الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

السبت 12/4/ 2008

 

المنفى والغربة في شعر الشاعر العراقي
( يحيى السماوي)
*

عبد اللطيف الأرناؤوط

لست أدري ـ على رغم ولعي بقراءة نتاج الشعر المعاصر ومتابعة الحركة الشعرية على دروب التقليد والحداثة ـ كيف شدّني شعر " يحيى السماوي " منذ صدور دواوينه الأولى ، وأرغمني على الإعتراف بإبداعه ، إذ من النادر أن أستسلم بيسر ٍ لشاعر أقرأ له للمرة الأولى . فمنذ قراءتي بواكير قصائده في مجموعته " قلبي على وطني " عام 1992 م وأنا أتابع مجموعاته الشعرية بشغف وإعجاب ، وقد سيطر على وجداني معترفا أن العبقرية الشعرية تعلن عن نفسها دون أن تحتاج إلى مَن يمنحها صكّ الشهادة .. وربما تعود هذه القناعة التي توافرت لديّ إلى سببين ... فالشاعر السماوي يُعَدُّ بجدارة ، وارثا ً أصيلا ً لديباجة الشعر العربي القديم ، وقد تمكن من فهم واستيعاب أسرار صنعتها الخفية وطبـّقها في شعره دون أن يجمد عند حدود القديم . فقد استعار من الحداثة جوهرها ، وأبرز مقوماتها التي لا تجور على طبيعة الشعر العربي الموروث ، ولا تهدر رسالة الشاعر في الإيصال لوضوحها وجلائها وبُعدها عن الشطط والتعقيد والتعتيم .. فكان شعره يمثل ما يمكن أن يرجوه القارئ من الدعوة إلى تحديث الشعر الذي كثر الجدل فيه تنظيرا ، وأساء بعض مَن جارى تلك الدعوة فقلـّدَ الشعر الغربي مرتديا ثوبا مستعارا ـ والعارية مهما تزيّت فإنها تبقى غريبة نافرة عن ثوب الشعر العربي .

أما السبب الثاني فيعود إلى صدق الشاعر في كل ما أبدع ، فقد عكس شعره حياته إنسانا ً مشردا هاربا من الديكتاتورية ، لاجئا بعيدا عن وطنه المثخن بالجراح ، ورمته وطنيته المخلصة على شواطئ الغربة ، فلم يكتب إلآ بما يتصل بحياته ومحنة وطنه " العراق " ، حتى عُدّتْ كل هذه العوامل محنته الذاتية ، فكان في منفاه صورة عن وطنه المنفيّ من خريطة العالم .

يكفي أن نقرأ عناوين دواوينه لنعرف تفاصيل المحنة .. من هذه العناوين مثلا ً : " قلبي على وطني " .. " من أغاني المشرد " .. " جرح باتساع الوطن " .. " عيناك لي وطن ومنفى " .. " هذه خيمتي .. فأين الوطن ؟ " .. " أطبقت أجفاني عليك " .. " ألأفق نافذتي " .. " البكاء على كتف الوطن " فهي توحي بمضامينها كيف استحال الوطن وتجسّد في روحه حتى باتا معا ً وحدة ً لا انفصام فيها .ولا شك أن أدب المنافي ليس حكرا على السماوي أو بقية شعراء هذا العصر ، فهو قديم في التراث العربي بصورتيه : المنفى الروحي النفسي ، والمنفى الحياتي الجسدي والجغرافي كما هو ماثل في أدب المهاجر ، وشعر شعراء القضية الفلسطينية . لكنه يتخذ عند السماوي تفرّدا ً خاصا ً لأن كل شعره وقفٌ عليه ، ولم يُتـَحْ لشاعر أن يتناول ظاهرة المنفى وعذاباته بهذا العمق والإتساع ، إذ استطاعت قريحته أن تعبر عن مأساة الغربة بمعنييها النفسي والجغرافي بأربع عشرة مجموعة شعرية دون أن يجترَّ ذاته أو يكرر صدى ترجيعها في نفسه . ومع أن هذه المجموعات تبدو كسيمفونية تعزف على نغم واحد ، لكن يوجد في كل قصيدة من التنوّع والتلوين ما يمنحها جدّة وابتكارا ، لأنها تنبع من معطيات نفسه الحزينة المكلومة ومن محنة شعب مضطهد ، وتحكي سيرة عمر ٍ منذور لمحنة الوطن الذي أحبَّه ، فأسلمه حبه العجيب إلى أكثر من منفى .
وكما رفض الشاعر الديكتاتورية والإستبداد والنظام الشمولي ، فقد بقي مناضلا وطنيا رافضا الإذعان لمشيئة المحتلين الذين جعلوا من وطنه خربة ينعب فيها البوم ويمرع فيها الإرهاب . فالعراق مبدع الكتابة ووارث عظمة فكر الحضارات التي تعاقبت عليه ، أمسى اليوم مسرحا ً لأكبر وأبشع عَـبَـث ٍ سياسي إجرامي تمارسه أقوى دولة في العالم .

لقد آثر الشاعر أن يعيش منفيا ً باختياره ، يكتوي بالنار ذاتها التي يكتوي بها وطنه على أن يعود إليه ليعانق موتا ً لا معنى له ... يقول :

يـومي له لـيـلان ِ... أيـن نـهــاري ؟
أتـكـون شــمــسـي دونـمــا أنــوار ِ؟

أبحرتُ في جسد الفصول مُهاجـرا ً
طاوي الحـقـول ولـيس من أنصار ِ

أبْـدَلــتُ بالـظـلّ ِ الهـجـيـرَ لأنـني
قـد كـنتُ في داري غـريـبَ الـدار ِ

أنا ضائعٌ ـ مثل العراق ِـ فـفـتشي
عـني بروضك لا بِـلـيـلِ صحاري

أنـساكِ ؟ لا والله ِ! تلك مـصيبتي
إنّ الوفاءَ ـ وإنْ خُذِلـتُ ـ مَـداري

أنا لـسـتُ أولَ حالم ٍ نـكـَثـَـتْ بـه
أحـلامُـه فــأفــاقَ بــعــدَ عــثــار ِ

حظي كدجلةَ والفرات: نـَداههـما
دمعٌ .. ولحنهـما صُـراخُ : حَـذار ِ

وتعدّدَتْ يا هـندُ في وطن الهوى
سُــبُـلُ الــرّدى بـتعَـدُّد ِ الـتـُجّـار ِ

وطنٌ على سعة ِ السماءِ رغـيفهُ
لـكـنــه : حِـكـرٌ عــلى الأشـــرار ِ

**
على الرغم من أنّ محنة الوطن ، كانت عاملا ً من أبرز العوامل في اغتراب الشاعر النفسي ، لكنه منذ طفولته ، كان الألم والفجيعة خِدنه ، يغذيان نفسه المرهفة ويُشعِرانه بقسوة الحياة في ظل نظام شمولي .. يقول :

أنا سادنُ الوَجَع ِ الجليل ِ ..خَـبَرتهُ
طـفـلا ً .. وهـا قاربتُ يـومَ ذهابي

أنا طفلكِ الشيخُ .. ابتدأتُ كهـولتي
من قـبل ِ بـدء ِ طـفولـتي وشـبـابي

لـَعِـبَـتْ بـيَ الأيــامُ حـتى أدْمَـنـَتْ
وجَعي .. وخَرَّزَت ِ العـثارُ شِعابي

يحـدو بـقافـلـتي الضَـياعُ .. كأنني
للحزن ِ راحٌ .. والهـموم ِ خـَوابي

(ستٌّ وخمسونَ) انتهيْنَ وليس من
فــَرَح ٍ أُخِـيط ُ بــه فـتـُوقَ عـذابي

عشـنا بدَيجـور ٍ .. فلمّـا أشـمَسَـتْ
كـشـَـفَ الضحى قـاتـل ٍ ومُـرابـي

ومُـسَـبِّحـيـنَ تـكادُ حـين دخـولِهِـم
تـشـكـو الإلـه َ حِـجـارةُ المِحـراب ِ

ومُـخـَنـَّـثِـيـنَ يَــرَون َ دك َّ مــآذِن ٍ
مَـجـدا ً.. وأنَّ النصـرَ حَـزُّ رِقـاب ِ

وإذا كان اغتراب الشاعر النفسي طفلا ً يبدأ منذ مرحلة الفطام من ثدي أمه وما يترتب عنه من حرمان وسوء تكيّف شأن كل طفل ينقطع عنه نسغ الحياة ما دام أنه لا يعيش معنى الطفولة في ظل نظام كانت الطفولة من بين ضحاياه ، فإن هذه المرحلة لديه إمتدت في حياته إلى ما بعد الطفولة في منفاه الثاني حيث فطامه الرمزي الآخر عن ثدي الوطن الأم .. فهو ما فتئ يكرر أنه مازال طفلاً في إهاب شيخ ، محروما ً من رؤية وطنه الذي غادره مكرها ً بعدما انضمّ إلى معارضة حكم النظام الديكتاتوري ، وكان يراوده أمل العودة ، وقد بدأت قوة النظام تتصدّع بسبب ممارساته القمعية التي أفضت إلى نبذه من قبل غالبية الشعب العراقي مما سـهّـل لقوات " التحرير المزعوم " مهمة الإطاحة به .. لكنه فوجئ أن " العراق " قد خضع لاحتلال أجنبي لا يقلّ قسوةً ووحشية ً ، وأن بعض رفاق دربه الذين حملوا لواء المعارضة ، يعودون إلى الوطن على ظهر دبابة المحتل ، وفي وهمهم أنه سيسلمهم أمانة الوطن على طبق من فضة ، لكن حدسه الشعري مكـّنه من قراءة سطور المستقبل بمعطيات الواقع ، فآثر المنفى والغربة على العودة الذليلة إلى واقع الوطن المتردي :

جئتك ِ الان أواسيكِ بموتي
ألحِديني صدرَك ِ الطفلَ
انسجي ليْ من مناديل المراثي كـَفـَنا

فكـّري أنْ تجدي إسما ً جديدا ً
للذي كان أنا ..

فأنا الواقف مابين يديك ِ الآنَ
ما عدتُ هنا ..

فـتـّشي تحت ركام ِ القهر ِ عـني
في الذي كان يُسَـمّى وطنا ..

قبل أن ينسَـجـِـنا

في أضابير ِ السـفارات ِ
الدهاليز ِ
سـراديب ِ الخـَنا

والخطابات ِ التي تـُكتـَبُ في وجهين :ِ
وجه ٌ يتهجّـاهُ الدراويشُ علينا
كلما أوشكت ِ الأرضُ على الرّعـد ِ
ووجهٌ في رحاب ِ " المعبد ِ الأبيض "
تـُرضي الوَثـَنـا

سَـلـَّـموا للغرباء ِ الرَّسَـنا

ومشى خلف الخيول ِ السـادة ُ الأعيانُ جَـهْـرا ً
مُتـَحَـنـِّـينَ بـ " رَوْث ِ الجاه ِ "
طـُلابَ كراس ٍ وغِـنى

للسلاطين المرايا ..
والتوابيتُ لنا ..

ولهم باسم إله ِ الحرب ِ
ما يفضلُ من مائدة الجنة ِ
والنارُ لنا ..
ولهم شـهدُ العناقيد ِ
وأشواكُ البسـاتين ِ لنا ..

ولهم ما تكنزُ الأرضُ من النفط ِ
وعَـفـْطـُ الـعَـنـز ِ والزِّفتُ لنا ..

**
طفولة الشاعر المنفية بالخيبات الفردية ، إتسعت بخيبة أمله في العودة .. أصبح حلم العودة يوتوبيا في نظره .. لكن ، أين العراق الذي سيعود إليه ؟ أين هو وقد تهدمت بغداده ومدنه وقراه وحرثت قنابل البنتاغون بساتينه ، وهرب الملايين من أهله ممن سلموا من الموت ؟ فالشاعر قد زار الوطن أملا ً في أن يجد عراقا ً جديدا ً كالذي كان يحلم به ، فإذا به لم يجد غير الموت المجاني والخراب والرعب المرتسم على الوجوه :

مررتُ بالبصرة ِ .. لكنْ
لم أجدها ..
فقفلتُ راجعا ً
ولم أبلـِّغ أحدا ً سلامك الحميمَ
خفتُ أنْ يُصادرَ الغزاةُ صُـرَّة َ التراب ِ
ألقيتُ بها
وضعتُ في الزحامْ

لا " الحسنُ البصريُّ " في مسجده ِ
ولا " الفراهيديُّ " في مجلسِـه ِ
ولا الفتى " عليُّ " في " المقامْ "

خلـّيك في منفاك َ
لو كان يُجيدُ الهَـرَبَ الترابُ
ما أقامْ

في الوطن المحكوم ِ
بالإعدامْ !

يحدثُ أن يُـقـتَلَ عصفورٌ
لأنَ ريشـَـهُ
ليس بلون ِ جُـبَّـة ِ الإمامْ

يحدثُ أنْ يُـصْـفـَعَ ظبيٌ
في الطريق العامْ

لأنه لم يُطِـل ِ اللحية َ..
أنْ تـُطـْـرَدَ من ملعبها غزالة ٌ
لأنها
لا ترتدي عباءة ً طويلة َ الأكمامْ

يحدثُ أنْ يُـدَكَّ حيٌّ كاملٌ
وربما
مدينة ٌ كاملة ٌ
بزعم ِ أنَّ ما رقا ً
أقامَ في بيت ٍ من البيوت ِ
قبل عامْ !!

لقد حطمه اليأس حتى كفر بشعره ، وهو أثمن ما يملكه الشاعر .. فقد بدا عاجزا ً أمام محنة وطنه ، فراح يطلب شعرا ً يليق بمحنة الوطن فينتشله من جوف قبره المسيّج بحطام حضارته العريقة .. محنة جعلته حائرا ً مترددا ً يترجح بين الإقدام والنكوص .. بين العتاب والكتابة:

عاتبتُ ـ لو سَـمعَ الـقـريبُ عـتابي
وكـتبـتُ ـ لـو قـرأ الــبعـيـدُ كـتابي

وسألـتُ ـ لـو أنَّ الـذين محـضتهـم
ودّي أضــاؤوا حَـيْـرَتي بـجــواب ِ

وعصرتُ ماءَ العينِ لـو أنّ الأسى
أبقى بحقـل ِ العمر ِعـشبَ شـبـابِ

وترنـَّمَـتْ لـو لـم تكـن مـشـلـولـة ً
شـَفتي ومصلوبَ اللحون ِ ربابي

كيف الغناءُ ؟ حدائـقي مـذبـوحة ٌ
أزهـارُها .. ويـبيـسـة ٌ أعـشـابي ؟

الـدارُ بالأحباب ِ ... ما أفـيـاؤهـا
إنْ أقـفَـرَتْ داري مـن الأحـباب ِ ؟


**
قد نجهل كما يجهل النقد ، كيف يمتلك شاعر أبجدية التعبير عن الألم بنفس الرؤية ، ويستنطق بالكلمات ما نعجز عن استنطاقه . وبهذه القدرة الإبداعية يتجاوز " السماوي " المباشرة ، والإستغراق في الحديث عن الجوانب السياسية والإجتماعية ليعبّر بلغة يستمدها من معجم الألم ، وفي إطار بنية ٍ لغوية وروابط علائقية تجعل شعره يكتسي مع كل نصّ ٍ ابتكارا ، ويمتح من نبع الحب الإنساني ـ هذا القاسم المشترك بين كل البشر والذي لا يستطيع تجسيد ه سوى المبدعين .. يقول :

أملكُ من الوطن : إسمه
في جواز سفري المزوّر ..
من نداماي : وشاياتهم ..
من بحار الأحبة ِ: الزَبَد ..
من لؤلؤ الحظ ِّ: الصَدَف ..
ومن اللذائذ : الندم !

أرهقه الإنتظار والترقب ، وتعطل لديه كل إحساس ٍ بالمكان والزمان وهو يرى وطنه قد أضحى مختبرا يجرب فيه المحتل آخر مبتكراته من أسلحة متطورة ، بعد أن غرس فيه بذور الفتنة الطائفية ، كاشفا ً من خلال جرائمه الوحشية عن ذئبيته ، كجرائمه في سجن " أبو غريب " وجريمته الأكثر وحشية وهمجية المتمثلة بإقدام بعض جنوده على اغتصاب الطفلة " عبير قاسم حمزة " بعد قيامهم بقتل أفراد عائلتها ، حتى إذا انتهوا من فعلتهم الدنيئة قتلوها وأضرموا النار في الدار لإخفاء جريمتهم البشعة ... يقول في قصيدته المهداة إلى الشهيدة الطفلة " عبير " :

أيَـبـُلُّ ظمــآنا ً سـرابُ ؟ ويجودُ بالعَـسَـل ِ الذبابُ ؟
أمْ يـسْـتحي مـن نـابـِهِ ضبعٌ .. ومِخلـَبِهِ عُقابُ ؟
أمُـحَـررٌ هــذا الـلـئـيـمُ المــارقُ الـوَغــدُ الـمُـعـابُ ؟
ألـمُـسْـتجـيـرةُ مـن نـذالـتِـه ِ الـنـذالــة ُ والـخـَـرابُ ؟
ألمُشتكي من رجسِه ِ الشَرَفُ ، المروءة ُ، والكتابُ ؟
جـيشٌ خـلائـقـهُ الـرذيـلة ُ والـخـَنـا والإغـتـصــابُ !
جاؤوا فـخـَيَّـمَ في العراق ِ القهـرُ واحـتفـلَ العـذابُ !
بـغـدادُ مـرعى .. والـنواطـيـرُ: الأفـاعي والـذئـابُ !
عَجَـبي على بعض الـنـفـوس ِ لها بمحتـلّ ٍ رغــابُ !
رَقـَصَـتْ له رقصَ الـقـرودِ وسالَ من فمها اللعابُ !

أصبحت إستحالة العودة منفىً آخر للشاعر ، لكنها أقسى عليه ما دام لا يستطيع تجاهل ما يحدث من قتل عشوائي وكيديّ أفرزته الفتنة الطائفية والمحاصصة السياسية .. إنه يتمنى لو كان بمقدوره تجاهل ما يحدث .. ولكن كيف له تحقيق ذلك وهو المتماهي بحبيبته العراق :

كيف الهروبُ منكِ
إذا كنت متحدا ً بك :
إتحادَ العطر ِ بالوردة ..
والخضرةِ بالحقل ..
والراية ِ بالسارية ..
والجذور بالطين ؟
تخرجين من باب اليقظة
فتطـلـّينَ من شبابيك الحلم !

الوطن في شعر المنفى لدى " يحيى السماوي " يطلّ بصورة امرأة معشوقة فهي مرآته وجنته وجحيمه ، لكنها لا تتخذ إسما ًمحددا مثل " ريتا " في شعر محمود درويش .. ليس لها إسم محدد عند السماوي لأنها كل الأسماء .. هي إمرأة غامضة الملامح ، تعذب محبوبها فيصبر ، وتوعده فينتشي .. وقد يلتمس صورة الوطن في الزوجة الصابرة " أم الشيماء .. شريكته في الحقل والخيمة وغبار السفر " على حدّ تعبيره في ديوانه ( عيناك لي وطن ومنفى ) :

خـَبَـرَ الهوى قلبي فكنت ِ صديقتي
ورفـيقـتي .. وحبيبتي .. ومَــلاكي

سَـنَدي وعُكـّـازي يداك ِ.. فخيمتي
لـولاك ِ قـد كانـت بـدون ِ سِــمـاك ِ

علـَّمْتِني صبرَ الرمال ِعلى اللظى
أيُـلامُ لـو هـَتـَف الـفـؤادُ : فِـــداك ِ ؟

" وجـدانُ " ما عـادَ النخيلُ تميمَة ً
لـفـتى ً.. ولا عـاد العـراقُ حِـمـاك ِ

بـتـنا ثكالى الحلم ِ .. بـيـن مُـخـاتِل ٍ
لــُـصّ ٍ وغــول ٍ فـاســق ٍ أفـّــاك ِ

دائي عَـصِيٌّ ـ كالـعـراق ـ شِـفـاؤهُ
فأنا الضحوكُ.. المُسـتباحُ.. الباكي

حاشا غصوني أن تخون جذورَها
ويخون نخـلـُك ِ مـاءه .. حـاشـاك ِ

**
في بدايات هربه من العراق ، كان حلم العودة يراود الشاعر السماوي الذي عقد آماله على ثورة شعبية أو عسكرية تضع حدّا ً للديكتاتورية الفردية والحزبية وتفسح في المجال لقيام سلطة الشعب .. لكن كوثر هذا الأمل تبخـّرَ بجمر الإحتلال ، فأسلم الشاعرَ إلى التشاؤم ، بل إلى مرحلة هي بين التشاؤم والتفاؤل ، كان الروائي الفلسطيني" أميل حبيبي " قد سـمّاها " المتشائل " .. فحينا ً يشدّه إيمانٌ بقوة الشعر في تفجير الغضب الشعبي ، وحينا ً يسلمه يأسه إلى الإحباط .. فبدا الشاعر وكأنه منقسم على ذاته ، فاقدٌ لتوازنه :

لا تسـأليني مَـنْ أنا
فإنني أجهلُ مَنْ أكونْ ..

كلّ الذي أعرفهُ عني :
أنا مدينةُ الحكمة ِ
لكنّ الذي يدخلها
لابدَّ أن يُصابَ بالجنونْ

وفي بحثه عن الوطن المفقود ، يؤمن السماوي بالشعر ثم يكفر بالقصيدة والكلمات .. يتأرجح بين اندفاعه إلى القبض بمشاعره على شعاع الحلم الهارب ، ثم يرتدّ محبطا ً معترفا ً بعجزه شاعرا ً وعجز اللغة أداة َبيان ... فيريد ولا يريد .. يريد العودة إلى حبيبته التي وصفها بأنها " حبيبة من تراب وماء ونار " ... لكن " هنده " هذه مشدودة إلى سرير المحتل بحبل ٍ من سرفات الدبابات ... الوطن كله محتل ، وليس فيه فسـحة ٌ تـَسَـعُ كوخا ً يشيده بطين الحرية :

فـتـَّشـتُ في قاموس ذاكرتي
نخلتُ الأبجدية َ
غـُصْـتُ في كتب البلاغة ِ والبيان ِ
بحثتُ في دُرَر ِ الكلام ِ
فما رجعتُ
بغير يأسي من طريفي والتليد ْ

ماذا أسمّي هند ؟
هندٌ ضحكة ٌ عذراءُ ما مـرّتْ على شـفة ٍ ..
وقافية ٌ مُـبَـلـّلة ٌ بدمع الوجد ِ..
أغنية ٌ تـُرَتـِّلها الحَمامة ُ ..
وردة ٌ كانت بمفردها الحديقة َ ..
صولجانُ العشـق ِ في الزمن الجديدْ !

وأنا الشهيدُ الحَـيُّ ..
سـادِنـُها ..
وحارسُ باب ِ حجرتها العنيدْ

وأنا طريدُ الجنة ِ المحكومُ بالعَـطـَش ِ المؤبَّـد ِ
والمكوث ِ وراء سـور ِ الوصل ِ
أحملُ صخرة َ الحرمان ِ في الوادي السعيدْ

وأنا أريدُ
ولا أريدْ :

جُـرحا ً أموتُ به ِ
لأولدَ في هواها من جديدْ

وأنا أريدُ
ولا أريد

كوخا ً على سَـعَـة ِ الهوى
لا كنزَ " قارون ٍ "
ولا أملاكَ " هرون الرشيدْ "

إنه الشعور بالخيبة والإحباط .. الشعور بضبابية الأشياء .. فالمحرر المزعوم قد أعلن عن نفسه محتلا ً .. وما دام الوطن محتلا ً ، فالشعب محتلُ هو الآخر بالضرورة ... أمّا هوـ الشاعر ـ فإنه أيضا ً مُحْـتـَلُ الروح وإنْ كان في مغتربه حرَّ الجسد :

لسـتُ حُـرّا ً فأطلُّ عليك من الشرفات ..
ولا عبدا ً فأحطـّم قيودي !
أنا العبدُ الحرّ
والحرّ العبد..
محكومٌ بانتظار " غودو " جديد
لم تلده أمّـه بعد !

**
تمكنه من اللغة ملفت للنظر .. فإذا كنا مكبّـلين بقيد عجزنا اللغوي عن تصيّد ما نحسّ به ، فإن " السماوي " يملك حرية تشكيل اللغة واستنطاقها وتطويعها للإفصاح عما يريد ، وعن أدق خلجات روحه ، وكأن الألم كتاب مفتوح للتأمل ، يقرأ صفحاته التي لا نراها ، ويشطره إلى إثنين ، واحد يعيش في الذاكرة ، وآخر في الحاضر ، لكنهما يتحدان في النهاية ، ويذوبان في عشق الوطن :

سـأفـرُّ مني

لأضيع َ فيك ِ ضَـياعَ حلم ٍ
بين ذاكرة ٍ وجـفـن ِ

مُتـَماهيا ً بالياسمين وبالقـُرُنفـُل ِ
نافِـضـا ً عني رمادَ حريق ِ أمسي
فاطمئني

إنْ جُـنَّ قلبي الطفلُ
وانتفضتْ
على صمتِ الربابة ِ
في منافي العشـق ِ
حنجرة ُ المغني

فلقد تعِبْـتُ من الوقوف ِ
مُـكـَبَّـلا ً
بقيود ِ ظني

سـأفـرّ مني

لأقيمَ في وادي هواك ِ
إقامة َ الأقفال ِ
في أبواب ِ سـجْـن ِ

وأضيع َ فيك ِ
ضـَـياعَ ظبية ِ ضحكـتي الخضراء
في غابات حزني

سـأعودُ منك ِ إليَّ
بالجسَـد ِ العصيِّ على السـكونْ

وأكون فيك ِ
كما تـُحِبُّ طقوسُ عشـقِـك ِ أنْ أكونْ

وأفـرُّ مني

ليظلَّ صـبحُك ِباحثا ً
في ليلك ِ الوحشيِّ
عني

**

في هذا الإنشطار في روحه بين الأنا والأنا فسحة ٌ للكلام والبوح ، لكنه كلام أقرب إلى الهذيان المصدوم ، وقد تحول إلى " غودو " لكن بثوب ٍ عراقي منكوب ، يستنفر اللغة ليفصح ، لكنه يشعر أنها لا تلبّيه أمام شدة الصدمة ، ونحن لا نحسّ بعجزه اللغوي ، وإنما يسحرنا تمكـّنه من تطويع اللغة ، لتكون حقلا ً محروقا ً بفيض نار قريحته التي لا تنطفئ .

ألمرأة أو الوطن بصورة إمرأة معشوقة معادلة تجمع لدى الشاعر " يحيى السماوي " بين الحب والإنسان ، لكنه حبٌّ يمتزج بالحرمان ويُفضي إلى الخيبة ، إلآ أنه يتشبث بحلم العودة وتحرير العراق . ولا يتحول عن حلمه ولو كان فيه موته الجسدي أو النفسي :

بين احتضاري في غيابك
وانبعاثي في حضورك :
أتـَدَلـّى مشنوقا ً بحبل أسـئلتي
مُـحَدِّقـا ً بـغـد ٍ مضى
وبالأمس الذي لم يأت ِ بعد !

وحين ينتصر عليه الواقع بدمويته ويعجزُ في صحوه عن تغييره ، يلجأ السماوي إلى احلام اليقظة مستنجدا ً بأخيلتها للإنتصار على أولئك الذين شوّهوا واقع الوطن وأشاعوا الرعب في أرجائه وأقاموا امبراطورياتهم المالية على حساب شعب جائع :

لو تـُحْسِـنُ الوسادةُ الكلامْ
لأخبرتك ِ عن بطولاتي التي أنجزها
من قبل أنْ أنامْ

منذ دهور ٍ وأنا
أقود خيلي
شاهرا ً سيفي بوجه :
القادة ِ الزور ِ..
الطواغيت ِ ..
اللصوص ..
موقدي الفتنة ِ في بستاننا
وهادري أغنية ِ العاشـق ِ
في حديقة الغرامْ

هزمتُ " هولاكو "
ودَحْرجتُ رؤوسَ سارقي
قوت ِ جياع ِ الوطن ِ المحكوم بالإعدامْ

حطـّمتُ ما في " المعبد الأبيض "
من أصنامْ

أعدتُ لـ " المنطقة الخضراء" عِـفـَّة َ الفراتين ِ
أقـَمْـتُ مهرجان َ القمح ِ والخـُـزامْ

لو تـُحْـسِـنُ الوسادة ُ الكلامْ

لأخبرتك عن بطولات الصعاليك ِ
الذين أغرقوا
بواخرَ النفط ِ التي تـُبْـحِـرُ نصفَ الليل ِ
باسم ِ خوذة ِ القائد ِ
أو عِـمـامـة ِ الإمامْ

لو تحسنُ الوسادة الكلامْ

لأخبرتك ِ عن دموع الذلِّ في الصحو
وعن كـرامة ٍ
أعيشـها في كـَنـَف ِ الأحلامْ !

بين عراق الأمس الذي كان يئن تحت سياط الديكتاتورية ، وعراق اليوم تحت رحى الإحتلال ، يتسقـّط الشاعر أخبار وطنه ، ويشمّ رائحة احتراقه عن بعد كما " يشمُّ البجع رائحة أنثاه عبر السواحل القصيّـة ".. ويقرأ تضاريس جسده كـ " الضرير الذي يرى الطريق بعصاه " .. ويشعر بدموع يتاماه تحت شمس الظهيرة وقد راعه أن عراق الخصب يُنـقـِّبُ أطفاله اليوم في براميل نفايات المطاعم .. عراق الغنى وقد أصبح وطنا ً للمتسولين ، إستبدل فيه أطفاله صناديق صبغ الأحذية بالحقائب المدرسية ، وآنية َالشحاذة بالدمى الملونة والأراجيح ، بينما ثرواته الوطنية تـُنـتـَهب من قبل المحتل وأصحاب الحوانيت السياسية وسارقي قوت الجياع وتجار الشعارات والإرهابيين الظلاميين المفخخة صدورهم بالحقد ..العراق الكبير، عراق الحضارات، وقد أضحى إضبارة ً من أضابير سفارة :

هل دولة ٌ
تلك التي تـُقـادُ من سفارة ٍ
إنْ عطسَ السفير ُ في ملجئه ِ
أُصيبت البلادُ بالزكام ْ ؟

خلـِّـيـكَ في منفاكَ
حتى ينجلي الظلامْ

**
بورك المنفى الذي يمنح الشاعر حرية القول ، لتكون قصائده أقوى وأعمق أثرا ً من الرصاص ، وبوركت قريحته التي تجعل من المنفى سفـرا ً للدخول إلى فضاء الحرية . إنّ في تضحية الشاعر أمام عذابات الغربة لونا ً من ألوان الشهادة الحية التي تموت أكثر من مرة مع كل صباح ، بينما يموت شهيد الجسد مرة واحدة .. بورك هذا الموت المتكرر مع كل نـَفـَس ٍ من أنفاس الشاعر المبدع لأنه طريق للحياة .. حياة الوطن والشعب . وليتمجّد الألم الذي يختزنه الشاعر منذ طفولته ملوِّنا ًبه رومانسية حلمه ... لم يكن ألما ً ينشد الخلاص ، بل أصبح لدى الشاعر " يحيى السماوي " طريقا ً لمعانقة الموت الذي يحرره . وإن آثاره العميقة في نفسه ستظل جرحا لا يشفى إلآ بالرحيل الأبديّ عن عالم يُظلم فيه الإنسان في مشهد مسرحيّ ساخر لا يحرّك الضمير الدولي .. هذا الضمير الذي كان يعرف بالأمس ضحايا الديكـتاتورية في العراق فلم يحرّك ساكنا ً .. ويعرف اليوم أن المحتلّ أكثر قسوة منه لأنه يستهدف استعباد شعب ٍ واحتلالَ وطن ٍ وتفتيت كيان موحّد ...
لقد فقدنا الإحساس بالفجيعة ، فبورك الشعر الذي يردّ الينا رهافة الحسِّ بالظلم لنستعيد إنسانيتنا ... وشعر " يحيى السماوي " من هذا النوع .


 دمشق


*
من كتاب بنفس العنوان قيد الطبع







 

Counters