الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأثنين 15/6/ 2009

 

ناظم حكمت في ذكرى رحيله أل(46)

- (انني اعتبر نفسي،لست وارث الثقافة التركية فحسب، وانما احد ورثة الثقافة الإنسانية  بأسرها)
- (إنني مع "المائة زهرة" شريطة أن تكون بين هذه الأزهار المئة ،زهرة واحدة على الأقل من أزهار الفن الاشتراكي،الذي هو  ليس زهرة من الورق، زهرة هي زهرتنا،وان يساعدونا على رعايتها)
                                                                              ناظم حكمت
 

حميد لفته -  كاتب من العراق

بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لرحيل  ناظم حكمت عن عالمنا، لا يسع محبيه إلا أن يجمعوا زهرة من كل  بيت ومن كل قرية وكل مدينة وكل بلد  وكل قارة من قارات  عالمنا الفسيح  ليضعها  على ضريح  أنسانا مات حبا  للإنسانية  وسلامها وسعادتها وأمنها، اشعر إن  ملايين الأيدي لكل أحرار العالم بغض النظر عن  ايدولوجيا تهم وأفكارهم وانتماءاتهم القومية والعرقية والدينية،  نساء ورجالا وأطفالا وشيوخا من كل العالم تشاركني  في وضع  هذا الإكليل  الجبار من الزهور على ضريحه لان قلبه احتواهم وأحبهم جميعا عسى أن يكون هذا الفعل  لائقا   بهذا القلب الذي وسع العالم بكامله.

وبهذه المناسبة  يسرني أن أضع أمام أنظار  محبي ناظم هذه المقابلة  التي يوجز فيها ناظم  أفكاره ومشاعره وأمنياته وتصوراته بخصوص الأدب والأدب الملتزم والذي نشرت باللغة العربية  قبل  خمسين  عام من الآن في مجلة(المثقف) العراقية  ((العدد الثامن والتاسع  مايس- حزيران 1959السنة الثانية))  مترجمة من قبل الدكتور أكرم فاضل بعد عام من نشرها في مجلة (الآداب الفرنسية) عام 1958. 

قامت مجلة ((الآداب الفرنسية)) باستفتاء أسمته ((ماهي الطليعة لعام 1958)) وقد صادف إن كان الشاعر العالمي ناظم حكمت في باريس،منذ ربيع 1958، ومن الطبيعي إن توجه إليه المجلة المشار إليها السؤال الذي وجهته إلى إضرابه من الأدباء والشعراء العالميين، وقد نهض بتوجيه الأسئلة الأديب الفرنسي شارل دوبزنسكي

ماهي الطليعة  لعام 1958

ماهي الطليعة لعام  1958؟
-
أرى أن طليعة 1958 أو طليعة 1978 أو طليعة 3000 هي سواء بسواء. إن رأي هو إن التشيع في الفن يمثل الخطر الأعظم. وعلى هذا فاني لا أميل إلى فرض فكرتي الخاصة، وإنني أتقبل وجهات النظر الأخرى كافة،ذلك لان الحقيقة؟، التي يعرف الناس أنها ليست أبدا مطلقة، لا يمكن الحصول عليها الا عن طريق وحدة المتناقضات.

إن الطليعة تتحدد، مهما كانت،اعتبارا من مضمون contenu ومن شكل forme ، وفي الطليعة ،كما افهم،المضمون هو الانعكاس الناجم عن الحقيقة الإنسانية، التي تؤلف بالنسبة إلي التزاما، والشكل هو الإيجاز والاختصار والاقتضاب والتحديد ،لان القضية هي قضية الوصول إلى الهدف بصورة مباشرة وألا  نكون كضوء القمر وإنما كنور الشمس.

إن الشعر يثير مشاكل تعبير خاصة، بحيث انه ليس من الممكن دائما حلها في مثل هذه الحالة من التوازن بين الواقع الإنساني وبين اقتضاب اللغة، فهل يبدو لك هذا كضرورة مطلقة من ناحية علم الجمال، ولأي سبب؟؟
-
إنني أعيد واكرر بأنني أتقبل تقبلا كاملا النظريات الأخرى، أتقبل الشعر ألزخرفي أو البياني والمتذلق والتجريبي، إنني اقبل كل ماله قيمة فنية وقيمة إنسانية،ولكن إذا كان لي حق الاختيار،فاني أوثر اللباب والبساطة. ويجب أن تكون القصيدة بحيث إذا نزعت منها فارزة واحدة فقط انهارت القصيدة من أساسها. ينبغي بناء القصيدة على نحو تبلغ به الجوهر. وفي حقل التعبير اعترف  بالإمكانيات كلها. وإذا أردت سببا نظريا يشرح ذوقي الذي تتسلط عليه البساطة، التي تحدق بالجوهر من كل جهاته. اقو ل إذا أردت السبب قلت لك: لعل هذا هو رد فعل ضد الفن التقليدي للديوان الشعري، ضد التجريد والبرقشة والبهرجة في العقلية الشرقية.

هل تفضل أيضا بعض المواضيع أو بعض الكلمات؟؟
-
إنني لا اعتقد بوجود لغة أدبية بصورة نوعية أو صورية ولا بوجود مواضيع نوعية.إنني مع جميع الكلمات ومن جميع المواضيع. وبعد ذلك فهناك مسالة أخرى أود مناقشتها: إنني اعتقد إن الناس يستطيعون التعبير عن أنفسهم بصورة شافية وافية، سواء بواسطة الأبيات التقليدية المقفاة أم بواسطة الأبيات الحرة. فكل قصيدة تشكل وحدة. فالقضية إذن هي قضية البحث عن الشكل الخاص المناسب وملائمة هذا الشكل الخاص المناسب لمضمون القصيدة. وقد تكون الأشكال الكلاسيكية أو الأشكال الفوكلارية ملائمة فنأخذ بها، وإلا فينبغي حينئذ إبداع أشكال جديدة. وحتى حين يتحتم علي استعمال السوناتةsonnet ، التي هي ليست شكلا تقليدا في وطني، أقول حتى في هذه الحالة المهم لدي هو عدم تقليد السوناتة الكلاسيكية، بل الإبداع حتى ضمن التقليد نفسه، هناك في الحقيقة وحدة مضمون وشكل،ولكن في الوقت نفسه،هناك تأثير متبادل بين المضمون- الشكل- والمضمون هو الذي له الصدارة،ولكن في مقدورنا نكران تأثير الشكل في المضمون.

هذه الحقيقة علاقة ديالكتيكية بصورة جوهرية، كنت حددت معناها حين كتبت" رسالة إلى جماعة الشعراء الشباب" فلقد عرفتها تعريفا ظل منقوشا في ذاكرتنا. فاسمح لي أن أورد هذا التعريف:(( يجب أن يكون لكل مضمون شكله الخاص، هذا الشكل الذي يعمل على إبراز هذا المضمون بشفافية الجوارب الحريري، ويلتصق التصاقا تاما بهذا المضمون)). ولكنك أثرت توا التقليد الأدبي لوطنك، فأي دور يلعبه في اختيار الشكل؟؟
-
هذه مشكلة مهمة كما هي مشكلة الأشكال الوطنية في الأدب مهمة أيضا. فقبل كل شيء، إنني اعتقد بوجود أشكال قومية واضحة المعالم من الوجهة التاريخية لكل قطر. وفي وطني تركيا، كل فترة لها شكل خاص ملائم لها، وهذا الشكل يتطور مع تطور الأمة،مع تطور الشعب،ولكن تحدث تبادلات وتأثيرات بين ثقافات الأمم المختلفة، وبوسعنا أن نجد، في كل شكل وطني،عنصرا واحدا أو عدة عناصر لأمة أخرى أو  لأمم أخرى مختلفة. وهذا يضفي عليها طابعا من الشمول والعالمية. أما أنا فأنني اعتبر نفسي، لست وارث الثقافة التركية فحسب وإنما احد ورثة الثقافة الإنسانية بأسرها أيضا. وحين احدث عن الثقافة ، فأنني لا افكر في الثقافة القديمة لليونان أو بثقافة عصر النهضة فحسب، وإنما أفكر في ثقافات أسيا وإفريقيا وأمريكا. وإنني بوصفي إنسانا غربيا، فخور بكون الثقافة الغربية قد ساهمت في نمو ثقافة وطني، وإذا  عكست الأمر قلت: إنني فخور بكون هذه  الثقافة، وكل ثقافة الشرق، قد أغنت الذمة الإنسانيةPatrimoine Humain  ومن ضمنها ذمة الغرب وفي ملتي واعتقادي، إن الإنسان هو غني غني موسيقيا إذا استطاع إن يكون حساسا متذوقا للموسيقى الألمانية والصينية أو التركية في آن واحد.

ومن السخافة إن ننكر الديون المدينة بها كل ثقافة للثقافات الأخرى. وهذا بالضبط ما ذكره الشاعر  آراجون Aragon حين طالب، أثناء منحه جائزة لينين، بعدم غمط نصيب الشرق في تقدم العقل البشري.

ورغم ذلك يخيل إلي إن جزءا ،على الأقل، من الأثر الأدبي،وبصورة خاصة، من الأثر الشعري، من الإنتاج القائم على الخصائص القومية للغة أو على بعض أشكال الفكر، هو غير قابل للنقل إلى غير لغته الأصلية إلا بصعوبة. فهل نستطيع أن نسمي هذا الضرب من الإنتاج بالإنتاج النوعي الخاص؟؟ إن كتابا أو شعراء كثيرين،ليس إلى نكران أهميتهم من سبيل،ظلوا"غرباء "علينا، حتى بوجود ترجمات أمينة جدا،لمؤلفاتهم، كل ذلك لان يبدو إنهم يعبرون عن أنفسهم وفق قواعد طريقة نختلف عن قواعد طريقتنا من ناحية الحاسبة، او ان بعض الأمور المسلم بها تفلت منا،وذلك فيما يخص الطابع الوطني للغتهم.
-
هذا غير صحيح إذا عممته على جميع الكتاب والفنانين. قد يوجد في كل مكان كتاب وفنانون حساسيتهم ليست وطنية كل الوطنية. فإذا اقتصرت هذه الحساسية على المنابع الوطنية، فان المبدعين سيضيعون جزءا من مقدرتهم. وهاك  هذا المثال الحديث، وهو انك نشرت في جريدتك قصائد لماوتسي-تونج،كانت قد كتبت على النهج الصيني التقليدي،ومع ذلك ورغم الشكل الكلاسيكي والترجمة، فان المضمون ظل حي التأثير في أي إنسان في القرن العشرين.وأضيف إلى ذلك إن علينا أن نهنئ أنفسنا، بهذه المناسبة،على الموقف المتخذ من قبل احد قادتنا تجاه المشاكل الأدبية المثارة من جراء نشر قصائده. إنني سعيد لكونه تحدث على هذا النحو.ذلك لان لينين كان هكذا.

إنني لا أنكر،لأجل الرجوع إلى حديثك،وجود شعراء وطنيين إلى أقصى حدود الوطنية لا يستطيعون أن ينالوا التقدير الذي يستحقونه إلا في وطنهم الخاص أو في بعض الأقطار الأجنبية دون الأقطار الأخرى،ولكن في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية شعراء طليان عديدون ،ومن ضمنهم أولئك الذين يعودون إلى الجيل الفتي، وهم معروفون ومقدرون حق قدرهم.وحسبما اعلم، الأمر كذلك  في فرنسا،حيث يحظى الشاعر مايكوفسكي رغم ذلك بحب الفرنسيين.فالشكل الشعري لمايكوفسكي صعب للغاية،ومع ذلك، يوجد في حساسيته شيء له صفة  الشمول والعموم يجتاز الحدود ويخترق حواجز اللغة.

 وما دمنا نتحدث عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.فانه يتحتم على إن أشير عليك بشاعرين مهمين كل الأهمية هما : سلتسكي ومارتينوفSloutsky Et martinov وهما الشاعران اللذان يعبران عن نفسيهما في شكل وطني بصورة نموذجية، ولكن مضمون هذا الشكل على جانب عظيم من الشمول والعمومية، بحيث انه لو ترجم هذا المضمون إلى الفرنسية لنال كل التقدير من الجمهور الفرنسي.

لقد تحدثت فقبل هنيهة عن موقف احد القادة السياسيين،الذي هو أيضا شاعر،تجاه مشكلة أدبية خاصة. وإذا عكسنا الأمر تساءلنا: ماذا يجب أن يكون حسب رأيك موقف الشاعر حيال المشاكل السياسية؟هل ترى إن له دورا عليه أن يلعبه ورسالة عليه أن يؤديها؟ وبكلمة واحدة، هل تعتقد بضرورة مايدعونه ((الالتزام)) مع احتمال كون هذه التسمية تعسفية؟
-
انك تعلم إنني عضو في الحزب الشيوعي منذ عام 1923، وهذه العضوية هي اعتزازي الوحيد. ويخيل إلي إن سياسة الحياد يمكن أن تكون نافعة وفعالة بين الدول، ولكن ليس لدى الكتاب. فليس هناك بين الناس. لاشك ،من يستطيع إن يدلني على كاتب عظيم واحد،في تاريخ العالم،ظل محايدا بصورة تامة تجاه مشاكل عصره.. يستطيع الناس أن يعتقدوا إنهم محايدون وان يعلنوا عن هذا الحياد، ولكنهم ليسوا أبدا محايدين بصورة موضوعية. أما أنا فأنني  أفضل أن أكون ملتزما ولكن عن وعي تام.

إذا سلمنا بهذا المبدأ فلنا أن نتساءل: في أي اتجاه يجب أن يمارس الخلاق المبدع نشاطه؟
-
إنني اعتقد إن على الكتاب، على الكتاب الشيوعيين بالدرجة الأولى، أن يضعوا أدبا يصبح احد المصادر الضرورية لمعرفة الحياة. وإنني أتذكر دائما جملة  لكروبسكايا Kroupskaia في ذكرياتها عن لينين،فقد لاحظ  إن الأدب الروسي في نظر لينين كان احد مصادر معرفة الواقع.

وبودي أن اكتب شعبي وللشعوب الأخرى ولأعضاء حزبي، قصائد وقصصا ومسرحيات تمثيلية لها هذه المزية، وان ابدأ من المنتسب الجديد وانتهى إلى كل زعيم.ولكن، في سبيل  هذا الهدف، ينبغي أن نحسن إصابة الهدف رأسا، والكتابة باختصار،دون زخرفة وبهجة،دون ضياء القمر،دون أن نحاول الإمساك بالإذن اليمنى باليد اليسرى.

وهذه هي مشكلة دائمية لكل طليعة، ستدوم حتى في المستقبل.

ولكن ماهي،في الساعة التي نحن فيها،المشاكل التي تثيرها العلاقات بين الكاتب والشعب. وبتحديد اكبر، ماهي المشاكل التي تثيرها العلاقات بين الكاتب وبين المجتمع الاشتراكي، مادمت تعيش في اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية أو في الديمقراطيات الشعبية؟
-
إنني اعتبر إن على الكاتب أن يساعد الشعب والحزب في بناء المجتمع الاشتراكي. والمهم في الأمر هو معرفة كيف يستطيع الكاتب أن يقدم مساهمته: العنصر الجوهري في الموضوع ،قبل كل شيء،هو أن تكون للكاتب قريحة ،وإلا فليس بوسعه أن يقدم شيئا حتى للأدب.

 بعض الكتاب ترفع من شانهم (لمودة) فيلاقون نجاحا وقتيا.ولكن هذا النجاح زائل، نجاح لا ينبغي أن نخلط بينه وبين النجاح الحقيقي، هذا النجاح الذي يتطلب أحيانا فترة طويلة، بغية ترسيخ أقدامه، ولكنه هو النجاح الباقي.

واعتقد من جهة  أخرى إن على الكاتب الا يخشى مهاجمة جميع المسائل التي يتخبط فيها مجتمع في دور التكوين، وان يعالج متناقضات هذه المسائل.

هذا ما صنعته أنت في مسرحيتك الانتقادية اللاذعة المعنونة "هل كان ايفان ايفانوفيتش موجدا؟"

Ivan Ivanovitch   A.T.IL Existe ?

تلك المسرحية  التي قرانا ترجمتها الفرنسية في مجلة "الأزمنة الحديثة"،ولكن الم يلوموا بعض الكتاب، ولعلهم لاموك أنت أيضا، على إلقاء  ضوء سلبي كل السلبي واسود كل الأسود على المتناقضات في سبيل فضحها فوضعوا أنفسهم في تناقض مع المجتمع؟
- من المستحيل أن يتناقض كاتب شيوعي في مجتمع اشتراكي مع هذا المجتمع.ولن  يكون كذلك إذا عمل في مجتمع آخر، إذ سيلاقي عند ذاك صعوبات مختلفة كل الاختلاف. ففي تركيا مثلا، تركيا التي هي قطر شبه إقطاعي شبه رأسمالي، لو خلقت((ايفان ايفانو فيتش)) باعتباره من الشخوص التركية، لانتهى الأمر إلى وضع جديد للغاية، بحيث إن بيتروف يصبح،في ظروف المجتمع التركي،لعبة بين يدي ايفان ايفانوفيتش بصورة أكيدة فلا يمكن حينئذ أن يتغير شيء، في حين  إننا نستطيع أن نؤكد إن ايفان ايفانوفيتش في مجتمع اشتراكي يتغير ويتغير على الدوام. وإنني  شخصيا ابشر بأدب  الحزب في عزيمة وإصرار،ولكن هذا لا يعني مطلقا إنني لا اعجب في فرنسا أو في غيرها من الأقطار بإعمال الكتاب غير الشيوعيين؟

ماذا تعني بأدب الحزب؟
-
إنني أحاول أن افهم هذا كما فهمه لينين. وهذا مطلب في غاية الصعوبة،ذلك إن هذا الأمر،شانه في ذلك شان جميع الأفكار العميقة، يبدو ظاهرا في غاية البساطة. وقبل كل شيء،بوصفي كاتبا وبوصفي عضوا في الحزب،أقول إن الرابطة القائمة بيني وبين الحزب ليست قط رابطة سلبية،وإنما هي رابطة ايجابية. فهناك تبادل: الحزب يقدم إلي شيئا ما،وأنا بدوري، يجب إن أعطيه شيئا ما.

إنني مرتبط بالحزب بمافيه من أنظمة ومنهاج مقبولة من قبل المؤتمر. وخارج هذه المبادئ المقررة ،لا اتلقى أمرا من احد،إنني استوحي ،بطبيعة الحال،من كلمات أوامر الحزب،من كلمات أو أمر الحزب،لأجل نشرها وجعلها شعبية،ولكنني ابذل جهودي لرفعها إلى مستوى فني بصورة حقيقية.

ومن جهة أخرى ،إنني أحاول إن اعمل بحيث أن الحزب يتعلم ويفهم روح الشعب عن طريق  مؤلفاتي،، قال انجلز(( إن الشعراء يقرءون أسرار المستقبل)). وإذا كانوا قادرين على اكتناه الغاز المستقبل، فاني اعتقد أنهم يستطيعون إن "يستروحوا" رائحة مشاكل الحاضر بصورة أفضل،فليس من الممكن إن يكون هناك تناقض بين المواضيع العامة،التي يضعها الحزب وبين ما يستشعره الشاعر.

الا تخشى أن ينتهي الأمر على هذا المنوال إلى "التمجيد" بل إلى "التطبيل والتزمير" لبعض المواضيع لخارجة عن وحي الشاعر وإلهامه؟
-
على رسلك! إنني لا اقول بوجود "التمجيد" فليس الفن هو التمجيد بدا. ومع ذلك، فحين يكون هذا ضروريا،إذا سألوني مثلا إن استوحي مشكلة آنية واجعلها شعبية وأعممها،فاني أحاول أن أقوم بهذه المهمة بأمانة وشرف.

لقد كتبت في حياتي قصائد وأغاني ظرفية،في حادثة إضراب وقعت  مثلا.ولكن من جهة أخرى حاولت إن اعكس،في إحدى الملاحم فترة من فترات التاريخ بكاملها. ورغم جميع العقبات ورغم جميع الصعوبات،  فاني اعتقد إننا نستطيع أن ننتظر "سبوتنيكا" في حقل الفن أيضا، فجميع الظروف الاجتماعية الموجودة حاليا مؤاتية لذلك، ولكننا مازلنا في مضمار التجارب التمهيدية.

علينا إن نجابه كثيرا من الصعاب وان نتغلب عليها وان نتحمل ضروبا من الفشل،وإذا كنا لا نرى الاحتمالات فإننا لا نستطيع أن  نؤمل الوصول إلى نهاية التجارب.

وتتويجا لهذه الفكرة تحدث إلي ناظم حكمت عما يسميه ((سبوتنيكا موسيقيا)) وهي باليه لكارا- كاراييفKARA-KARAAILF رآها في موسكو وموضوعها مقتبس من قصة من قصص أفريقيا الجنوبية.

والقضية قضية حب رجل اسود لامرأة بيضاء،وكل الباليه مستوحاة من الموسيقى الفلكلورية الزنجية في إفريقيا، مع مواجهتها بالموسيقى الغربية.

وقال ناظم حكمت شارحا:
-
وهذا شيء جديد كل الجديد في الاتحاد السوفياتي ، وذلك إن تستطيع الباليه الكلاسيكية ن النمو في منحى الموسيقى الإفريقية، وقد تشربت روحها بكل شذاها، وبكل حبها للذات الجسدية، أليست هذه خطوة  إلى الأمام في الفن؟. وهناك جديد في المسرح كذلك،هذا إذا لم  نأخذ بنظر الاعتبار إلا مسرحيتين حديثتين،مثل ((الينبوع الأزلي)) الذي  يظهره لنا لينين في تصوير إنساني ويومي،و ((فتاة المصنع)) التي تتضمن نقدا حادا لبعض مظاهر الكومسمول ( اتحاد الشبيبة الشيوعية البينينية في الاتحاد السوفياتي  Komsmol) وفي مسرح موسوفيت حاولوا تجربة أصيلة، ابتداء من إنتاج كلاسيكي هو (( عرابات ونيدسور الطروبات)) .فالواقع إن العرض المسري بدل أن يتحدد في المنظر تتابع الدهاليز،وخلال فترة الاستراحة لعب الممثلون في كل المسرح،الذي استحال لي مهرجان من مهرجانات عصر النهضة بعازفيه على القيثار وبرساميه ومهرجيه.لقد كانوا يقرؤون مؤلفات شكسبير،وفي صالة استحالت إلى متحف كانوا  يبيعون آثاره.
يجب علينا إن نذكر أيضا هذا الذي اعتبره أنا شارلي شابلن السوفياتي.
الممثل المعجب اركاري رايكينArkabi Raikine    باعث المنمنمات Miniatures وكذلك التمثيليات المدهشة للمؤلفات المسرحية اليونانية القديمة على المسرح الدرامي لمدينة تفليس. وإذا شئنا توخي الحقيقة قلنا. إن موسكو كانت، في عهد منة العهود،جنة التمثيل، بميرهولدتيروف والمسرح اليهودي واختانجوف وستانيسلافسكي. فقد كان لكل مسرح أسلوبه ومختبره وتجاربه المتبادلة. ولكن كل واحد من هذه المسارح احتفظ بوجهه الخاص. ثم جاءت فترة ليست فيها المسارح نفس اللبوس تقريبا. وفي الحرب باستطاعة الزى الموحد أن يكون نافعا وضروريا، ولكن ليس في مجال الفن. وبعد المؤتمر العشرين عادت المسارح شيئا فشيئا إلى وجهها الأصل. وفي الفترة الأولى، كانت الجدة قائمة في الإخراج على وجه الخصوص،باستثناء مسرحيات فيشنكي ومايكوفسكي. أما اليوم فتبدو الجدة والطرافة في الشكل الرامي كما تبدو في مضمون المؤلفات.إنني اعتقد باستطاعة إطلاق السبةتنيك المسرحي الأول في الاتحاد السوفياتي.حين ستظهر في المضمون وفي الشكل جرأة متعادلة.

انك مؤلف مسرحي أيضا، فكيف كان استقبال مسرحيتك ((ايفان ايفانوفتش)) ياناظم حكمت؟.
-
لقد مثلت هذه المسرحية خمسين مرة في ستالينغراد  باديء الأمر، ومثلت بعد ذلك في ريغا Riga، حتى هذه الأيام الأخيرة ، وإنني اعتقد كل الاعتقاد أنها مازالت تشغل المسرح. وقد قيل لي إن نجاحها في موسكو كان عظيما. وكنت فخورا بهذا النجاح، وذلك شعورا مني بأنني كتبت نقدا لاذعا إلى حد الهجاء، ليس ضد  المجتمع وإنما لصالح المجتمع.

لقد مثلت هذه المسرحية خمس مرات فقط، ثم بعد إن استشار المدير جماعة المسرح سحبها رسميا من الإعلان، لكي تكون له مداولة معي بخصوص بعض  المشاكل التي  تعرضت لها هذه المسرحية. ولما كنت قد عدت إلى موسكو متأخرا أكثر مما كان منتظرا ، فلم يكن استئناف التمثيل في الوقت المطلوب. إنني اعتقد بعدم وجود أي مانع قانوني أو ايدولوجي من استئناف تمثيل هذه المسرحية. وقد يكون نصيب بعض المسرحيات أحيانا الانتظار مدة غير قصيرة، حتى تحظى باستئناف تمثيلها.

وعلى كل حال، فهذه المسرحية ليست مسرحية ملعونة، مادام إنها قد ترجمت ونشرت في عدة أقطار، وإنها مثلت أكثر من ثلاثمائة مرة في براغ Prague ، ومائة مرة في براتيسلافا Bratirlanaوفي ليبزج  Leipzig في مسرح شيللر  Theatre Schiler وفي زيفتنبرغ  Zefteuberg في الجمهورية الديمقراطية الألمانية.

هل لديك الآن  مشاريع أخرى تخص المسرح؟
-
لدي رغبة شديدة في أن اعمل على تمثيل مسرحية واحدة على الأقل في باريس، ولو كان غاية في الصغر، من المسارح التي يدعونها "جيب الصدرية" لصغره "Poche de gilet" لقد حملت معي إلى هنا مختلف المسرحيات،بمختلف الأحجام، وحين أصادف أصدقاء أقول لهم:- ( أعينوني على تمثيل هذه المسرحيات)). إنني متأكد إن هذه الأمنية ستسمع وتستجاب فنحن جميعا رابحون منها : رابحون في التعرف على فن سهل وعميق .

أفضى إلي ناظم حكمت بسره وهو يغادرني قائلا:

إنني مع (( المائة زهرة)) شريطة إن تكون بين هذه الإزهار المئة ،زهرة واحدة على الأقل من أزهار الفن الاشتراكي،الذي هو ليس زهرة من الورق، زهرة هي زهرتنا،وان يساعدونا على رعايتها.))

 

* ترجم المقال الدكتور أكرم فاضل
 النص منشور في مجلة المثقف العددان الثامن والتاسع  ص38-47 (مايس –حزيران- 1959) السنة الثانية
 
 

 

 


 

free web counter