الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأربعاء 16/4/ 2008

 

شفاهيات
عرض بلجيكي - عراقي ...

السيارات المفخخة كابوساً مسرحياً

صلاح حسن - انتفيربن (بلجيكا)
 


من العرض المسرحي «شفاهيات»

تبدأ مسرحية «شفاهيات» التي تقدم على مسرح «مونتي» في مدينة انتفيربن البلجيكية بانفجار عنيف لسيارة مفخخة في سوق شعبي يوقع عشرات القتلى والجرحى رجالاً ونساء، بائعي خضار ولحوم، أطفالاً، شحاذين، امرأة حاملاً، جداً وجدة و.... ميثم ألبو ذبّاح المخرج السينمائي العراقي. السينمائي الميت في انفجار السيارة المفخخة تصعد روحه إلى السماء عبر نفق أو حلزون طالما تحدث عنه العائدون من الموت في الكتب. نفق في نهايته ضوء يستمر حتى الوصول إلى العالم الآخر. في النفق تلاحق ميثم ألبو ذبّاح السيارات المفخخة لتقطع حكايته التي تُروى بطريقة لا إرادية. في نهاية النفق وعندما يتحرر أخيراً من موته المجاني ويصل يظن أنه وصل الى الجنة الموعودة ولكن لا تستقبله حارسة العالم الآخر لأنها تظن أنه انتحاري جاء ليفجر نفسه في الجنة. الحارسة تعيده إلى الأرض ليتفسخ مع الجثث المتفسخة المتطايرة في السوق والمتروكة من دون أن يجرؤ أحد على جمعها في توابيت.
حكاية عن حياة سينمائي عراقي يتعرض فيلمه لمقص الرقيب ويصبح الفيلم مادة مضادة للمخرج بعد أن كانت مادة مضادة للديكتاتور. هذا السينمائي يموت على أيدي الإرهابيين. كان شخصية مناضلة ساخرة تجرأت حتى على توجيه النقد المباشر للديكتاتورية، منحدر من عائلة علمانية أو ماركسية أو شيوعية. وكعادة العائلة العراقية ثمة انحدارات مذهبية متنوعة: الأب من أصل شيعي والأم من عائلة سنية بحيث عاش الوالدان في أيام الجامعة قصة حب شهيرة.
هذا السينمائي ونتيجة اضطهاد النظام السابق واحباطات تشويه عمله الفني صار سكّيراً في اتحاد الأدباء، سكّيراً ساخراً من الوضع القائم كله وله نكات شهيرة عن صدّام أدت به مرات إلى زنازين الأمن العام. في الزمن الأميركي تغيرت نكاته فأصبحت عن الانتحاريين والصدريين والبرلمان وغير ذلك. السينمائي يصاب بمرض السكّري ويصل الى مرحلة خطرة تضطره الى أن يترك الكحول. عملية تركه الكحول تقوده إلى كوارث غير متوقعة، فالحرس الوطني يرى فيه شخصاً أصولياً والقاعدة والمقاومة تريانه رافضياً، وبالنتيجة يقتل هذا السينمائي الشهير على أيدي الإرهابيين.
قصة موته تأخذ أبعاداً بين الميثولوجيا والمبالغة العراقية والحكاية الشعبية العراقية فيصير الميت تارة شخصية أسطورية وتارة سيداً وتارة بطلاً ميثولوجياً وطوراً بلطجياً. هذا الخليط يرتبط أيضاً بخليط معاصر هو التكنولوجيا التي دخلت العراق بعد تأخر مريع سببه النظام السابق.
«شفاهيات» كمسرحية تريد أيضاً أن تدرس الحاجة بين الحركة والنص، ما هي طرق لقاء الحركة اللاتشخيصية اللاحكائية بالنص؟ يلعب الجسد دوراً يجب أن يقرأه الآخر المتلقي الشريك وهو «كود» غير لغوي أي غير قابل للترجمة إلى كلمات. النص الكلامي هو كذلك «كود» يقرأه العقل والوعي.
«شفاهيات» تعتمد الحاجة إلى الصمت، إلى التوقف عن الحركة.
تعاون المخرج حازم كمال الدين في هذا العمل الشائك أحد أهم المتخصصين في العالم بمسرح الحركة انطلاقاً من تيار المسرح الحركي المعروف (البيوميكانيك). توني دو ماير الممثل الأول للمخرج الروسي بوكدانوف الذي أعاد تقديم مايرخولد الى الغرب منذ عام 1996. ومع ذلك عمد المخرج الى مقاربة مناقضة لمسرح ميرخولد الذي اعتمد في ما اعتمد على البيوميكيانيك والكوميديا دو لارتي.
هنالك ثلاثة أبعاد في العمل تكوّن العمود الفقري لسينوغرافيا العرض حيث لا سينوغرافيا سوى الصور الفيلمية، صقالة متحركة يقف عليها الممثل وكاميرا على ستاتيف. الصور الفيلمية تتوزع على ثلاث شاشات وتنطلق من «دي في دي» وثلاث كاميرات. على إحدى الشاشات الثلاث نرى لقطات لفيلم وكأنه الفيلم الذي أخرجه السينمائي القتيل. هذا العرض على الشاشة مصحوب بتوثيق عن حياة السينمائي وهو توثيق متخيّل مصحوب بتصوير ردود أفعال المشاهدين على الفيلم والحدث المسرحي. هذه المادة تمزج أحياناً مع تصوير حي للممثل الميت على المسرح وتفترق عنه ثم تعود إليه في تلاعب مع موضوع الريل تايم والتوثيق.
على شاشة دائرية نرى رأس الممثل فقط بقطر مترين، حديثه هذيان ميت منسي، وحين يصمت تظهر على الشاشة نصوص مما لم يُقل ثم يعود الى النص وكأن الشاشة ممثل ثانٍ أو صدى داخلي. الممثل الميت لا يتحدث بطريقة تشخيصية وإنما يعمد إلى تغريب عضلات وجهه وملامحه بحيث يصبح الوجه لوحة بيضاء قابلة للرسم.
وبالاعتماد على تقنيات البوتو (
Butoh) يطفح انفعال الممثل عبر عضلات الوجه ليتكون جسد كامل فضاؤه عضلات الوجه وهي ليست عضلات مختصة بترجمة انفعالات ما. هذا الوجه الذي احتل الشاشة البيضوية هو تعبير عن الجسد بكل انفعالاته. في الشاشة الثالثة يوجد مصور سينمائي يصوّر كل شيء ويقف مع الكاميرا على «ترافيل» بحيث لا تتحرك الكاميرا بل «الترافيل» هو الذي يتحرك ليصور بانوراما ومقاطع من المشاهدين ومن الممثل في لقطات نصفية ينتقل من خلالها الى «كلوز آب» على وجوه المشاهدين وردود أفعالهم.
 



 

Counters