الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأربعاء 21/11/ 2007



رحيم الحلي .. بين الشفافية والواقع المر

لمياء الالوسي

الكاتب والأديب ( رحيم الحلي ) يمارس الكتابة في مجال القصة القصيرة والمقالة بطقوس اقرب ماتكون إلى العبادة .. بشفافية والتزم حاد ، مأخوذا بكثير من الحالات التي تمر عابرة في حياتنا ، لكنه يتلقفها بحب كبير ويمنحها دفئه الجميل .
في كل المواقع الأدبية يطل علينا بكل خجله وتواضعه الجم ، ليفتح لنا عالما جديدا مررنا به ذات يوم . دون أن يسترعي اهتمامنا فيمنحنا تأشيرة المرور معه إلى عالمه المليء بالانبهار.
والأستاذ رحيم الحلي يدرك اللعبة القصصية جيدا ويتحرك ضمنها وفي حدودها ولا يستنفذها فهو وعلى امتداد ثلاث قصص وبأسلوبه الشفاف الرقيق يكلمنا عن معاناة شباب جمعهم هم واحد .. سرق منهم الطمأنينة والسلام ففي قصة (المبعدون) الأولى من بين القصص الثلاثة التي يحلق بنا الاستاذ رحيم في سماء الصحراء الواسعة نطل على ثلاثة عشر شابا تشبثوا بالحياة وحاصروا النبض فيها وتعلقوا رغم كل شيء بشرايينهم كي يقهروا الزمان ، أرغمهم الوضع السياسي السيء في العراق في بداية الثمانينات من القرن العشرين إلى الهروب خارج حدود الوطن كانوا كمن يبحث عن خلاص لهم في هذه الدنيا ، يعتقون أرواحهم على أبواب جهنم ، مهووسون بدنيا الفضيلة والجمال ، هكذا كانوا شبابا على أعتاب الحياة ، وفي خضم أحداث كثيرة عصفت بهم وجعلتهم يعيشون حالة من التشرد والضياع في ارض قاحلة وعالم ليس لهم .. أو كما يقول الاستاذ رحيم الحلي ( كي يتنفسوا هواء الحرية خارج السجن الكبير والمسمى الوطن ) .. وفي سرد جميل واسلوب سلس شفاف يحدثنا عن معاناة هؤلاء الشباب الذين يعادون بالقوة عبر احد المعابر الحدودية إلى الوطن .. وبأمر من ضابط الشرطة والمسؤول عن المخفر الحدودي.
وتتصارع وتيرة الأحداث وسط معاناة الشباب وخوفهم وتعبهم وذلك الرعب المقيت .. الذي تتحول إليه حياتهم بمجرد التفكير بأنهم سيعادون إلى الوطن ، وفي أسلوب وبناء درامي ولغوي راقي ، يبرز وجه السائق الطيب الذي يفرج عنهم ويبقيهم هائمين في الصحراء تتلقفهم بيوت الشعر البيضاء .. ونتساءل هل كان هذا السائق رحيما بهم عندما اعتق رقابهم من الموت ؟؟ أم انه منحهم موتا آخر .. ربما يكون اقل قسوة  .

ورغم مأساوية الموقف.. الااننا نجد الاستاذ رحيم يمزج تلك الشاعرية والشفافية بقسوة الصحراء ، ومشاعر الخوف والقلق التي يعاني منها الشباب فنجد أن الأصفاد قد تحولت إلى ( التي بدت مثل أساور فضة .. انعكس ضوء الشمس عليها فالتمع بريقها ) ورغم المصير المظلم الذي ينتظرهم الاانهم كانوا ( نزلوا من الشاحنات فرحين كأن كابوسا ثقيلا انزاح عنهم ) رغم أن الكابوس الثقيل لازال يمتد أمامهم  .
وينتهي الكاتب بوضع أبطاله في قلب المجهول الامن زوادة تحملها إياهم امرأة مملؤة بالحب كعهد حواء دائما .
وتبدأ قصة ( الضياع ) عن الشباب الثلاثة عشر أنفسهم وحالة الضياع واليأس التي يعيشونها وقد امتلكتهم حالة الخوف واللاجدوى ثم يصبح لزاما عليهم أن يتفرقوا كي لايثيروا الشك حولهم ويبقى أبو ذر وسليم فيحلقا بنا عبر أسلوب القاص في عالم من الترقب والقلق في سبر أغوار الصحراء بكل ضبابيتها وخطرها على شباب قادمين من المدينة مملؤين بالأمل والحياة رغم قسوتها  .
ولا يفقد الاستاذ رحيم قدرته على سلب لب القاريء وإثارته وسرد الكثير من المواقف التي يشعرنا من خلالها أن هذه القصة هي قصته سواء أكان هو بطلها الحقيقي أم انه أقنعنا .. بأننا أمام البطل الحقيقي فعلا.

في ( الرحيل ) القصة الثالثة نجد إن القاص يحاول هذه المرة أن يمنحنا هذا الشعور المقلق باختلاف الوعي الطبقي وان ابن المدينة مهما حاول أن يتأقلم مع وضع طبقي آخر فانه سيبقى غير قادر على ذلك ورغم كل المحاولات في الامتزاج مابين مجتمع مغرق بالبداوة وعالم التمدن والتحضر . فيقرر الرحيل مهما كانت الظروف والمخاطر .. وبين شهامة البدوي وبطولة رجل المدينة الباحث عن المدينة الفاضلة يشمخ القاص ويعلن أن لكل مجتمع عالمه الخاص وتقاليده.
أمتعنا( الاستاذ رحيم الحلي) وجعلنا ندرك أن في سراب الصحراء ورمالها الموغلة بالقدم عالم من الرجال الذين كانوا قادرين على أن يمنحوا العراق قدرا آخر يخطوه في زوايا هذا الكون ويجعلون قاماتنا تملؤ الدنيا تيها لكنهم وفي غفلة منا أو من الزمن تبعثرت خلاياهم في ذرات الرمال الفسيحة ليبقى منهم رجلا يرفع فوق بقاياهم أعلاما تعلن عن مجدهم الذي لايقهر في هذا الوطن الممتد بين برك الدمع وجداول الدم .
فشكرا لك أستاذنا الأديب الرقيق رحيم الحلي  .
 


 

Counters