الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأثنين 17 / 9 / 2007

 

 


جدل دنماركي في شأن عراقي

دنى غالي

تابعت النقاش الذي دار في الصحف الدنماركية مؤخرا حول موقف الكتّاب الدنماركيين من الحرب الدائرة في العراق سواء من خلال اعمالهم الأدبية والفنية أو عبر اعتلائهم المنابر. أظن ان النقاش الذي توضح لاحقا عبر سلسلة من المقالات والمقابلات قد شمل الموقف عامة من الحرب ومشاركة الدنمارك فيها كطرف وتحديدا ما يعاني منه الشعب العراقي جراء قرار التدخل العالمي من اجل إسقاط نظام دولة. كنت احاول خلال متابعتي طيلة تلك الفترة ان أرصد بذات الوقت مدى تقدمي في تمرين الفصل بين العاطفة والعقل، لاسيما في موضوع معقد يخصني!

مافتح النقاش المذكور هو الشرارة التي أطلقها مقال نشر في مجلة "كريتيك" الدنماركية في عددها الصادر أواخر آب. المقال الصحفي الذي كتبه الناقد ميكيل برون زانكينبيرغ، وهو أستاذ محاضر في علم الادب في جامعة سوذدانسك، انتقد فيه عددا من الكتاب والشعراء الدنماركيين (المهمين)، في كون موقفهم المعارض من الحرب في العراق لا يعدو عن كونه ساذجا وسطحيا، كونه خطابا من جانب واحد ومعروفا ( كليشيه)، لا يؤثر في شيء، إلا على أدبهم سلبا، لاسيما وقد تم تصنيف هؤلاء تحت قائمة الكتاب المؤثرين في الرأي العام أو مانحي الشارع النغمة التي يراد لها ان تشيع. وقد طرح الناقد اسماء كثيرة جادة في نتاجاتها، كتاب مثل كيرستن توروب، اورسولا اندكير اولسون، إنجا إيركسن، كلاوس ريفبيرغ، كارستن ينسن، بيتر لاوسن، إيب ميكيل، توماس بوبيرغ وغيرهم.
ومن أول وهلة يأتي رد فعلي عاطفيا دفاعيا؛ وما الذي فعلناه نحن، الكتاب العراقيين؟ ما الذي بمقدور الادب والفن ان يفعله الان، سواء في الداخل أو في الخارج، ازاء وضع كالذي نمر به في العراق، وضع دولة متشرذمة تمكن منها السلاح، وضاعت هويتها الوطنية ؟
رد الفعل الذي تلا الاول كان؛
yes، أخيرا جاء من يبعث الحياة والحراك في الاوساط الثقافية الباردة في الدنمارك، رغم اني متفقة مع عدد من الكتاب، تربطني بهم صداقة، في ردودهم التي توالت والرافضة للتهم القاسية التي وجهت إليهم من قبل زانكينبيرغ. على الاخص في مجتمع يستميت السياسيون الحاكمون حاليا فيه لتمرير سياستهم بشتى الوسائل وبأدنى مواجهة ممكنة، وهو مجتمع صار يجنح الناس فيه ايضا، بما فيهم المثقفون، قليلا قليلا الى ضفة الصمت، الذي ليس هو بعلامة رضا ولا غير رضا ولا هو هروب أو هو تعبير عن اهتمام أو غير اهتمام أولامبالاة. ولكنه مجتمع صفى تعامله مع الاحزاب والمعسكرات و"الحقائق المطلقة"، يضيق بالقوالب والتعاليم والتحديدات والضوابط، وقد خرج بتجارب وخبرات ووعي أثرى في تكوين ذائقته وأرسى شروطا راسخة للثقافة والسؤال كيف سيتقبل على سبيل المثال عملا أدبيا أو فنيا سياسيا؟ هذا كله يجعلني اتحمس لأمر إثارة النقاش من نوع: كيف تم استخدام تلك الطاقة الفعالة من قبل المتعاطين بالشأن الثقافي؟

الناقد في مقاله يأسف لكون الكتّاب الذين يذكرهم والذين يحتلون الصدارة ولديهم تلك المكانة المهمة بسبب ابداعهم لم يستغلوا ذلك في اعلان واضح وعمل مؤثر يدعم ما يدعونه. بل يمضي في قسوته الى القول بما معناه؛ ان كل من هبّ ودب صار يساريا يقف على المنبر ليعلن انه معارضا للحرب.
ولاشك ان الموضوع المطروح، الأصح أن يقال المحنة، والأكثر صحة نكبة العراق والعراقيين، يمكن اعتبارها عالمية الان، حيث ان العالم في غالبيته له يد فيها. الجدل حول هذه المحنة في جانبه الدنماركي يدخل المثقفين مرغمين في نقاش مع او ضد السلطة الحالية، لاسيما وانها حكومة يمينية، قد اعلنت منذ تسلمها السلطة الحرب خفية على المثقف. وتكاد هذه الحكومة أن تتبنى سياسة بوش ذاتها (إن لم تكن معنا فأنت ضدنا). لذا وللأسف اخذ النقاش منحى: ان كنت ضد الحرب فذلك يعني انك ضد السلطة. واتهم الناقد زانكينبيرغ المعارض للحرب جراء نقده هذا بانضمامه الى جناح اليمينيين لمجرد تناوله لطبيعة احتجاج المثقف على الحرب والاستهانة بدوره.
وبالنسبة لي فمن العجيب ان يدور النقاش ويأخذ هذا الاتجاه الراديكالي؛ الانقسام الى جناحين في النقاش، والذي جعل زانكينبيرغ يعبر عن اسفه لبعض الردود الغاضبة معتبرة النقد موجها الى شخص الكاتب المعين وليس دعوة الى فتح الحوار وطرح الأفكار. وإثر رد فعل المثقف هذا يستنتج الناقد زانكينبيرغ وجود أزمة فعلية في الديمقراطية للمجتمع الدنماركي. يؤيده في طروحاته تلك توا سايدنفادن، رئيس تحرير صحيفة البوليتيكن، كبرى الصحف في الدنمارك، حيث يعد سايدنفادن من اهم المفكرين المحللين للمجتمع حاليا.
ولم تخل الردود من استهجان ورفض من قبل غالبية الكتاب هنا الذين اعتبروا الطرح بلا معنى وان الناقد لم يقدم أسانيد في مقاله لكي يتم مناقشتها. الكاتب إيب ميكيل في رده على التهمة اطلق على الجدل بـ "حرب القيم"، بينما رفض الشاعر بيتر لاوسن الاتهام كلية وترجمه بكونه رغبة بإعادة مرحلة غابرة كان التقسيم فيها يسير وفق جناح اليسار أواليمين. بينما تعترض الكاتبة كيرستن توروب على وضع الاسماء المذكورة كلها تحت قائمة واحدة، فهي لا تعتبر نفسها "باسيفيست - من دعاة السلم" مثل الكاتب كلاوس ريفبيرغ، الذي كان ايضا من جملة الكتاب المتهمين بقصورهم. في ردها تذكر توروب بانها كانت من بين الاوائل الذين طالبوا بإيجاد حل للصراع الذي دار في يوغسلافيا سابقا، وقد قادت حملة من أجل التدخل لوقف المذابح في الصرب والبوسنة في بداية التسعينات، وهوجمت مع مؤيديها الذين وصفوا جميعا أنذاك بمهووسي الحرب.
لكن زانكينبيرغ يوضح رأيه في قوله أنه لا يكفي ان نلقب رئيس الوزراء بالغبي أو ننادي بوش بالاحمق طوال الوقت، ثم ماذا...؟ يجب ان تكون هناك تبريرات منطقية، أن تثار نقاط مقنعة للجدل وان يأتي الكاتب بأعمال جادة. ويتناول كمثال هنا جورج اورويل في انكلترا عندما كتب "مزرعة الحيوانات"؛ " لم يقل حينها أورويل ان ستالين غبي وتشرشل مجنون. كانت هناك بورتريهات لحيوانات طريفة ومزعجة بنفس الوقت، وهناك طعن مباشر لأشخاص معينين، ولكن لا يمكن أبدا ان يختزل الطرح الى ستالين غبي وتشرشل مجنون. هناك شيء ما يدور عند اورويل، وهو الجمالي والايديولوجي معا الذي هو تماما ما أفتقده في نصوص الكتاب والكاتبات الذين أذكرهم في مقالتي". يقول زانكينبيرغ؛ " بأن على الكاتب ان يزيح بعض الدوغمات الموجودة لدينا عن امكنتها، لذا يجب ان تكون الكتابات مختلفة واكثر قوة وفاعلية ان شاءت تبنّي موقفا سياسيا على الاخص، بهذه الطريقة فقط تبدأ افكار هنا وهناك بالبقبقة في الرؤوس". ولاشك ان يدور بذهني التساؤل كيف يمكن للمبدع العراقي ان يريح أذني المواطن من كلمات ونعوت مثل ( النظام المقبور البائد والكافر وازلام السلطة الدموية وغيرها ) لا يني جل ممثلو البرلمان العراقي اطلاقها بتكرار ممل دون فعل يذكر!
خلال ذلك الجدل يتردد ذكر الكاتب والمسرحي الدنماركي كلاوس بيك نيلسون بالمقابل كمثل إيجابي على فاعلية العمل الفني الذي قدمه عن العراق، فقد سافر الكاتب الى العراق في الشهر الاول من عام 2004 مع زميل له مصطحبين معهما حقيبة الديمقراطية وقد زارا مدن العراق في رحلة طويلة، ابتدأت في عبورهما الحدود مع الكويت وحتى بغداد، وقد انتهت جولتهما باصدار كتاب في العام 2005 تحت اسم "فعل انتحاري" الذي يتحدث باسلوب لا يخلو من النقد الذاتي والسخرية عن اثنين من الدنمارك يرتديان البدلة وربطة العنق يسافران من أجل إرساء الديمقراطية في العراق. العمل تم تقديمه على المسرح في العام 2006 ويحمل العنوان ذاته.
وبالطبع لم يدع بعض الصحفيين والنقاد المعادين للكتاب اليساريين الفرصة تفوت من دون تجيير نقد زانكينبيرغ لصالحهم واعتباره مدعما لما يحاولون تأكيده في كون هؤلاء الكتاب المعارضون بالإسم لا يجيدون غير اللغو على جنب في حفلات استقبال دور النشر وغيرها من الاماسي الشعرية في المقاهي من دون فعل شيء حقيقي. كما هناك من الصحفيين من فصل الأجيال المتقدمة من الكتاب عن الاجيال الجديدة في كون الاخيرة اكثر حماسة ونقدا للذات في كتاباتها من فئة الكتاب الذين سبقوهم المتنعتين والمتعالين في نظرتهم والذين يفرضون وجودهم رغم تكرارهم لأنفسهم.

كان هذا ملخصا لعرض الجدل الذي دار، رغم انه وللأسف وكما يبدو قد خنق قبل ان يتاح له التوسع كما اريد له، وهو ما اشعر ان الدنمارك بحاجة له الآن بسبب هيمنة صوت السلطة ومحاولة تسويق سياستها التي ادت الى تناقص الاصوات المثقفة التي تعلو معترضة. هذه الاصوات كما يرى أصحابها تلمس تهميشا عن عمد متهمة الحكومة في لعب دور سلبي في توجيه الاعلام وتوحيد صوته وتشتكي في كونها لم تعد تقابل كما السابق بالدعم والإسناد والانصات من قبل الناس. بالمناسبة يدور النقاش حاميا في الصحافة هذين اليومين حول ضرورة اقالة المعلق السياسي لجريدة اليولاند بوستن بعد تعيين زوجته كارين يسبرسن حديثا وزيرة للشؤون الاجتماعية.

قد يكون النقاش الذي دار في الدنمارك وتبادل التهم بين المثقف والسلطة والصحافة هو موضوع ليس بالجديد وهو من مقومات الحراك في مجتمعات الغرب فلا يمر تغيير أو طاريء من دون محاسبة فالاجواء، رغم التغيير الذي ذكر والاحتجاجات من قبل المثقفين بشأنها، تبقى ديمقراطية وحرة .

لكن تناول الجانب الاخر من الموضوع هو الاكثر إلحاحا الان، إذ كيف لتجارب العالم ان تمر من دون ان تفيدنا في شيء؟ كيف اتت الهند برجل مثل غاندي وكيف انتصر نلسن مانديلا لشعبه ونال حقوقه؟ أو كيف ظهر أدب الـ"
Beat generation " وعلى رأسه الكاتب الامريكي جاك كيرواك ( يذكر بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين قبل ايام على صدور كتاب كيرواك " على الطريق" انه من ضمن كتابين إثنين لا يغامر أصحاب المكتبات بعرضها علنا حتى اليوم وبعد اصدار طبعات لا تحصى منها منذ نشرها لاول مرة بسبب السرقة).
لا املك غير ان اكرر هل يمكن ان يكون للمثقف العراقي في داخل العراق وتحت التهديد والسلاح دورا فعليا حاليا؟
وإذا كان الناقد زانكينبيرغ قد قام بمحاولة لرصد ما تم تقديمه من اعمال ادبية دنماركية خلال الاربع سنوات الاخيرة منذ قيام الحرب في العراق فنحن بأمس الحاجة بالفعل الى استعراض وبحث لدور الفن وقيمته ومستواه في زمن الحرب طيلة الثلاث عقود الاخيرة.