحياة الاعتيادية من خلال القهر الطبقي والاجتماعي يصورها القاص جمعة كنجي بأسلوب سلس وبارع ، ينتقي مفرداته من بين أيامنا وأرواحنا داخل القرية أو المدينة ، أو فوق ثلوج كردستان وحتى خلال المعارك الطاحنة بين قوات البيشمركة الكردية وبين قوات الجيش النظامي ، ففي قصة دائرة البيطرة والاحتجاج تشعر بلذة ذكريات الطفولة ومرابع الصبا وأوراق العمر التي تعرض لها قلم جمعة كنجي بدقة وتفاصيل دقيقة وبارعة تدلل على براعته في نقل الواقع واختزال الكلام من أجل إيصال المعنى العميق والمحور العام للقصص ، ومن كوخ على نهر الكومل المنساب شرق مدينة الموصل بدأ يصعد باتجاه القمم الشامخة لجبال كردستان حيث النقاء والثلوج والخلاص وصـــوت الرصاص الذي يتردد في فضاء المساحات القابعة بين الجبال والتمرد على الظلم والاضطهاد وقسوة السلطة ، وعناد المقاتل الذي لا يملك غير روحه يقاتل بها ، ويدس بين حكايات قصصه حكاية المقامة التي أنتزعها من التراث ، والحكايات الشعبية ليقوم بتوظيفها لصالح القصد القصصي ، وفي قصة القرية المهجورة ومعركة خاسرة أخرى اللتين تختلفان عن مسار القصص التي ضمتها المجموعة لكونهما كتبتا في العام 1969 تجد نمطاً من الحكايات التي تتضمن الكلمات الكردية ( بوخاترة خدا و علي آغا وغيرها من الكلمات الكردية التي احتوتها النصوص ……) ويحاول أن يبرز ظاهرة الانسحاق الطبقي وضياع الناس تحت سطوة الأغنياء ، و في قصة القلعة القديمة يقتبس أساسها من الرموز الدينية والأسطورة الشعبية المتداولة في المدن التي يسكنها الأيزيدية ويدخل فيها بلباقة وخفة أساطير دينية وأسماء أولياء ومزارات دينية للأيزيدية ، إضافة إلى تطرقه إلى الطوافة ، وهي احتفال ديني شعبي يقوم الأيزيدية خلاله بالرقص بالقرب من مزاراتهم المقدسة في كل المدن التي يسكنونها في أعيادهم ومناسباتهم الدينية ، ويتحول الطقس إلى مشروع فرح وتلاق بين الناس ، وثمة إشارات إلى معارك وطنية مثل معركة الكرامة التي كتبها بعد اندلاع معركة الكرامة وبروز ظاهرة العمل الفدائي المسلح ، وفي كل هذه القصص ثمة إشارات إلى بداية يانعة تدل على الإصرار والمثابرة لإيصال الصورة القصصية واضحة وبسيطة للقارئ ، ومن خلال تصفح ومطالعة القصص تشعر أن الهاجس الوطني يطغي على روح القاص كنجي وقد عبر عن أفكاره السياسية داخل النصوص وحقق بذلك منحنين هامين في مجال القصة القصيرة ، الأول إنه تمكن من إيصال الفكرة بأقصر الطرق إلى عقل القارئ ، والثاني إنه أختزل أفكاره على شكل قالب من الكلمات الجميلة والتي تضمنتها النصوص فنجح في كلا الحالتين ، لكن الكاتب ( جمعة كنجي ) كتب روحه ضمن القصة الأخيرة التي ضمتها المجموعة من خلال قصة ( ذلك المسافر !! ) وهي التي أختارها الناشر لتكون عنوان الكتاب ، ودليل واضح إلى الرحيل المبكر والعمر الحزين والمليء بالمتاعب للأديب و الكاتب جمعة كنجي المولود في ناحية بعشيقة 1933 وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم أكمل الدورة التربوية عام 1954 وعين معلماً في مدارس سنجار والشيخان والموصل ، وكان خلال فتره عمله استطاع أن يعكس قدرته الثقافية وموهبته التي لازمته طيلة حياته الثقافية والتي برزت بشكل واضح خلال كتابته قصص للأطفال أو الكتابات التي كانت تنشرها له الصحافة العراقية ( فتى الموصل واتحاد الشعب والفكر الجديد وطريق الشعب ) ، وتعرض بعدها للفصل والتشرد والالتحاق بالثورة الكردية المسلحة وتحملت عائلته حالها حال آلاف العوائل الكردية المآسي والعذاب والاعتقال والاضطهاد وبعد هذا وفي العام 1986 سكت قلم الكاتب جمعة كنجي عن الكتابة وتوقف القلب عن رحلة الألم والمكابدات الإنسانية لتتوقف رحلته دون أن يشاهد مجموعته القصصية موضوع مادتنا وهي تنشر وتطبع وتتداول بين أيدي محبي قصصه وحكاياته ، وبادرت دار بترا للطباعة والنشر في دمشق لتقوم بطبعها عام 1996 .
وبقيت قصص جمعة كنجي ليس فقط في الذاكرة وإنما علامة من علامات الوجع الإنساني الذي يغفو على تفاصيله إنسان العراق ، ومكابدات إنسانية واقعية وصريحة وربما تنقل بعض الذكريات عن عذابات البوح والشكوى التي امتلأت بها روح كنجي ففاضت بها قصصاً لم تكتمل فصولها ولا تكحلت بها عيونه ليشاهدها مرسومة على الورق ، فكانت جزء من ذاكرة العراق التي أكلها الألم والحزن والسفر ، و شكلت جزءاً من سفر عذابات الأيزيدية الذين تحملوا من العذاب الإنساني ما لا تطيقه الجبال مع بقائهم على نقائهم وطيبتهم وكرمهم الفطري ، لاعتقاد وإيمان القاص كنجي أن الروح تبقى هائمة بعد الموت ، يقينا أن روحه تبقى معلقة وهائمة تتسلل بين حروف كلمات القصص وتتداخل بين أحداثها وتشير بصدق الى أسم من أسماء الذاكرة الثقافية الكردية في العراق ، ذلك هو أسم الكاتب جمعة كنجي .


من أعماله :

الديك في مملكة الثعالب

إستيقظت سيدة المنزل من نومها على صوت ضجّة في قن الدجاج ، خرجت مسرعة لتتبين الأمر .
على ضوء فانوس تحمله في يدها ، شاهدت ثعلبا ً في مكان غير بعيد من المنزل .
صرخت سيدة المنزل ، فولّى الثعلبُ هاربا ً . وعندما بحثت عن الكلب لم تعثر عليه . غضبت سيدة المنزل . ظنت بأن الكلب قد أهمل واجبه وذهب يلهو مع أصدقائه . لذلك قررت أن تعاقبه عقابا ً شديدا ً .

في صباح اليوم التالي ، عندما شرعت سيدة المنزل تطعم حيواناتها ، إقترب الكلب مطالبا ً بحصته من الطعام ، لكن سيدة المنزل صرخت في وجهه غاضبة :
- أنت تُهمل واجبك ، لذلك لن أطعمك .. أين كنت تلعب طوال الليل ؟ .
قال الكلب وهو يتوسل إلى سيدته :
- يا سيدتي ! ثعالب كثيرة هاجمت البيت ، فخرجت ُ أطاردها حتى إختفت في الغابة .

لم تصدق سيدة المنزل كلام الكلب ، فضربته وطردته من المنزل . ذهب الكلب إلى الغابة فحفر وجرا ً تحت صخرة ، وعاش هناك وحيدا ً .
بعد أيام قليلة هاجمت الثعالب المنزل مرة أخرى . إستيقظت سيدة المنزل ، وطلبت من القط أن يطارد الثعالب ، لكن القط إنكمش على نفسه ، وهو يرتجف من شدة الخوف . غضبت سيدة المنزل ،وبخت القط ، وإتهمته بالجبن ، وفي الصباح لم تقدم له إستحقاقه من الطعام ، اقترب القط منها وقال متوسلا ً :
- سيدتي ! مطاردة الثعالب هي من واجبات الكلب ، وواجبي هو مطاردة الفئران .
ركلت سيدةُ المنزل ِ القطَّ بقدمها ، وطلبت منه أن يغادر المنزل فورا ً .

ذهب القط و إختفى في الغابة أيضا ً .
وسرعان ما إغتنمت الفئران فرصة غياب القط ، فغادرت جحورها و إنتشرت في أنحاء المنزل . وأخذت الفئران تعبث في كل ما يصادفها :
قضمت الأغطية والملابس ،أكلت الدهن والسكر ، حفرت الثقوب في الجدران ، تسللت إلى قن الدجاج ، والتهمت كل ما فيه من حبوب . بل أن فأرا ً وقحا ً إندس في الليل تحت ثياب سيدة المنزل ، فأستيقضت مذعورة وهي تصرخ .. في الصباح حرمت ِ الديك من الطعام ، قالت له ساخطة :
- يا لك من ديك جبان !! الفئران تلتهم طعام الدجاج ، وأنتَ لا تعرف كيف تطاردها ؟!
أجاب الديك قائلا ً :
- مطاردة الفئران هي من واجب القط يا سيدتي !
غضبت سيدة المنزل ، فطردت الديك أيضا ً ، ذهب وأقام هو الآخر في الغابة .

لم يمضي وقت طويل حتى شاهد ثعلب عجوز الكلب مختفيا ً في وجره ، عاد وأخبر أصحابه بما رأى .

كان القط يختبيء ُ بين الأغصان ، جاءت الثعالب إجتمعت في مكان قريب منه . حضر الأجتماع ملك الثعالب بنفسه جلس مزهوا ً في صدر المجلس . تداولت الثعالب في الأمر : لابدّ وأن سيدة المنزل قد طردت الكلب ، فجاء يعيش في الغابة . لِم َ لا يستغلون هذه الفرصة ويهاجمون المنزل ؟؟ في مقدورهم أن يخنقوا سيدة المنزل ، وينهبوا كل ما في البيت من دجاجات ..! هكذا قررت الثعالب أن يبدأ الهجوم في المساء ، اتفقوا جميعا ً على أن الحظ سيحالفهم في هذه المرة ..!

حين تفرقت الثعالب . قفز القط راكضا ً نحو المنزل ، أخبر سيدته بما سمع ورأى .
لكن سيدة المنزل لم تصدقه ، قالت وهي تدير وجهها عنه : " إغرب عن وجهي ! أنا لا أصدقك . أنت تفتعل الأعذار لكي ترجع إلى المنزل " .

هكذا عاد القط خائبا ًإلى الغابة في أشد حالات الحزن والقلق . ظلّ المسكين يتجول في أنحاء الغابة ، يردد بصوت حزين : ميو ! ميو ! " في طرف الغابة ، حينما أراد القط أن يعبر جدول ماء ، سمع صوتا ً يناديه :
- يا صديقي القط .. يا صديقي القط ..
نظر القط إلى الأعلى ، رأى الديك واقفا ً فوق شجرة .. صاح القط بفرح :
- أهلا ً بك يا صديقي الديك .. متى جئت إلى الغابة ؟ ألا تخاف من العقاب ؟؟ .
قال الديك بصوت حزين :
- سيدة المنزل طردتني مثلما طردتك ، لأني لا اعرف كيف أطارد الفئران .

قفز القط إلى أعلى الشجرة ، جلس بجانب الديك ، وقص َّ عليه كل ما حدث . أرخى الديك جناحيه ، وأطرق يفكر بحزن : " ماذا يستطيع أن يفعل ديك صغير مثله إزاء عدد كبير من الثعالب ؟ !. فجأة ً طفرت إلى ذهن الديك فكرة ً غريبة ، قال للقط : " سأقوم أنا بمشاغلة الثعالب ، أما أنت فاذهب وابحث عن صديقنا الكلب ، فهو يستطيع أن يساعدنا " . صفق الديك بجناحيه ، وقف بأعلى الشجرة ثم صاح بصوت عال ٍ : " كيكي !! .. كيكي !! " . أجفل القط ، وهمس خائفا ً : " صه ! أمجنون أنت ؟ ستأتي الثعالب فتفترسنا ! " .. ظلَّ الديك يصيح ويصيح بلا إنقطاع ..
وانطلق القط مسرعا ً ، يقفز من شجرة إلى أخرى ، لا بدّ أن يعثر على الكلب .

سمع أحد الثعالب صياح الديك ، هرول نحو الشجرة مكشرا ً عن أنياب حادة ، قال له الديك بهدوء :
- أيها الثعلب .. أين الملك ؟ لقد جئت إلى الغابة لكي أحدثه في أمر مهم جدا ً .
فرح الثعلب ، انطلق يستدعي الملك ،عندما حضر الملك مع أفراد حاشيته ، خاطبه الديك :
- يا صاحب الجلالة. أنظر . أنا ديك جميل ، ولحمي يليق بملك عظيم مثلك !
رفع الملك رأسه ، نظر إلى الديك بفرح، ثم قال بلهفة :
حسنا ً .. أيها الديك ، انزل إلينا إذن .
فأجاب الديك :
- لا يا صاحب الجلالة .. ينبغي أن أذهب إلى النهر فأستحم كي تأكل لحمي وهو نظيف .
التفت الملك نحو حاشيته يقول :
- يا له من ديك عاقل !!
عندما بدأ الديك يطير من شجرة إلى أخرى ، أخذت الثعالب تلاحقه .
إجتمعت الثعالب على شاطيء النهر ، قفز الديك وحط َّ فوق صخرة بين المياه . همس الملك : " دعوه .. إذا حاول الهرب سيغرق حتما ً " . طار الديك ضاربا ً صفحة المياه بجناحيه ، أثار حول نفسه عاصة من الرذاذ ، بسرعة فائقة طار عاليا ً ، إستقر فوق غصن الشجرة .
بعدما تلاشت موجات المياه ، إنعكست صورة الديك واضحة فوق سطح النهر .
هنا صاح الديك يقول بسخرية : " يا صاحب الجلالة .. لقد سبحتُ وتستطيع الآن أن تأكلني !" .
إلتفت الملك نحو أصحابه وقال لهم بزهو : " من منكم يأتيني بهذا الديك الجميل ؟" .
إندفع ثعلب مغرور قائلا ً : " أنا" . وسرعان ما قفز إلى النهر .
أضطربت صفحة المياه ، و إختفت صورة الديك ، وفي أقل من غمضة عين غاص الثعلب نحو الأعماق .
تعجبت الثعالب مما حدث ، قال احدهم بأستغراب : " أين الديك ؟ بل أين الثعلب ؟ !" .
همس ثعلب آخر في أذن الملك بتملق : " يا صاحب الجلالة .. ذلك الملعون هرب بالديك لنفسه ! " .
غضب الملك ، هزّ ذيله ساخطا ً ، وقال بأستياء : " يا له من ثعلب جاحد! " .
عندما تلاشت الموجات ، وظهرت صورة الديك فوق رقعة المياه ، هتفت الثعالب بفرح : " عاد الديك يا صاحب الجلالة .. لعله هرب من ذلك الثعلب الملعون " . عقب الملك يقول لهم باطمئنان : . ألم أقل لكم بأنه ديك عاقل ؟ ! " . ووقف الملك بين أصحابه بكبرياء وهو يمني نفسه بوجبة غذاء لذيذة . نظر إلى الديك الجميل باعجاب ، مكشرا ً عن أنيابه الحادة ، ثم قال لجماعته بصوت آمر :
- أريد أن تأتوني بالديك .. إقفزوا جميعكم .. حالا ً .. جميعكم وبدون تأخير !
قفزت الثعالب إلى النهر . إضطربت المياه ، وتطاير الرذاذ في كل إتجاه. إختفت صورة الديك . فطن الملك بأن ثعلبا ً ربما إختطفه لنفسه. في لحظات إبتلعت المياه جميع الثعالب ، هوت نحو قاع النهر غارقة . وعندئذ نظر الملك حواليه وهو يتمتم : " أين الديك ؟ أين الثعالب ؟؟ " . طار الديك . حط فوق صخرة بين المياه ، وخاطب الملك بسخرية :
- يا صاحب الجلالة ! رأيت ، وأنا فوق الشجرة ، الكلب والقط قادمين

أراد ملك الثعالب أن يهرب ، لكن الكلب صرخ من ورائه بصوت مخيف : " عاو ! عو ! ".
قفز الملك إلى النهر وغرق .
في صباح اليوم التالي ، عندما خرجت سيدة المنزل لتجلب الماء من النهر ، رأت جثث الثعالب تطفوا على سطح الماء ، إستغربت من ذلك . وتساءلت مع نفسها : " كيف غرقت الثعالب ؟ ! " . وتمنت سيدة المنزل أن تعرف الحقيقة ، لكن .. كيف ؟ لا أحد يعرف إلا من يعيش في الغابة . الكلب والقط والديك هم الآن هناك . لعلهم يعرفون كيف غرقت الثعالب .
.. ونظرت سيدة المنزل بعيدا ً، ثم إنطلقت تهرول نحو الغابة باحثة ً عن أصدقائها .

الموصل14/3/1986
 

الشمس والثلج والجبل

رأى الجبل غيمة تمّر في السماء ، نظر إليها متعجبا ً : هي كبيرة الجسم مثله ، لكنها أخفّ من الهواء .. تمنى الجبل أن يصبح خفيفا ً مثل الغيم ، يستطيع التنقل من مكان إلى لآخر . وهنا بدأت الغيمة ُ تسقط فوق الجبل نتفا ً بيضاء كالقطن ، قال الجبل لنفسه : " هذا الثلج آت ٍ من الغيم ِ ! " . مضت الغيمة مسرعة ، جاءت أخرى ، سقط الثلج بغزارة ، غمر القمم والسفوح والوديان ، بدا الجبل كمن يرتدي ثوبا ً أبيض .
إستلقى الثلج فوق الجبل ، أراد أن ينام ، لكنه سمع صوت الجبل يقول :
- أيها الثلجُ ! أنت ثقيل جدا ً جدا ً ، والغيمة أخف من الريش، كيف إستطاعت أن تحملك ؟.
أجاب الثلج :
- أنتَ واهم أيها الجبل . أنا إبن الغيمة ، وأمي أكبر وأثقل مني بكثير ..
سكت الجبل ُ ، بدأ البرد يسري في جسمه ،كادت مفاصله أن تتجمد ، قال للثلج :
- هل ستبقى هنا كثيرا ً؟؟
أجاب الثلج :
- لا ادري .. جئت مع أمي من البحر ، لكنني لا أعرف كيف أعود إلى هناك ثانية !
سكت لحظة ، ثم إستطرد يقول : " إنني متعب جدا ً ، لا اعرف أين أذهب . سأنام هنا ! ".
وسرعان ما غرق الثلج في نوم عميق ، مرّ ثعلب من هناك ، أعلن بأن الثلج قد مات ! .
عندئذ حزن الجبل ، وإحتار في أمره ، وأخذ يفكر في حال نفسه : لا بدّ له أن يتخلص من الثلج . لو بقي الثلج هكذا في مكانه ، فلن يتحمله ! فهو بارد وثقيل .. أخيرا ً إهتدى الجبل إلى حلّ مناسب ،لم َ لا يخصص جائزة لمن يخلّصه من الثلج ؟ . في مطلع الربيع ، حين بدأت الحياة ُ تدب ّ في الكائنات ، إنتشر الخبر في أنحاء الجبل ، تجمعت الحيوانات ،كل واحد يحلم بالجائزة .
قال الجبل : " لقد إخترت القمر حكما ً .. هل توافقون ؟". وافق الحاضرون .
وبدأت المباراة .
تجمعوا حول الثلج بأعداد غفيرة ، لكن أي منهم لم يتجاسر على بدء المباراة .. الثلج نائم ، وثقيل ، يلتصق بالجبل ، ليس من السهل رفعه ..!
من الذي يتقدم أولا ً؟ من الشجاع الذي سيفوز بالجائزة ؟ .. صاحت دودة الأرض : "أنا". شرعت تتلوى بين الطين بجانب الثلج . تقدم هدهد ليلتقطها بمنقاره ، لكنه تذكر أنها تخوض مباراة شريفة ، فتراجع إحتراما ً للموقف . حاولت أن تحفر ثقبا ً في الثلج ، تململ الثلج في نومه وقال : " من هذا الذي يزعجني في نومي ؟ " .
شعرت دودة الأرض أنها ستتجمد من البرد ، صرخت طالبة النجدة .. فضحك الجبل ساخرا ً منها ، ودوى صغير الضفادع ، فأختفت الدودة تحت الأرض خجلا ً ، ولم يرها احد بعد ذلك أبدا ً ! .
تطلع الحاضرون إلى بعضهم . لقد فشلت دودة الأرض ، ولم تتمكن من رفع الثلج.. فمن الذي سينزل إلى الساحة بعدها ؟ . قفز قطّ بري وقف فوق الثلج برشاقة ، ثم إندفع يتلوى على صفحته بخفة ونشاط ، ناشبا ً أظافره الحادة فيه . قال الجرذُ أن القط شجاع وقد يفوز بالجائزة . وهنا زلّت قدم القط ، وسقط فوق الثلج كالميت ، بعد أن أصيب بكسور خطيرة في ظهره .
عندئذ إنتشله كلب ضخم..

إتفق الجميع على أن القط كان سيهلك فوق الثلج لولا شهامة ذلك الكلب المحترم !

رفع الثلج رأسه ، نظر إلى الحاضرين نظرة ً باردة، تنطوي على التحدي. وسرعان ما استسلم إلى النوم مرة أخرى عندئذ اندفع دب كبير إلى وسط الحلبة. لوح الدب بقبضته القوية مهددا ً ، وصرخ صرخة وحشية ، ثم صعد فوق الثلج ، نظر حواليه بغطرسة . صفق له الحاضرون بأعجاب ، وهمس الأرنب في إذن القنفذ : " الدب حيوان قوي ، سيزيح الثلج ، ويفوز بالجائزة " .

لطم َ الدبُّ وجه الثلج برعونة ، ونهشَ جسده في أكثر من موضع ، عندئذ إستيقظ الثلج ركلهُ ركلة ً قوية .
وبلمح البصر ، إختفى الدب عن الأنظار . تدحرجت به كتلة صغيرة من الثلج جرفته نحو وادٍ عميق.

نظر الحاضرون إلى بعضهم بذهول : أين إختفى الدب ؟ لا أحد منهم يعرف ..! وإذن ليس من السهل إزاحة الثلج كما تصوروا . ومن يحلم بالجائزة قد يضحي بحياته في سبيلها . علقت أنظارهم جميعا ً بالغزال ، فهو أيضا ً قوي وسريع ، وتهيأ الغزال لكي ينزل إلى الساحة ، وفي نفس اللحظة سمعوا القمر يعلن عن إيقاف المباراة إلى وقت آخر .

إختفى القمر ، وتفرقت الحيوانات ، ثم أشرقت الشمس ، غمر ضوؤها وجه الأرض.

إستيقظ الثلج من نومه . جلس فوق الجبل يستمتع بضوء الشمس . لاح له البحر بعيدا ً عند الأفق . تمنى العودة إلى هناك ، فقد سئم من العيش في ذلك المكان المنعزل . فكر في وسيلة تمكنه من الرجوع إلى البحر. إستدار نحو شجرة جوز كبيرة ، طلب منها أن تساعده ، لكن الشجرة هزت رأسها بأسف ، قالت له :
- خصص الجبل جائزة لمن يحملك إلى البحر،وأثناء نومك حاول كثيرون أن يحملوك،لكنهم فشلوا !!
تمتم الثلج مع نفسه : " من يستطيع أن يحملني ، ينبغي أن يكون أكبر مني ! " بقي جالسا ً في مكانه ، فوق الجبل ، لا يعرف ماذا يفعل . إرتفعت الشمس في كبد السماء ، وأرسلت أشعتها اللاهبة ، فلفحت الحرارة جسده. خاف الثلج وبكى بدموع غزيرة . إنسابت دموعه حواليه على شكل سواق ٍ . جرت السواق عبر الوديان . توغلت بين الصخور ، طافت في البساتين ، عانقت كل زهرة . إتجهت نحو البحر ، عندئذ فقط عرف الثلج أن الشمس وحدها هي التي تستطيع أن تحمله إلى البحر .
بكى في هذه المرة من شدة الفرح . إستمرت دموعه تجري نحو البحر ، وفرح الجبل .
وحين بزغ القمر، إمتلأ الجبل بجموع المتسابقين ، كل واحد منهم يحلم بالجائزة .
نظروا حولهم بأستغراب .. أين الثلج ؟ من حمله ؟ ومن الذي سيفوز بالجائزة ؟ .. إدعى الثعلب أنه هو الذي حمله ، ضحك الجبل ُ ساخرا ً ، أشار إلى القمر. تعلقت أنظارهم نحوه ، قال القمر ضاحكا ً :
- الشمس اكبر منا جميعا ً . هي التي أذابت الثلج، فجعلته قادرا ً على الوصول إلى البحر .
بقيت أنظارهم متعلقة بالقمر . أرادوا أن يسألوه عن الجائزة ..
الجائزة الكبيرة التي حصلت عليها الشمس ، لكن غيمة بيضاء حجبت القمر عنهم .
.. وظلت الجائزة سرا ًلا يعرفون عنه شيئا ً !!.

نينوى/ بعشيقة
12/9/1985


الغراب في زي جديد

غراب أسود بلون الظلام ، رأى في طريقه جلد ثعلب ملقى على الأرض .
فقال الغراب لنفسه : " هذه ملابس جميلة ، لمَ لا أرتديها كي أبدو جميلا ً؟ " .
وضع الغراب جلد الثعلب فوق ظهره، ومشى في الوادي مثل الثعلب . صادف في طريقه سربا ً من الغربان قال لنفسه : " هؤلاء هم أصحابي ، لم َ لا أمزح معهم ؟! .
إقترب الغراب منهم يقلّد صوت الثعلب ، سمعت الغربان صوته ، طارت هاربة منه ، وحطت فوق شجرة قريبة .
أراد الغراب أن يطير ، لم يتمكن لثقل جسمه .. نادى على الغربان قائلا ً :
- لماذا هربتم ؟ أنا غراب مثلكم ، لكنني وجدت ُ جلد ثعلب فأرتديته !
سمع احد الثعالب صوته ، فهجم عليه وهو يقول : " أسناني تعرف أي مخلوق أنت ! "

الموصل 17/3/1986

 لماذا هرب الحصان ؟

في إحدى النواحي القريبة من مدينة الموصل ، وجد عاشور لنفسه عملا ً آخر .
إتفق مع صاحب معمل برغل أن يعمل عنده . وإنحصر عمل عاشور في تشغيل (الدنك) وواجبه الأساسي هو حث ّ الحصان على الجري حول نفسه باستمرار ، لكي يسحب جذعا ًخشبيا ً متينا ً ، من شأنه أن يدوّر حجرا ً اسطوانيا ً كبيرا ً . ولكي يتم دق البرغل بصورة صحيحة عليه ، أيضا ً ، أن يدور خلف الحصان ، ويدفع الحنطة المسلوقة إلى تحت الحجر ، وبعدما تنفصل القشورعن الحب، تقوم زوجته جرادة بغربلة البرغل ، وتذريته في الهواء ، وبذلك ، تنعزل النخالة عن الحنطة .

وتعهد صاحب العمل بأن يدفع أجرا ً أعلى لعاشور إذا قبل َ أن ينقل الحنطة على ظهرحماره شوشو.
ورغم أن العمل كان ، في البداية ، شاقا ً ومرهقا ً ، إلا أن عاشور وجرادة سرعان ما إعتادا عليه .
قال عاشور لزوجته :" هذه فرصة جديدة للعيش .. وأنت ِ تعرفين كيف خسرنا فرص أخرى ! ".
ردّت زوجته تقول : " أجل ، يا زوجي العزيز ، لا ينبغي أن نفسد هذه الفرصة أيضا ً !" .
عمل عاشور وزوجته باخلاص وتفان ٍ ، وبدأ لهما أن كل شيء يسير على ما يرام .
واهتم عاشور بالحصان . إنه حصان رهوان ومطيع ، قلّما يحتاج المرء إلى حـثه على الجري . وألف الحصان ُ عاشور ، وأخذ ينقاد له بسهولة . وحرص عاشور على منحه وقتا ً كافيا ً للأستراحة ، وهو أثناء ذلك ، يربت ظهره ، ويمسح شعر رقبته . كان الحصان يشعر بالبهجة إزاء مداعباته ، ويتناول علفه مسرورا ً ، يصهل بين وقت وآخر،كأنه يحيّ صديقه الجديد .
ذات مرة قالت جرادة لعاشور معاتبة : " أترى الحصان أنساك أمر حمارنا شوشو ؟ " .
فردّ عليها موبخا ً : " كوني عاقلة يا جرادة .. رزقنا ورزق الآخرين معلّق بالحصان ! " .
وعلى مر الأيام إزداد عاشور تعلقا ً بالحصان ، فراح يعامله بدلال منقطع النظير . ومن شدة حبّه للحصان علّق له ودعة على ناصيته وزيّن نيره بالخرز ، وطرز عصابة عينيه بقطع معدنية براقة حتى بدا الحصان جميلا ً ،كأنه حصان مشهور من حصن سباق الخيل .

إزاء هذه المعاملة الطيبة أخذ الحصان يعمل بطاقة أقوى من السابق .
تطوّر العمل ُ وتحسن . كافأ صاحب العمل عاشور وجرادة ، وشكرهما على إخلاصهما تجاهه .
كان عاشور يعتقد بأن الفضل لا يعود إلا للحصان ، فبدونه يتوقف العمل ، ولا يمكن تحريك ( الدنك ).

وحل ّ شهر رمضان ، صام َ عاشور . في أحد أيامه إشتدّ الحر إلى درجة لا تُحتمل ، جلس عاشور ليستريح ، واستمر الحصان يدور حول ( الدنك ) . خطرت لعاشور فكرة طريفة : شهر الصيام يذّكر الأنسان بأنسانيته .. ومثلما يتعب الأنسان ، كذلك يتعب الحيوان ، الدنيا حر ، لا بدّ أن الحصان متعب . لو نزع العصابة عن عينه ، قد يشعر الحيوان بالراحة .. هل من الضروري أن تبقى عينا الحصان معصوبتين ؟ نهض عاشور . سار ببطء نحو ( الدنك ) . هتف بصوت آمر : ( هوش !) توقف الحصان في مكانه .
.. نزع العصابة عن عيني الحصان ، وهتف مجددا ً ( هووو !) انطلق الحصان يدور .

عاد عاشور ليستريح من جديد . دار الحصان بضع دورات حول ( الدنك ) ثم تسمر في مكانه . صاح به عاشور آمرا ً ( هوو..هووو !) لم يتحرك الحصان من موضعه قيد شعرة . تناول عاشور السوط بيده ، نظر الحصان بأستغراب حواليه .. احسَّ الحيوان - بدافع غريزي - أن حريته منتهكة . وجد نفسه مربوطا ً إلى كتلة صخرية مخيفة بواسطة حبال متينة .
التمعت في عينه نظرة تحد ٍ .

إقترب عاشور ملـّوحا ً له بالسوط ، صهل الحصان بجنون ، ورفس غاضبا ً .
حاول عاشور أن يهديء من روعته ، لكن الحصان إستمر في هياجه ، يرفس ويصهل ويزفر .. وفي لحظات قطّع الحبال ، وحطم الخشب ، وألقى بنيره على الأرض . وعبثا ً حاول عاشور أن يسيطر عليه ..!
ودع الحصان صديقه عاشور برفسه على بطنه ، ثم انطلق هاربا ً عبر الحقول مثيرا ً خلفه زوبعة من الغبار .



نينوى / بعشيقة 28/7/1985


¤ الجزء الثاني

¤ الجزء الأول


 

Counters