الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

السبت 1/8/ 2009



الرموز الاممية والثورية في ادب جليل القيسي
بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيل الكاتب المبدع جليل القيسي

مؤيد محمد قادر

يتميز ادب الكاتب جليل القيسي بكثرة الرموز والدلالات المستخدمة في ابداعاته مثل الرموز الاسطورية والتراثية كذلك توظيف للجمل والمقاطع الادبية لابداعات كتاب عالميين ومفكرين واقوال فلاسفة ولاطلاع المتلقي على نتاجات الاديب الراحل جليل القيسي القصصية والمسرحية تبرز بوضوح رموز ودلالات كثيرة منها مكانية وفنية وادبية وثورية وكذلك اممية ، أذ الاديب جليل القيسي من الادباء الذين يسحبون المتلقي بسرعة وقوة نحو الحدث في نتاجاته وبدون مقدمات ، لذلك عند دراسة أدب هذا المبدع يتوجب على الدارس الوقوف عند نقاط محددة من اجل عدم خلط الاوراق فاذا كان لدى الكثير من الكتاب اسلوب عدم تطابق الشكل مع المضمون فان جليل القيسي على العكس من هؤلاء ، الشكل عنده يطابق المضمون وهذه الصفة الواضحة لدى المتلقي لاعمال جليل القيسي وفي غالبية نتاجاته .

من العنوان كثيرة هي الرموز والدلالات الثورية والاممية في ادب جليل في مجالي القص والمسرح لاسيما هو احد اعمدة ادباء جيل الستينات في العراق وعاش مرحلة الصراعات الفكرية والسياسية في العالم ابان تلك المرحلة الحرجة من التاريخ الحديث .

أن الاديب الراحل جليل القيسي احد المبدعين الذين تفرقهم النتاجات الابداعية ولكن ثقافتهم وأنتمائهم الفكري والنزعة الاممية توحدهم كذلك شعورهم بمرحلة الانهزامات للانظمة العربية ابان مرحلة الستينات في العالم العربي فهذا الجيل صُدم بالواقع لآنه كان يحلم بعالم شفاف خال من قتل الانسان لاخية الانسان وخال من  أستغلال الانسان لاخية الانسان ، أي أن جليل القيسي كان مثقفاً وقارئاً جيداً مطلعاً على كثير من نتاجات الادباء المحليين والعالميين لاسيما وهو يتقن عدة لغات كالانكليزية والعربية والكوردية والتركمانية فهو بذلك استطاع وبشكل فني جميل توظيف موروثات المكونات والقوميات التي تعيش في مدينة كركوك وبذلك اصبح أحد رسل كركوك الى المدن العراقية الاخرى .

ولكثرة نتاجاته الادبية وأفتقارنا الى الاساليب والمدارس النقدية أرتأينا أن نأخذ عملين لهذا المبدع أولهما قصة (مملكة الانعكاسات الضوئية) المنشورة في مجلة الاقلام العدد 11- 12 -1988 واما الثانية فمسرحية ( الليلة الاخيرة للوركا في بنيرنار ) ففي القصة المذكورة انفاً تبرز الدلالة الاممية لدى الكاتب في بداية العمل اي من العنوان فليس في ارض المعمورة هكذا اسم لاي مكان في هذا الزمان ولا في الازمنة الغابرة الا ان كل شبر في ارض المعمورة ينعكس عليه ضوء الشمس وان اختلفت مدة الانعكاس بين شحيح وكثير .

وبعد ذلك باسطر تبرز اسماء تدل على اممية الفكر لدى القاص الراحل ذاكراً اسماء فنانين والهه من عدة شعوب (الفنان فريدريك بازل – جورج بيساور – جسر كوربيفوار – الاله ديونيسوس – الاله زيوس – باخوس ) اسماء اماكن والهة وفنانين من عدة شعوب الى ان يظهر اسم واحد من كبار رموز المسرح في كافة ارجاء المعمورة (شكسبير) عبر توظيفه جملة من مسرحية عطيل لهذا المؤلف المسرحي الخالد الذكر (وليم شكسبير) .

وعند بدء الحبكة الدارمية في القصة المذكورة يظهر (شبحان) هذه المفردة متداولة في موروثات كافة شعوب الارض , عند ذاك تفتح مداركه الثقافية برموز اممية اخرى يذكرها عبر ذكر الخمور بأنواعها الفرنسي والمالطي ولا يفوته ان يذكر الاكل الذي قدمه لضيوفه ، فيقدم لهم مائدة اممية مكونة من التمن الاسيوي واللحم والمرق غير المسمين نوعهما وذلك بقصد تحديدهما من قبل المتلقي حسب مذاقه والخبز الذي لا تكتمل مائدة بدونه في كل العالم والتمر الذي اشتهر به العراق وينتقل بنا القاص بسرعه الى ارض بابل حيث تقام احتفالات اعياد الاكيتو وفي غمرة احتفالاته لا ينسى كلمات تدل على الاممية مثل العدل والمساواة الحرية السلام ..

وعندما يلتقي كبير الاله (مردوخ) هنا تبرز ثورية الكاتب عندما تعرض عليه ان يطلب ما يشاء من مال وجاه ومراع واستقرار نفسي يأبى ويقول (ما جدوى ان املك انا ومن حولي يعيشون في مرتبه ادنى من الانسان ) هذا الحس الطبقي لدى القاص الراحل يجعله من الكتاب الرافضين ان يقتاتوا من فضلات موائد الحكام والسلاطين ولانه ثوري لا يرضى بالرفض فقط بل يقدم البديل حين يطلب من الاله (مردوخ) ان يكلف الاله (شازو) العظيم بتدمير الشر والقتلة والفُساد المستبدين المستغلين ومدبري المكائد وبذلك يكون اكثر وفاءً لانتمائه الفكري عندما يدلهم على اماكن هؤلاء الاشرار عبر خارطة مجسمة للعالم حيث ينتشرون .. موعزاً للاله (شازو) ان يبدأ بتصفيتهم من بلاد ما وراء البحار حيث يصدر الشر على الفقراء وبجملة ثورية ( نظف الكرة الارضية منهم ) ولان كاتباً ثورياً اممياً كان يؤمن ان الحضارة لا تبنى بأشخاص بل بالمجاميع البشرية ولكل امة مساهمة في صناعة الحضارة الانسانية فيطلب من الاله ( مردوخ ) ان يوعز الى اله ( اجاكو ) رب التميمة المقدسة وباعث الموتى أن، يحيي الاموات الذين احبهم حد العشق بهذه اللغة يصف الكاتب علاقته بهذه الاسماء الاممية من اجل ان يلتقيهم ولو لدقائق ايماناً منه بان هؤلاء ثوار حقيقيين في تاريخ البشرية كيف لا وهم نذروا حياتهم من اجل عالم اكثر عداله ورفاهية دون تمايز طبقي علماً أن في تاريخ نشر القصة المذكورة كان النطق بهذه الاسماء يؤدي بالناطق الى الاعتقال أو ربما الاعدام فكيف بالذي يحبهم حد العشق لاسيما بين هذه الاسماء ( ماركس , هيرو قليطس , الحلاج , موتزارت , دوستوفسكي ,زاباتا , سيمون بوليفار , علي بن محمد , كوبر نيكوس ) ... حتى نصل الى نهاية القصة عندما يهمس الاله ( شازو) في اذن القاص المبدع وهو في الاحتفال اللاطبقي على حد تعبير القاص ان ( غداً سيكون اول لقاء مع هيروقلطيس فيهتف مبتهجاً ومدركا ان اليوم الذي يكون فيه هؤلاء احياء ولو بافكارهم للحظات في الخيال العالم اكثر عدلاً ومساواة ولا طبقية وبجملة ثورية ينهي القاص الراحل جليل القيسي قصته سائلاً (هل عم السلام العالم).

اما بخصوص عمله المسرحي ( الليلة الاخيرة للوركا في بيرنيار ) فهو الاخر عمل ابداعي يعبر فيه المبدع الراحل عن رفضه لممارسات السلطات تجاه الشعوب المنتفضة بوجة الحكام المستبدين .

وأقترن زمن كتابة المسرحية بالحرب العراقية الايرانية تلك الطاحونه التي اخذت من ابناء البلد مئات الالاف عبر السنوات الثمان في زمن الحرب وربما كتب المبدع هذه المسرحية وهو يتنبأ بما سيحصل لوطنه العراق في السنوات اللاحقة لكتابته هذه المسرحية فالرمز الثوري في المسرحية هو ( لوركا ) .

ابتدأ من العنوان منوهاً بان الليلة الاخيرة للوركا هي الليلة الاولى من ليالي الظلام الطويلة في وطنة ولوركا هو رمز الثوار في وطن الكاتب الذين لم يقترفوا جريمة كي يساقوا الى اعواد المشانق أو مكائن ثرم اللحم البشري واحواض الاسيد بل عبروا بكل صدق ووفاء عن مطالب الشعب ولم يرضخوا لانظمة الحكم المستبدة وكاتب المسرحية المبدع هنا يدرك ان المثقف الثوري هو من يساهم في تشخيص الممارسات اللانسانية من الانظمة تجاه الشعوب وعندما يبدأ عرض شخوص المسرحية يعرف الكاتب ( غارثيا لوركا ) بشاعر اسبانيا العظيم وهو العالم ( الكاتب ) ان في اسبانيا شعراء عالميين كباراً مثل ( رفائيل البرتي )و ( خيمنيت ) الا ان عظمة موقف لوركا البطولي جعلته الاعظم من بين شعراء اسبانيا ليس من وجهة نظر الكاتب وحسب ، بل في كل ارجاء المعمورة وما أن تبدأ المسرحية حتى تبدأ الجمل الثورية بالظهور عبر الحوارات في حوار الرجل1 مع الرجل2 حول هروب الملك من اسبانيا يعلن الرجل1 للرجل 2 الحدث عبر مانشيست الجريدة المكتوب باللون الاحمر من دون الالوان ولاحقاً وأثناء حوار الرجلين يطلق المؤلف جملة ثورية على لسان الرجل1 عندما يقول ( شعب تحمل عبء ونزوات الملكية والاقطاع والكنيسة فوق ظهره جيلاَ بعد اخر ... ماذا هل خلقنا بؤساء بالوراثة الا يحق له ان يلقي عن ظهره ذاك العبء ويبني مصيره.

هنا يبرز الرمز الثوري لدى الكاتب عبر رفضة للسلطة الملكية وكذلك يرفض النظام الاقتصادي برمز الاقطاع والنظام الاجتماعي وهيمنة رجال الدين المنتفعين من السلطات ووعاظ السلاطين بل انه رفض لعالم الرأسمالية وانتماءه للفكر الاشتراكي ولان الرجل 2 ملكي النزعه فهو بائس وحزين لمنظر الابتهاج والسرور لدى الجماهير فالمؤلف وعبر الرجل 1 يكاد أن يشتبك معه ويقول له اقطع لسانك ولا تفور دمي ايها الملكي القذر ويبرز عشق الكاتب للحرية والمساواة والقانون وهو مطرز فوق منديل الممثلة الاسبانية ( مارية ) حسب وصف المؤلف وفي حوار الشاب والشابة والذين من ابطال المسرحية يتبين انضمام الشباب وتأييدهم للثورة ليس في اسبانيا فقط بل في كل انحاء العالم اما بخصوص المرأة العجوز والرجل الشيخ فهم بالرغم من عدم انضمامهم للثورة الا ان حبهم للوركا يجعلهم يؤيدون الثورة وبعد ان يحين دور ضباط السلطة والقمع يصف المؤلف القائد خوسية كوزمان برجل منقبض الوجه وجاف وعنيد ودموي السلوك وحشي النظرات وبعد أن يخبر احد الضباط القائد كوزمان أنهم القوا القبض على لوركا يبدو القائد كوزمان مهزوزاً ومرتبكاً أما لوركا فأكثر صلابة ورباطة جأش فيخاطب كوزمان قائلاً أما كنت ايها البلبل تخشى من غضبة وتصادم الكبار هذا ما فعله تصادم الكبار حرب دامية جلبت كل الكوارث والدم ودفع الضعاف والعجزة والابرياء والشباب افدح الاثمان فبينما يقوم الحكام بالقتل العشوائي منتقمين ,, الثوار لا يتمنون اذى لآعدائهم .. لوركا يرد عليه أنا لآ ادعو حتى لعدوي أن يذاق طعم الخوف الحقيقي .. وعبر الحوار يظهر الكاتب المبدع الثوار مهذبين وهم لا يهابون الموت في المعتقلات فكيف وهم طلقاء وعلى لسان الثائر لوركا (لا تظنني ابداً سأخاف منك , أو أبتعد وارجو الا تستغل تهذيبي العالي ) وفي نهاية الحوار بين كوزمان خوسيه ولوركا وعندما يخبره خوسيه بقرب موته ببراءة يصف لنا الكاتب موت الثوار بأنهم لم يموتوا في ضمائر شعوبهم (أنا مثل اي انسان لست اكثر من عابر سبيل طيب فوق هذه الارض " هذه العبارة اتت نصاً من مقولة كارل ماركس "نحن نزلاء على الارض" بعد موتي سأبقى أغرد ,, وسيذكرني العشاق وكبار السن وسوف تدمع عيونهم بكلماتي ) وفي حوار كوتراليزا موسيقار غرناطة العظيم مع لوركا قبل ان يساقا الى الاعدام يستعرض الاول للوركا التحقيق الذي اجراه معه خوسية وكيف ان خوسيه عرض عليه أن يمجد الملكية ويسب الجمهورية يرفض ذلك ويقول لو أعطيت الف حياة أخرى والف موهبة أخرى والف عبقرية اخرى والف مجد أخر لن افعل ) أن هذه العبارة هي صوت المبدع وصرخته بوجه الكتاب الذين يمجدون الحكام وما عرضناه من رموز ثورية هي ابرز ما في المسرحية من رموز ثورية واما بخصوص الرموز الاممية فتظهر عبر استخدام ابرز الاسماء مثل ( لوركا , نيرودا , سلفادور دالي , قادة الثورة الفرنسية روبسيبر  ودانتي , وسان جوست وكمبل دي مولان وبروميثيه نسبة الى برومثيوس وبيلاطيس واسماء الاماكن اسبانيا والارجنتين وكوبا ولا يفوتنا ان نذكر الطعام المقدم للوركا من انخيلينا خادمته ، الذي تحتوي على الزيتون عندما تقول له خادمته الوفية انخيلينا هذه زيتوناتك ياعاشق الزيتون , لقد تغنيت بالزيتون كثيراً والزيتون كما هو معروف رمز السلام العالمي وكذلك يذكر شكلين من أهم اشكال انظمة الحكم ( الملكي والجمهوري ) وجدير بالذكر أن اول مجموعه مسرحية صدرت للقاص كانت بعنوان جيفارا عاد افتحوا الابواب عام 1969 .

وفي الختام ليس لنا سوى ان ننحني أمام ابداع الكاتب الراحل محيين فيه بسالته في الزمن الذي كانت تكتم فيه الاصوات عندما أنشأ تلك الاعمال الادبية التي خلدت نضال الانسان وحلمه من اجل غدٍ يتنفس فضاءه العدل والحب والنقاء


كركوك
 



 

free web counter