الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأحد 13/4/ 2008

 

من البحر الإنساني غرفا الإبداع
آمال جبارة وسعيد الوائلي- أنموذجا

رحاب حسين الصائغ *
r.h_sag@yahoo.com

اقتربت من طابور الزبد العائم على وجه الألم الذي قادني لقراءة قصيدة الشاعرة التونسية أمال جبارة، علمت أن نهار الزغاريد أخذ معه الفرح وهرب، لذا حاولت الاقتراب من فضاء أسمه( لا) بين كلاهما( المرأة والرجل) لأن هم الذين يدركون هذا التفاعل الحسي  الإنساني، الاختلاف في الشكل لا يحيل إلى عدم الفهم عند الاثنان في الفكر، ولا يكون عائق عند أحدهم في طرح المعاناة البعيدة لوجودهم الإنساني، ما أبدعته الشاعرة آمال جبارة، في قصيدتها(مقبرة بحرية) يواكب ما أبدعه الشاعر سعيد الوائلي في قصيدتيه (غيوم) و( وقيامة بابل) الشاعر سعيد الوائلي يؤكد أن المرأة والتاريخ كالخط المستقيم لا يقبلان أي تفارق، الشعرة آمال جبارة أيضاً تجد التاريخ والعمق الموجود لا يقبلان وضع الحواجز بينهم.  

آمال جبارة وقصيدة(مقبرة بحرية) للشاعرة آمال نظرة تحمل خطورة التجربة، تتعقب الهواجس ليس مثل لووركا، لأن لووركا لم يثق بالقدر حين نبه بعدم المجازفة، الشاعرة آمال تسوق الأقدار على جمرات مخبوءة في ظل الغروب، أبدعت في جعل المفردة بحالة تصعلك، وطرحتها على حافة الموت، بقولها:

هناك....

حيث ينام الأقحوان قيد القبر من البحر

على بعد شهقة من " البرج "

تتسنى لي الحياة مرتين

ما بين قبر وعوسجة

صخور الفعل مرهقة

والعمق يحدث الزبد

يغازل الشواهد المؤنثة

نلاحظ الشاعرة آمال جبارة، تفتش عن لغة مجروحة يتعثر المشي بين أمواجها، احتمالات ومستحيلات وتمويهات وهواجس كلها تزقها شواهد مؤنثة، لكنها لم تتردد في الكشف عن المتأصل الممزوج بثقوب التردي، بقولها:

تستبيح الأرواح ترك الغطاء الحجري

آهلة أراها هاته المقبرة 

الليل يحب الانفتاح على مسالك...

بين القبور

يخلد زبد الصمت

حين تلألأ الأرواح نجوماً مبعثرة

الشاعرة آمال جبارة بخيط الصبر ترقع الريح التي تقاوم نسيج العنكبوت، لكن للبحر رؤية أخرى عندها، كزمان ليالي وأيام العرب ومفردات حياتهم الفاترة، أصابها التمزيق وعلا وسطحها طوفان من التخلف لم يعد يشاهدوه، ولا حتى من فتحات ضيقة في عقولهم، لدرجة أنهم يتصورن أنهم موج يلاطم الشاطئ، لذا توقفوا عن فتح الأقفال في أبواب التاريخ، بقولها:

أضرحة يزورها إلاَّ......... موات

يربكون هدوءها

تتداخل الظلال في الخميسات

في ليالي الجمعة  

أضحت طقوس الندب مشتقة بين الراغبتين

كم ممتع هذا الصراخ الأزلي

والرجع مقبور

حين الليل يحتضر في هذي الكف

 المقفرة

 الشاعرة آمال جبارة، تعلم الشرود مع الأجساد التي قضمها التعنت والعودة للماضي، شيء في قمة التخلف والموت عبر المستقبل، احتشدت أفكارها في تنوع جميل حول طرح الفكرة المصاغة، في قصيدتها( مقبرة بحرية) كأنها تريد أن تعكس مفهوم المرأة حين يقف شخصاً أمامها محاولاً معرفة نفسه، لذا استعملت البلاغة في التأثير على القارئ بمفردة " البحر/المقبرة " لتسحبه إلى تلميحات ذكية بحس جمالي متفوق، حملتها تلميحات غير مباشرة عن العقول الرجعية والمتمسكة بما هو ليس بفائدة في هذا العصر.

الشاعر سعيد الوائلي، وقصيدة (غيوم) يعيش مخاض حقيقي تجاه المرأة، تجاربه تحولاتها تحمل نمط البحث عنها، يشعر بحنين يغلفه الشك وفوارق أخرى تداعبه فيها الرغبة في تخيلها ثمة واقع هلامي، يقوله:

خفقة لا زالت تتماوج مثل غبار يتسرب

من عيون فجر ضبابي.

وعند المغيب

اتهجسك  تتسربين مع النسيم

كغمامة مطرٍ

غير مرئية

الشاعر سعيد الوائلي، لا شيء يمنعه من التفكير في المرأة، لكنه دائم التوجس في إحساسا ته نحوها، بقوله:

وبعد انتظار طويل

المحك

 نجمة هوت 

هالة الحقيقة

تستنبط الوميض

كما تستنبط الحكام!

بعيدة ومضيئة،

دافئة التكوين،

طقسية الرغبة,

والشوق...

أذاب كل ثلجها

الشاعر الوائلي، بتفهم متداخل مع أللاشعور، ومواكب لانبثاق حقيقي داخله، يمتزج مع المرأة بكل حناياه مولجاً العواطف ناحية أخرى، لذا لا يبتر الرغبة ولا ينعشها.

أما في قصيدة ( قيامة بابل) يؤكد لنفسه حقيقة تغالبه وتحمل التساؤل: ربما المرأة هي التاريخ؟ بقوله:

الخطوى

تحت الثلج

يكتنفها الصدأ

وصوتك

قبة الأبواق

تنبش المدى المغطى بالفرو الأبيض.  

الشاعر الوائلي، يجد لكل حادث فجر، أي بداية والمرأة بداية بابل وفجرها في واقع الأسطورة والخيال، تسكنه المرأة بصورة متلفعة بالجمال المواكب لجمال الأسطورة البابلية، الاثنان يغلفاهما الجمال والسحر ويملكان الماضي الملموس وغير الملموس، بهذه القوة اختار مفرداته في وصف المرأة، وملَّكها الجمال والسحر والخيال، بقوله:

أمواج الكلمة المشتعلة

من مقل منتفخة بعيون الدهشة

تصفق لها أجنحة الريح

في مروج الشفق المنقط بلون البحر

يتسلق قارب ببهجته

لمعان وجهك الضاحك

حنجرة

بلسان الصباح

تسمو مع البحر

كسيدة العشق

وهي تنهض من فراش زفافها الأبيض

نلاحظ أن الشاعرين استخدما مفردة البحر للتمويه لحالة مشتركة مع الفارق الموجود في مضمون القصيدتين، (البحر) صفاته العمق والصفاء والسمو والخطر والخوف، لذا اتحد القصد في الفكر عند التوجه في أمساك لازمة وحدة الهدف من الطرح، الشاعرة آمال جبارة والشاعر سعيد الوائلي، اعتمدا الماضي من التاريخ بما تركا من ويلات للمرأة، الشاعرة آمال جبارة أخذت البحر والقبر والعهد الفاطمي، والشاعر سعيد الوائلي، نقب في التاريخ البابلي ومزج البحر كمفردة بها ينبش كآثاري يهمه فتح أنفاق جديدة لعالم الماضي، كي يهتدي لواقع تلوث بمفاهيم خطئه، عله ينقذ ما قادر على إنقاذه، لكن مفردة البحر لها مدلولها الغامض لمن جاهل بمخاطر البحر، والبحر كنز عامر لمن يفقه مجاهله، لذا نجد التوحد الفكري الإنساني لدى المرأة والرجل حين يلامس العقل والوعي فكريتهما يخلقان صور جمالية في غاية الإبداع وعلى نفس القوة من الإحساس بالعملية الإبداعية الخاصة (شعراً).

 
*
ناقدة من العراق



 


 

Counters