الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأربعاء 21/3/ 2007

 

 

" الأفق نافذتي "
لمحات من الشعر الوطني


عبد اللطيف الأرناؤوط  - دمشق

في ديوانه " الأفق نافذتي " ، يواصل الشاعر يحيى السماوي احتجاجه ضد برابرة العصر من طواغيت وغزاة محتلين وتجار حروب وأزمات وأصحاب حوانيت سياسية .فمنذ غادر وطنه ، ببراءة البدوي وانتفاضته لكرامة وطنه الذبيح ، وهولا يكف عن الصراخ ،داعيا أبناء شعبه في العراق ـ قبل سقوط الطاغية ـ أن يقوموا بأنفسهم بتحريره، وألآيكلوا أمره للدخلاء والطامعين ، ولم يكن يدورفي خَلده ، على صفاء سريرته ، أن يكون تحريرالوطن شمّاعة يعلّق عليها العملاء والمتاجرون بحرية الوطن ، معاطف أطماعهم ، وأن السياسة عالم أرحب من نقاء ضمير شاعر ينشد الحرية ...
فوجئ السماوي أن الغزاة لم يكونوا أرحم من الحاكم المستبد.. وما كان الذي وقع لوطنه في حسبان شاعرلم يقرأ أبجدية السياسة ولا عرف خبثها .كان السماوي صاحب حلم نبيل ، وكان أدعياء الوطنية أصحاب مشاريع استثمارية في سوق السياسة، فليس غريبا أن بدا الشاعر السماوي في ديوانه هذا ، محبطا يائسا ضائع الخطى ، ولا يملك غير هذه الصفحات وقلمه الذي يجسد حلمه ببراءة البدوي ، فإذا به يكتشف أن القلم الذي ما خط حرفا إلآ لحرية الوطن ، يغدو جزءً من الإعلام السياسي الذي يخدم مصلحة الطامعين ممن يتنشقون رائحة النفط على بعد آلاف الكيلومترات ، وتتخطى شركاتهم كل الحدود لترسم للعالم المستقبل الأسود ...فالسماوي ، في كل دواوينه السابقة ، كان يعتقد أن نظام صدام حسين هو أسوأ الأنظمة ، قبل اكتشافه ، أن الإحتلال هو الأسوأ .

يبدو أن صلة السماوي بالبداوة عريقة النسب ،ولا عجب في ذلك ، فهو ابن بادية السماوة التي احتضنت المتنبي الذي لم يجد في الآفاق التي طوّف فيها بديلا من عرارها ، فوقف امام شِعب بوان ليقول :

مغاني الشعب طيبا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان

ومثله الشاعر يحيى السماوي في مغتربه يقول :

أنا البدوي لا يُغوي صداحي
سوى عزف الربابة والسواني
ودلّة قهوة ٍ ووجاق جمر ٍ
تحلّق حوله ليلا صحابي
وبي شوقٌ الى خبز ٍ وتمر ٍ
كما شوق الضرير ِإلى شهاب ِ
وللبن ِ الخضيض وماء كوزٍ
وظلّ حصيرة ٍ في حرّ " آب "
فطرنا قانعين بفقر ِ حال ٍ
قناعة ثغر زق بالحباب
أب صلى وصام وحج خمسا
وأم لا تقوم عن الكتاب
وأطفال ثمانية أنابوا
عن الدنيا فراشات الروابي
وفانوس خجول الضوء تخبو
ذبالته فيسرجها عتابي

***
بين شعر المتنبي وشعر السماوي رابطة نسب.. فكلاهما أنكر ولاة الأمر في زمانه ، وإن كان المتنبي اكتفى بالتعريض بالملوك الأعاجم دون المقاومة ، بينما حمل السماوي على عاتقه رسالة الرفض والمقاومة والتحريض ، مباركا في سبيل ذلك ، التشرد والغربة وعذاب المنافي .. يقول :

عربٌ إذا نطقوا .. وإن فعلوا فما
لهمو سوى خبث اليهود سمات ُ
ولبعضهم طبع الخراف إذا رأتْ
عَلفا تميل بها له الخطوات ُ
باع العروبة والعقيدة واشترى
دِينا ً رسول حجاه " دولارات "
هم صانعو مأساتنا ..فبقاؤهم
ما طال لولا هذه المأساة ُ
ما زال عصر الجاهلية ماثلا
فالمال "عزى " والكراسي " لاة "
هم في الوعود أئمة .. لكنهم
إن حان وقت العزم " حاخامات ُ"

***
وإذا كان " العائدون " من تجار السياسة قد تقاسموا القصور والمناصب وأقاموا امبراطورياتهم المالية ، وأثقلت جيوبهم بعقود استثمارية على أنقاض دمار الغازي ، فإن السماوي يتمنى لو يعود وزاده القناعة بما في بلاد الرافدين من خير ، في عراق آمن مستقل لا ينخره الوباء الطائفي :

أنا أرضى بالذي قلّ ودل ْ:
خيمة في وطني دون وجل ْ
خيمة أغسل باللثم بها
يد أمي كلما الصبح أطل ْ
ورغيف دافئ تخبزه
" أم شيماء " وكوز من وشل ْ
وحصير ٌ يُنبض الخوصُ به
عبق َ الأهوار فوحا ً وظلل ْ
كذب التاريخ ..ما زال على
وطني للشرك "لاة ٌ" و "هبل "
وفتاوى للمرائين ترى
قاتل الأطفال والورد بطل ْ

***
نلاحظ ان السماوي ينطق بلسان أبناء وطنه الشرفاء الذين لا يطلبون سوى العيش الآمن والقناعة بالقليل بعيدا عن استعباد الإحتلال ، ويتمنى جلهم لو لم تتفجر آبار البترول ، ولا تحلبت شفاه الطامعين بخيرات بلادهم ...فلو كانت صحراء للوى الغزاة أعناقهم عنها... فالمأساة تكمن بالخيرات التي وهبها الله للأبناء ،وتأبى طغمة المستغلين أن تترك الوطن يعيش بأمن وسلام .

لم يعد للسماوي بعد مأساة بلاده سوى ما للشاعر المغلوب على أمره.. كان يأمل ويمني نفسه بعودة ظافرة الى عراق حرره أبناؤه..أما وقد أحتل العراق ، فإن الذين يمني النفس بلقائهم ، هم اليوم غرباء في وطنهم ، لا يملكون من أمرهم شيئا .. فهم في الوطن أشدّ اغترابا منه في المنفى ، يترصدهم الموت في كل زاوية في ظل غياب الأمن والفاقة والعوز ، فاختلطت الأوراق والتبست الشعارات ، فلم يعد امام الشاعر غير اجترار الحنين القاتل الى بلده الذي استحال في نظره الى يوتوبيا موعودة..ها هو يقول :

ولولا خشيتي من سوء فهم ٍ
وما سيقال عن فقدي صوابي
لقلت : أحنّ يا بغداد حتى
ولو لصدى طنين ٍ من ذباب ِ
لوحل ٍ في العراق وضنك عيش ٍ
جوار أبي المدثر بالتراب ِ
جوارَ أخيّة ٍ...وأخ ٍ... وأم ٍ
وأحباب ٍ يعذبهم عذابي

***
ويحمل السماوي على عصره المشؤوم الذي بدّل صورة الوطن ، بعد ان كان ملاذا للأمن والطمأنينة وللسعادة في سالف الزمن ، قبل النظام الشمولي والإحتلال ...فيقول :

على ما يذكر الآباء
إنّ الأرض كانت غير ضيّقة ٍ
وكان الماء أعذب َ
والرغيف ألذ ّ
والأعشاب ْ
أكثر خضرة ً
و" الخيش " و " الجنفاص " أنعم من حرير اليوم ِ
حتى فاتنات الأمس كن ّ أرق ّ
والخيل القديمة ُ
لم تكن ترخي اللجام لغير فارسها
ولا كان الجبان ُ يصول في الميدان ِ...
والأغراب ْ
لا يتحكمون بقوت ذي سغب ٍ
ونبض رقاب ْ
ويقنع بالقليل من القطيع ِ الذئب ُ
لا كذئاب هذا العصر ِ
أذكر أن أمي حدّثتني عن بيوت ٍ دونما ابوابْ


هذه الصورة الوردية عن العراق تقترن لدى الشاعر بصور حياته القاسية في المنفى ، حيث العذاب الروحي ...يقول :

أنا الراعي ...وعاطفتي
عصاي ...وأضلعي غنمي
دمي مرعاي ...والينبوع
دمعي ...والوجاق فمي
أنادم في هزيع العمر
ما أهرقتُ من ديَم ِ
عشقنا...فانتهينا بين
مُتّهَم ٍ .... ومتَهِمِ ...!
كلانا نادم ٌ... والعشق
قد يفضي الى ندم ِ
لمن نشكو وقاضي العصر
يشرب من دم الأمم ؟

ويتضخم شعور الشاعر بالغربة، وتختلط أحلامه ، فيرىنفسه يطير بجناحين الى وطنه على صهوة السماء المسروجة بالريح، ويتخيل أحيانا أنه " أبو نؤاس " يعاقر صهباء الحزن من كأس جراحه، وقد يتبلد إحساسه بالحياة فلا يشعر بمرور الأيام وتعاقب الليل والنهار:

متشابهان بمقلتيه
طلوع شمسٍ والمغيبُ
يصبو لليلى في العراق
مريضة فهو الصبيب ُ
كرّتْ عليه الموحشاتُ
العسْرُ تقفوها الخطوب ُ
يبكي "الشمال " بمقلتيه
ويندب ُ الحال " الجنوب ُ"
يشجيه صوت الأبعدين
ويستبيه العندليب ُ...!

ويطيب للشاعر ان يتذكر تسلله من وطنه هاربا ، وقد دهمه جند الطاغية ، فلا يمهلونه لتوديع أمه ، فيغادرضيعته مع زوجه وطفليه...يجتاز الصحراء ، وكانت تلك آخر صورة للوطن ارتسمت في ذاكرته دون ان تمّحي ...ويقف اليوم يقول :

أقف الانْ
في منعطف العمر غريبا
بين صديق لا أعرفه
وعدوّ ٍ يعرفني
حينا تحرقني الأمطارُ
وحينا تثلجني النيران ْ
بين عبير زهور الروحِ
وأشواك الجسد الشيطان ْ

ترى من ينقذ الشاعر من عذاب ذاته ، او يوحّد بين يقين جذوره وظنون اطفاله الذين لم يعرف بعضهم وطنه الأم ؟ ومن منفاه يتابع أخبار الوطن ، ومآسي الظلم التي تفصح عنها رسائل الأصدقاء من داخل العراق..يعترف بجميل المنافي عليه حين آوته :

أهلوك أهلي يا ديار فماؤهم
خمري وصدق ودادهم أكوابي
لا ضاحكتني ما حييت مسرّة ٌ
لو كنت أنسى ليلة ً أصحابي
لولا اشتياقي للديار وأهلها
ما كان مذبوح السطور كتابي

ويتطلع السماوي الى أمله بعراق محرر مستقر ، فلا يرى من حلمه غير السراب...فوطنه يشبه حالته في المنفى :

يشقيك يا ليلاي ما يشقيني
منفاي دونك والمشانق دوني
بتنا وقد غرّبت مذبوح الخطى
مجنونة ً تصبو الى مجنون ِ
مترقبين بشارة النخل ِ الذي
أمسى سقيم السعف والعرجون ِ
نخفي إذا اصطخب الضحى آهاتنا
فتنز ّجمرا ً في ظلام سكون ِ
من أين أبتدئ الطريق اذا الضحى
داج ٍ وقد سمل الهجير ُ عيوني ؟
طوت الكهولة والتغرب خيمتي
ومشت خيول الدهر فوق جبيني
أنا ذلك البدوي ... ّتحت عباءتي
واحات أشواق ٍ ... ونبع حنين ِ
غنيت والنيران تعصف في دمي
عصف اليقين بداجيات ظنون ِ


ويهوله تردي بعض رفاق دربه في المعارضة، وبعض الانتهازيين من ابناء جلدته ، وخيبة امله في مقاصدهم ، بعدما اتضح انهم ينظرون الى كرسي السلطة باعتباره الوطن ، فيقول :

فلا تأمل من القاصي نصيرا ً
إذا الداني يريد لك الزوالا
مضى زمن الشهامة واستكانت
ضوامره...فأدمنت الضلالا
تبدّلت النفوس ... وعفّرتها
مطامعها ...فغيّرت الخصالا
ولوّنت الوجوه فلست تدري
أ"معتصما" تحدّث؟أم "رغالا " ؟
فتبّا للدليل يقود زحفا ً
على أهليه ... غيّا ً أو حلالا
وتبّا ً للقوي ّ يشن ّ حربا ً
على وطن الأرامل والثكالى
فلا تقنط ...عسى الأرحام يوما
ستنجب للملمّات ِ الرجالا

وينطلق تفاؤل الشاعر بالمستقبل من ايمانه بقدرة الشعب على تحقيق آماله في التحرر ، وان يتجاوز محنته بقوة الحياة فيه :

فإلى الأمام ِ ...إلى الأمام ْ
أفليس من طبع الأصيل من الخيول
إذا كبا
شدّ الضلوع إلى قوائمه وقام ْ ؟
النخل أبقى من بريق الصولجان ِ
ومن يواقيت الأباطرة اللئام ْ
سأنام مغتبطا ً على ريش الأماني
حالما بحديقة ٍ أزهارها الأطفال
تزحمها أراجيح ٌ ملوّنة
وأسراب الحمام ْ

وستظل صيحات الشاعر يحيى السماوي تقرع اسماع الاجيال في سجل الخلود ،وتضع بين ايديهم تجربة ثرة عن المعاناة والصمود، بما حملت من جمال الفن وصدق العاطفة ونبل المشاعر والوطنية الحقة .