الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأحد 11/5/ 2008

 

وفاء للحقيقة التي كانت في يوم ما نامية...ولفعل مناخات معينة توقفت....


من الوقائع المسرحية في العراق
"جماعة كتابات مسرحية"

عبد الوهاب الفايز

تقديم :
في جنوب العراق، وفي البصرة نافذة العراق على البحر، مدينة النخيل الأولى في العالم، في هذه المدينة الخجلى الطيبة، وفي أواخر الستينات، انبثقت فكرة إنشاء جماعة مسرحية تتعاطى الكتابة المسرحية والنقد المسرحي، دون تقديم عروض مسرحية، أي أنها جماعة مسرحية ذات طابع ثقافي مسرحي ملتزم، وليست فرقة تمثيل مسرحية، انبثقت الفكرة في أذهان عدد من أبناء هذه المدينة، وسرعان ما وجدت الفكرة طريقها للحياة، تشكلت (جماعة كتابات مسرحية).


من مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة

وكانت منظوية تحت لافتة – نادي الفنون – الذي تأسس في البصرة في ذات الوقت ليضم الفنانين في المحافظة بمختلف اختصاصاتهم، وكان بيتا دافئا للجميع، وملاذا من صقيع الاضطهاد الرسمي غير المنظور وهكذا بدأت (جماعة كتابات مسرحية) عملها ورحلتها التي لم تستمر (للأسف) لكنها خلال حياتها القصيرة قدمت الكثير بالنسبة لظروفها وامكاناتها المحدودة، حيث كانت تعاني من المحاربة والمضايقات، وتحامل رموز الفن الرسمي، ومن ضائقتها المالية المستمرة، وكانت تعتمد على اشتراكات أعضائها أولا وعلى دعم نادي الفنون ثانيا، والذي كان بإمكانيات شحيحة قياسا لما يراد منه.

لقد قدمت الجماعة في إطار الكتابة المسرحية باكورة أعمالها بعنوان "هو الذي يتحدثون عنه كثيرا" ومارست النقد المسرحي من خلال الكثير من المساهمات والمقالات النقدية الأخرى.
لقد كانت الجماعة من الهواة المتحمسين للمسرح والحريصين على فعل شيء يدفع بالمسرح البصري إلى الأمام، ويساهم في تطوره في سبيل الاستفادة من المدارس المسرحية العالمية وتكييف معطياتها بما يتلائم وواقع المجتمع العراقي عامة، وكانت تدرك الجماعة صعوبة المهمة إلا أنها كانت واثقة بقدرة عناصرها وحماسهم وصدقهم وجهاديتهم، وهذا كان رصيدها الكبير في العمل.
وضمت الجماعة عددا من المثقفين المسرحيين الجيدين اللذين أكتسبوا معارفهم المسرحية دون أي معهد أو خبرة دراسية، بل بجهد ذاتي صبور ودوؤب، وقد تمكنوا من توفير قدرة مسرحية جيدة في الكتابة والنقد وحتى الممارسة الفعلية للمسرح، قدرة ذاتية دعمتها الموهبة والصبر والجهادية.
لذلك فإن (جماعة كتابات مسرحية) تستحق منا دراسة شاملة ربما كان من الصعب تغطيتها بشكل مفصل إلا أنني سأحاول هنا قدر الإمكان التعريف بها وبظروفها، أعمالها، وفنها المتنوع..إذا فمن هي (جماعة كتابات مسرحية)...؟

لماذا جماعة كتابات مسرحية؟
التسمية ترتبط بماهية جماعة كتابات مسرحية، وعملها، وبنفس الوقت هي إنعكاس لطبيعة العمل الجماعي والسبب يعود إلى فكرة التأسيس، وذلك لكون الجماعة أتجهت بالدرجة الأولى إلى الكتابة المسرحية وفي مجالاتها المختلفة منها: كتابة النصوص المسرحية كانت الجماعة تضم عددا من الكتاب والفنانين المسرحيين، أما روح هذه الجماعة فهو الكاتب والمخرج المعروف بنيان صالح وله إسهامات عديدة في مجال النقد المسرحي إلى جانب عبد الصاحب إبراهيم وهو من أصحاب فكرة تأسيس "جماعة كتابات مسرحية" والذي يعتبر بالدرجة الأولى والرئيسية كاتب مسرحي، إضافة إلى عبد الحميد مجيد مال الله، كاظم عيدان، والراحل جبار صبري العطية، وعزيز الساعدي وهم من المثقفين المسرحيين، وهؤلاء كانوا معروفين جيدا على صعيد المحافظة والعراق أيضا.
لذلك كانت مهمة الجماعة ليس تقديم عروض مسرحية بل الإسهام في تطوير المسرح، النقد، المقالات المسرحية، الترجمة، التأليف المسرحي وإعداده، وذلك من أجل إغناء المسرح المحلي بنصوص محلية مستندة على التجارب المسرحية المختلفة، عراقيا، عربيا، عالميا، وهو السبب الذي أستدعى هذه التسمية "جماعة كتابات مسرحية" وليس بفرقة لها مقومات تأسيس وتقديم عروض بالمسرح.

التحــول !؟؟

لقد تحامل البعض في الوسط المسرحي بالمحافظة على الجماعة، وبالأخص أولئك الرسميون وبعض الفرق المسرحية المجازة، الذين راحوا يكيلون إتهاماتهم للجماعة وتنكرهم لقدرات وإمكانيات عناصرها الجيدة في الكتابة والنقد المسرحي، مدعيين أن (الجماعة) حالة غير صحيحة (فإذا كانوا جماعة مسرحية حقا فلابد لهم من تقديم أعمال مسرحية) – على حد قولهم – متجاهلين هدفها الأساسي الذي من أجله تشكلت، وأمام هذا الاتهام، وهذا التحدي وجدت الجماعة نفسها أمام خوض غمار تجربة العمل المسرحي بتقديم عرض ويكون عملا إبداعيا فيه الجديد، وفيه تجسيد لهدفها من أجل سمعة الجماعة وديمومتها.

وهكذا أقدمت على تنفيذ عملها المسرحي الأول وهو من تأليف عبد الصاحب إبراهيم باسم ((هو الذي يتحدثون عنه كثيرا)) وأخرجه بنيان صالح وقدم ضمن المهرجان بيوم المسرح العالمي سنة 1970 في محافظة البصرة، وفاز بالجائزة الأولى في التأليف والثانية في الإخراج من بين خمسة عشرة عملا مسرحيا مقدمة من فرق أخرى مشهود لبعضها بالخبرة والممارسة وتوفر الكادر المسرحي، فضلا عن الإمكانيات المادية المتوفرة لديها.
وهكذا ثبتت الجامعة أقدامها أكثر، وبزت أولئك المتهمين اياها بالعجز، وكان العمل متميزا بسبب كونه جريئا وواقعيا، تناول شخصيا واقعية موجودة في البصرة ودائمة الحضور أمام الناس في سوق الهنود (1)، وهذه الشخصية تدعى( أبو الكوكي) ولتقديم فكرة عن العمل الأول للجماعة، يمكن القول أن أبو الكوكي شخصية تعاني من تمزق و حرمانات كثيرة، وأختير المدخل في المسرحية ( الحرمان من المرأة)،! ومن محور أبو الكوكي، كانت المسرحية تنطلق لتشريح ومعالجة الواقع الاجتماعي والسياسي وفقا لمسار أحداث المسرحية، ولذا كون المدخل مثيرا وجريئا وطرح مسألة الحرمان من المرأة على المسرح كقضية إنسانية كان جديدا ومخترقا للعقلية الاجتماعية المغلقة.

وأخرجت المسرحية على أساس أصول وقواعد المسرح الملحمي ، فقد بوغت الجمهور وانكسرت حواجز الوهم الرتيبة في تتبع الحدث، في محاولة جر تفكير المشاهد ووضعه أمام أحداث المسرحية والإسهام جديا بما يطرح .
ومنذ تقديم العمل الأول هذا استمرت الجماعة بتقديم العروض المسرحية على طريق إغناء المسرح المحلي في المحافظة.

الاختيار والتعامــــل

المثقف العراقي عانى ويعاني إلى الآن من قمع واضطهاد ( بأساليب مكارثية) (2) ، ففي مسرحية ( اليانكي).
تأليف وإخراج بنيان صالح ركزت الجماعة إلى هذه القضية الأساسية والحيوية،وهي ما يتعرض له المثقفون من معاناة وقمع واضطهاد بأساليب مكارثية بحيث جرى هذا من خلال ربطه بواقع الأديب وواقع الشاعر أو المثقف في العالم بحيث يعطي موضوع هذا العمل شمولية أكثر، في محاولة لتخليص النص من إقدام المسئولين والفنانين الرسميين على اغتياله، خشية من تقديم الأعمال الجادة، وهذا العمل كان يحمل من الدلالات ومن الرموز التي تهدف الجماعة توضيحها للمشاهد لحقيقة ما يتعرض له المثقفين والفنانين من قمع واضطهاد،و يمارس بأساليب وبأنماط أكثر همجية، وأكثر تخلف وبمختلف الأشكال... أرادت الجماعة من خلال هذا الموضوع أن تعطي الجمهور إشارات واضحة استطاع أن يستوعبها ويعي واقع المثقفين في العراق وما يتعرضون له.
وعلى صعيد الإخراج فقد مارست الجماعة تجارب مسرحية عديدة على المستوى الفعلي ولم يكن هناك حضور منفرد لشكل معين بل كان هناك اهتمام بكل التجارب المسرحية (3) ومن هنا تمت الاستفادة من هذه التجارب ولا سيما في مجال التمثيل، وفعلا شكلت معينا لتطوير كادر الجماعة المسرحي.

الإسهام بتطوير الرؤية المسرحية
للمسرح في العراق خصوصية عن المسارح في الوطن العربي، إذ كان ملتزما بالمفاهيم السياسية التقدمية المطروحة، متجاوزا النتاجات التجارية، متصلا بهذا الشكل أو ذاك بتصاعد وتنامي الحركة الوطنية وعموم الحركة الثقافية، ومن هنا فإن ( جماعة كتابات مسرحية) في ممارستها للنقد المسرحي كانت تسعى لوضع منهج لتطوير المسرح البصري على أسس فنية في محاولة لتطوير التزام المسرح العراقي بهموم الإنسان وإبعاد تناول المعالجة الساذجة وطرح المشاكل الاجتماعية والسياسية وفق رؤية إنسانية شاملة وبالتالي تجذير مضامين الأعمال المسرحية إلى عمق أكثر في محاولة للوصول إلى أدوات وأشكال فنية متطورة.
وكان هدف الجماعة منصبا على العاملين في المسرح بسبيل تطويرهم نظريا وفكريا وبالذات فنيا.
وممكن أن نلفت الانتباه إلى أن الرؤية الجديدة بالنقد المسرحي اعتمدت على أساس عدم المساومة على ما هو أصيل بالمسرح لدى الجماعة، والنقد الذي كانت تمارسه الجماعة قد يبدو في نظر الآخرين فيه نوع من الصراحة والصلابة، وليس كما اتهمت الجماعة من قبل بعض المسرحيون السلطويون بأن ( جماعة كتابات مسرحية) كانت تمارس عملية هدم أو عملية قتل لطاقات.. في حين كان الهدف من ذلك هو ممارسة نقد وتقويم حقيقي للمسرح.

بخصوص البرنامج التثقيفي

أن الجماعة مؤلفة من هواة لديهم حماس للمسرح وممارسته وبالتالي لديهم الرغبة العميقة للمعرفة المسرحية أكثر فأكثر، وأن الجماعة تضم أناسا ذوي ثقافة مسرحية جيدة،وأي منهم لم يحصل عليها جراء دراسة أكاديمية في معهد دراسي أو غيره ، بل بجهد ذاتي صبور ودؤوب لذا كان للجماعة طريقتها في رفع مستوى المعرفة الأكاديمية والعملية المنهجيةـ في المسرح لدى أعضائها ـ فكانت هناك القراءات الذاتية الخاضعة للمناقشة دائما وهناك برنامج لدراسة المؤلفات الأكاديمية في المسرح المتوفرة بالعربية (4) وعلى أساسها كانت تعقد الندوات الأسبوعية في نادي الفنون.

وبسبب من جدية الندوات والمساهمة الجماعية للمنتديين استقطبت هذه الندوات مسرحيين من خارج الجماعة، وتحديدا (فرقة المسرح المعاصر) التي يجمعها وحدة عمل مشتركة مع (جماعة كتابات مسرحية).
وأيضا استقطبت من جمهور النادي، إضافة إلى هذا كانت المسرحيات التي تعمل الجماعة على تقديمها كعروض تناقش بإسهاب وتدرس كل جوانبها وكل شخصياتها وهذا يساهم جديا بتعميق المعرفة المسرحية ورفع مستواها لدى الأفراد في الجماعة وقد أخذت الجماعة بأسلوب تقديم دراسة عن الشخصية في المسرحية من قبل من يروم أو يوكل إليه القيام بدورها وهذه الدراسة تتناول الشخصية بالتحليل كإنسان من جميع أبعاده.
وهذا ما حصل في مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية) وأيضا علاقة هذه الشخصية المحتملة مع الجمهور وأثرها.
وبالمناسبة لم يكن الأعضاء يقتصرون بعملهم على فتره التدريب بل أيضا يطالبهم المخرج بالتحضير والمواصلة في المنزل، من أجل أن يبقى الفرد حاضر الذهن إزاء دوره في العمل.
و نتابع في محاولة لنبش الذاكرة فعلا، أن الجماعة اتبعت مبدأ الجماعة بالعمل، كل مسئول عن العمل، ولكل اختصاصه المستقل فاللمخرج ومدير المسرح وغيرهما دورهم لاختصاصي، وأيضا يحق لكل فرد إبداء الرأي حول أي نقطة يشاء بدافع المسؤلية الشخصية عن العمل، أي هناك احترام للمسؤولية والمساهمة فيها في آن واحد.
أن هذا الأسلوب الديموقراطي في التعامل كان يرسخ مبدأ الجماعية بالعمل ويساهم بجدية في رفع مستوى المعرفة المسرحية لدى كل فرد في الجماعة.
وقد مارست الجماعة عملها بعيدا عن تسلط الاختصاص وتبعية الممثلين والعاملين وخضوعهم غير الواعي للأمر والقرار، كما كان الأمر بالفرق المسرحية الرسمية الأخرى وهذا ما تطرق له بنيان صالح في مقالة نقدية نشرت في مجلة الثقافة.5
على أية حال مارست الجماعة برامج تثقيفية وساهمت بخلق شخصيات ذات ثقافة مسرحية جديدة.

أزمـة الجماعـة
يقينا كون الجماعة كانت غير مجازة رسميا ولا تحظى بدعم مالي أو أية تسهيلات, بل كانت في موضع المحاربة, كما سلف الحديث عنه لذا كانت ماليتها تعتمد على اشتراكات أعضاؤها فقط, حيث تعد أكثر الفرق فقرا من الناحية المالية, رغم غناها بالإمكانيات الفنية والفكرية والطاقات المسرحية, وهكذا كانت جماعة تعاني من مصاعب مالية كثيرة تجاهد وبصعوبة إزاء أي عمل تقوم به, وبجها دية عالية, فكانت تناضل ضد حرمانها من مكان للتدريب ومسرح للعرض, فكان أعضاؤها يستغلون علاقاتهم الشخصية للحصول على (صف) في مدرسة ما بعد الدوام للقيام بالتدريبات وأحيانا كثيرة كانت المدرسة في مكان بعيد, يكلف الأعضاء كثيرا في العودة لبيوتهم في المساء المتأخر بعد انتهاء التدريبات.

ومن الجدير بالذكر أن كافة أعضاء الجماعة غير متفرغين للمسرح فلديهم أعمالهم الوظيفية على امتداد النهار ويمارسون التدريب في المساء دائما, بدافع حبهم واخلاصهم للمسرح.
إذا كانت أزمة مكان التدريب كما هو حال المسرح للعرض إلا أن الجماعة استغلت بشكل جيد مناسبة المهرجانات المسرحية كمثل مناسبة (يوم المسرح العالمي) وغيرها.. ولا بد من ذكر نادي الفنون فقط الذي قدم مساعدة جيدة للجماعة بما فيه توفير مسرح للعرض.
ومما يحضر بالذاكرة دائما بعض الصعوبات وبعض المفارقات, منها أن الجماعة كانت تكلف واحدا أو اثنين من أعضاؤها لغرض إيصال العناصر النسوية منها ( أم عادل, وأم أنسام) إلى بيوتهن بعد انتهاء التدريبات بسبب المضايقات الاجتماعية أو ما شابه ذلك تحوطا.

ولا تزال المناقشات الجادة طرية في الدهن وكيف كان بنيان صالح دوره المتميز بها كمخرج الجماعة واحد أفضل مسرحييها, وكمثل على جهادية هدا الرجل أن صبر على مواصلة عمله مع الجماعة إلى جانب عمله كمعلم, حتى اضطر يوما إلى الإعلان وبتأثر بالغ عن نيته باعتزال الجماعة بسبب من وفاة والده وبقاءه المعيل الوحيد لعائلته الكبيرة مما حتم عليه البحث عن عمل إضافي يعتاش منه لأن مرتبه بسيط كمعلم, ولا تنسى لحظات انفعاله والتأثر والحماس أثناء تأدية التدريبات و نقاشاته حول اختيار النصوص وكيفية تنفيذها والبحث الدائم عن الجديد الجيد... أنه رجل مجاهد حقا.

دور نادي الفنون
نادي الفنون الذي تأسس في البصرة عام 1969 والذي ضم واستقطب جميع الفنانين على اختلاف اختصاصاتهم, من موسيقيين وتشكليين بالإضافة إلى الفرق المسرحية التالية:
- فرقة اليوم فرع البصرة, فرع لفرقة 14 تموز,و الفن الحديث فرع البصرة، وفرقة المسرح المعاصر، وهي الفرقة التي زامنت تأسيس نادي الفنون ، إضافة إلى "جماعة كتابات مسرحية" التي جمعتها وحدة عمل مشتركة مع فرقة المسرح المعاصر فيما بعد.

وشكل نادي الفنون ظاهرة متميزة حققت نجاحات كبيرة في تطوير مستوى الفن والثقافة في المحافظة وبالرغم من ضعف إمكانياته كان يحتضن كل النشاطات التقدمية والجادة, وكان المركز الذي احتضن المواهب الفنية وعمل على تطورها, لقد كان العامل الوحيد في نجاحات نادى الفنون هو وجود العناصر التقدمية في هيئته الإدارية وغالبية أعضاءه، ولم يكن لهذا النجاح الاستمرار بسبب رعب الرسميين من تطور النادي ونشاطاته كونه يشكل مصدر إزعاج للرسميين الذين ينظرون إليه نظرة يمتزج فيها الكره بالحقد ولا يتوانون عن مضايقته كلما سنحت لهم الفرصة, وذلك لأنه- هذا النادي- يرى في الفن رسالة إنسانية في وسط ملئ بالصراعات, ( وشيئا فشيئا اغتصب الق نادي الفنون, وأقفرت حديقته ثم أغلقت أبوابه) , لقد كانت مساهمة النادي بدعم الفرق المسرحية ولاسيما "" جماعة كتابات مسرحية"" كبيرة جدا بما فيها استخدام مسرحه الخاص رغم إمكانياته المحدودة.
ونتذكر بعض الأعمال أو بعض العروض التي نفذتها" جماعة كتابات مسرحية" كان بعض الموسيقيين منهم الأستاذ محمد الكرناوي, وطالب غالي, أو مثلا كوكب حمزة, وطارق الشبلي والآخرين أيضا قدموا المساعدة المالية والفنية.
ولابد من الإشارة إلى أن الفرق المسرحية الموجودة في النادي كان يجمعها وحدة عمل بحيث استطاع النادي أن يرعى الفن بالمحافظة لفترة زمنية لا بأس بها.
ومن الجدير بالذكر أن النادي احتضن مهرجان المسرح العالمي لأعوام ما بين 1970-1973, حيث قدمت الفرق المسرحية عروضها على مسرح النادي آنذاك, واذكر انه خلال العروض المقدمة كان هناك تنافس واضح لتقديم ما هو أفضل, وبعدها أنتجت أعمال مسرحية بالتنسيق مع فرقة( المسرح المعاصر) والتي اندمجت معها جماعة كتابات مسرحية حيث قدمت مسرحية (تألق جواكان موريتا ومصرعه) من إخراج بنيان صالح.
وبعد إغلاق نادي الفنون عام 1974 قدمت"" جماعة كتابات مسرحية"" بالاشتراك مع العناصر التي كانت في فرقة "" المسرح المعاصر"" مسرحية ( المنجم)- للأديب والشاعر الراحل معين بسيسو- وهي آخر الأعمال التي قدمتها في عام 1975 على مسرح قاعة التربية في مدينة العشار بالبصرة.

الطمــــــوح
حقا يمكن القول أن ""جماعة كتابات مسرحية"" كانت مشردة وبلا مقر وكان طموحها لمقر مشروع جدا لكن من المعروف أن الجماعة بسبب من نضج فهمها للواقع الاجتماعي والسياسي القائم آنذاك وممارسة أعمالها من موقف ملتزم, كانت تتعرض للمحاربة والمضايقات ومنع عروضها, ومن ابرز هذه المضايقات القيام بإجراءات نقل وظيفية لبعض أعضاء هذه الجماعة أو المتعاونين معها إلى مناطق نائية بعيدة عن مركز المدينة, في محاولة لحرمانهم من مزاولة نشاطهم الفني ( وهذا لا ينطق على هذه الجماعة فقط بل ينطبق على فرق مسرحية تقدمية أخرى) في عموم العراق إلا ان الجماعة لم تستسلم وتتنازل بل خاضت كفاحا من أجل تقديم أعمالها المسرحية نذكر منها: (هو الذي يتحدثون عنه كثيرا, المدمن, سيرة أس, اليانكي, يبحر العراق, الطوفان, نكسة حريزان, السفينة, نيران السلف, طلوع القمر، محد يعرفك يالبن, كبرت والكبر ينسى, تألق جوكان موريتانيا ومصرعه...) ورفضت المساومات إزاءها وحافظت على القيم الإنسانية والفكرية في أعمالها وبالتالي ليس غريبا حرمان الأعمال أو العروض من رؤية النور وبقاء النتاجات ضمن أرشيف الجماعة, ومن ابرز الأعمال المرفوضة على سبيل المثال ( أيام الكمونة, ودائرة الطباشير القوقازية, منعت كذلك في بغداد حيث عرضت ليوم واحد فقط من قبل الفرقة القومية, وفي انتظار اليسار, التي كانت تتوازى مع مستوى أعمال الفرق المسرحية الأخرى في العاصمة).
ومع هذا تمكنت الجماعة من تقيم أعمالها للجمهور وسعت الى سلوك كل سبيل ممكن بما فيه المسرح الجوال (حتى كان هناك محاولات لتقديم العروض في بساتين النخيل في منطقة أبي الخصيب واستغلال كل فرصة ممكنة لتقديم العروض), وأيضا ناورت الجماعة بطريق دفع عناصرها للعمل ضمن فرق مسرحية مجازة التي تتمكن من تقديم عروضها المسرحية المسجلة للتلفزيون منها:رحمة وأمير الغابة المسحورة ) ل ألفريد فرج وهو نص مسرحي للأطفال, (الحصار) لعادل كاظم و(مغامرة رأس المملوك جابر) لسعد الله ونوس .
لقد كان عمل الجماعة مضنيا ومتعب, كان كفاحا وجهادا مريرا حقا, ولذيذا مترعا جمالا وسعادة..

الخاتـــــــــمة
لقد مرت حتى الآن أعواما على ظهور ""جماعة كتابات مسرحية "" ويمكن القول أن بعض أعضاء هذه الجماعة مازالوا موجودين خارج الوطن, كل في منفاه أو القابعين في عراق الروح.
وهذا ما حملني على الاعتقاد بأنني لم أكن قادرا على ايفاء هذه الجماعة الرائعة حقها من الإعجاب والتقدير.
وعلى كل حال, ما كان يهمني أيضا هو الأشخاص أنفسهم بطبائعهم وعاداتهم, وفي النهاية أسجل بأن انتمائنا إلى المسرح قائما ويحمل استمراريته لأن نجدد ( جماعة كتابات مسرحية)
وأن نمارس طريقها من جديد, وبنفس جديد وبطاقات شابة جديدة مستفيدين من تجربتنا وسنبقى نعتز بمرحلتنا الأولى.
أن استعراضا كهذا لبرنامج وعمل ( جماعة كتابات مسرحية) يعطينا فكرة عن طبيعة التوجه الفكري,- الفني- والسياسي الذي تأخذ به الجماعة.
وأضيف لما تقدم أن هناك أشياء كثيرة ربما لم أتذكرها وقد تكون أساسية في عمل وتفكير الجماعة, أو بعض الحالات أو اللحظات والتي قد تكون مهمة تماما... وتشكل بالنسبة لنا تراثا نعتز به, على ضوء ما أنجزه مسرحيون موهوبون...بل شيوخ"... شيوخ" بالمعنى الأدبي والمعرفي.


الهوامش

1- سوق قديم ذو تسميتين – المغايز أو الهنود – وهو أكبر سوق في مدينة البصرة، والأكثر ازدحاما بالمارة.
2- المكارثية نسبة ل (جون مكارثي) سياسي ديماغوجي أمريكي عضو مجلس الشيوخ وله نفوذ في الإدارة الأمريكية والأمنية في عهد (الرئيس الولايات المتحدة أيزنهاور)إبان أربعينات القرن الماضي وكان من ألد أعداء الشيوعيين والتقدميين على الإطلاق.
3- مثل المسرح – التسجيلي – لبيتر فايس – الذي له قواعده المنظمة وطريقته بالتأليف والإخراج ومسرح ماير هولد والطليعة الروسية – ومسرح فاختانجوف – أو مثلا – تايروف .. والمسرح التأليفي ...إلخ.
4- مثل مؤلفات (ستانسلا فسكي) عن (فن الممثل، فن المسرح، أو إعداد الدور المسرحي) وعن مدرسته والمؤلفات في المدرسة البرختية *.
* ل (جماعة كتابات مسرحية) إسهامات بحثية عن كتابات بريخت والكتابة عنه في سلسلة مقالات نشرت في مجلة (الطليعة المصرية) تحت اسم (الأور غانون الصغير).
5- مجلة (الثقافة) مجلة تقدمية مستقلة تعني بشؤون الأدب والثقافة في العراق، وجماعة كتابات مسرحية كانت تعتمدها في نشر مقالاتها أن لم نقل أكثرها آنذاك.





 

Counters