الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأثنين 11 /12/ 2006

 

 

إبسن .. رائد الحداثة والتمرد على الواقع


رضا الظاهر

في رسالة الى الناقد الدنماركي جورج برانديس في 14 نيسان (ابريل) 1872 كتب إبسن يقول "لا أعرف ما الذي ستكون عليه نتيجة هذه المعركة الطاحنة بين عصرين. ولكن أي شيء هو أفضل من الوضع القائم".
وفي محاضرته الفابية عن إبسن كتب برناردشو عن رسالة إبسن، التي اعتبرها نداء الى معركة ينطوي على أمل، معلناً أن النرويجي هو زعيم طليعة الفكتوريين "المحدثين"، الذي مجّد، في نهاية القرن، الاشتراكية والنسوية وأشكالاً جديدة من التعبير الفني.
وعلى الرغم من أنه لم يطأ الأرض البريطانية، فقد كان تأثير إبسن على الحداثة الثقافية الفكتورية في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر تأثيراً عميقاً. وفي السابع من حزيران (يونيو) 1889 قدم أول عرض لمسرحية (بيت الدمية) على مسرح نوفلتي بلندن. وحضر العرض مجموعة من البوهيميين والمثقفين، وبينهم برناردشو، الذي أصبح، في وقت لاحق، من أهم الدعاة في انجلترا للكاتب النرويجي، وإليانور ماركس، ونسويات وروائيات أخريات بينهن أوليف شراينر وإيديث ليز إيليس وإيما فرانسيس بروك. ولم يكن هذا هو جمهور المسرح المألوف الذي كان يحضر العروض السائدة لأعمال الكوميديا والرومانس والميلودراما، التي كانت قد هيمنت على المسرح عبر الكثير من العصر الفكتوري. وقد كتبت أيديث ليز أيليس بعد ثلاثين عاما من عرض (بيت الدمية) عن كيف أن "عدداً قليلاً منا تجمع خارج المسرح ونحن نلهث مندهشين. كانت هناك أوليف شراينر والشاعرة دولي رادفورد وإيما بروك وإليانور ماركس. كنا حادّين بل وفظّين في مناقشاتنا. ماذا كانت القضية تعني ؟ هل كانت قضية حياة أو موت بالنسبة للنساء ؟ هل كانت قضية فرح أو حزن بالنسبة للرجال ؟
وما كان واضحاً هو أن شيئاً ما كان قد "حدث" للمسرح في انجلترا، وأنه لن يكون المسرح ذاته ثانية. ففي عام 1886 اعترف الكاتب المسرحي هنري آرثر جونز بأنه "... ليست هناك دراما تدعي تصوير الحياة الانجليزية الحديثة، وقد يمكنني القول تدعي تصوير الحياة الانسانية على الاطلاق".
ولكن هذا كله تغير في عام 1889 بوصول (بيت الدمية) الى لندن، في عرض شكل حداً فاصلاً في تطور المسرح البريطاني. وفعل إبسن للدراما الأوروبية ما كان قد فعله فلوبير للرواية عام 1856، إذ قدم "الواقعية الجديدة" على المسرح، التي جسدت، بتفحصها الانتقادي لحياة وقيم الطبقات البرجوازية، رفضاً شاملاً للحبكات الرومانتيكية التي كانت سائدة في الكثير من الأعمال الدرامية البريطانية، وكذلك في الرواية خلال جزء كبير من القرن التاسع عشر.
واعتبرت إليانور ماركس إبسن رائد التغيير الذي يسجل ويسهم في ما كانت تأمل أن يكون الانفجار الداخلي العاصف للنسيج الاجتماعي البرجوازي. وصورت إليانور اضطهاد نورا العائلي في (بيت الدمية) باعتباره شبيها باستغلال العمل. وفي مقالتها (قضية النساء: وجهة نظر اشتراكية) جادلت بأن "النساء مخلوقات الطغيان المنظم للعمل، كما أن العمال مخلوقات الطغيان المنظم للعاطلين المتبطلين". واعتبره برناردشو واقعياً، على نحو أخلاقي حاسم، بأجندة راديكالية واضحة للتغيير الاجتماعي، بينما كان "نادي الرجال والنساء"، الذي أسسه العالم البريطاني كارل بيرسون، يضع "شخصيات إبسن" في أعلى قائمته لموضوعات المناقشة. وبقيت مكانة إبسن كرمز راديكالي قائمة في القرن العشرين. وقد كتب أحد الكتاب في مجلة "بوكمان" عام 1913، منادياً بنورا هيلمر باعتبارها "المرأة الجديدة"، وهي جديدة بما يكفي لقيامها بنقد المرأة الحرة في آخر روايات أتش. جي. ويلز !
وكان خطاب إبسن في تجمع للعمال في تروندهايم يوم 14 يونيو (حزيران) 1885، الذي غالباً ما يجري الاستشهاد به، مصدر بهجة لأنصاره الراديكاليين. ويعتبر التماثل الذي ثبته إبسن بين العمال والنساء هاماً جداً. ذلك أنه اذا ما كانت هناك أزمة محسوسة في علاقات الجندر في أواخر القرن التاسع عشر، فان هناك حاجة للاعتراف بأن الاختلاف الجنسي كان واحداً فقط من ميادين معركة آيديولوجية في أواخر القرن التاسع عشر، بالارتباط مع ظهور نقابات العمال في ثمانينات وتسعينات القرن المذكور، وتشكل أول الأحزاب الماركسية الصغيرة في بريطانيا (الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي بزعامة الماركسي البريطاني هنري هايندمان، والمنظمة الاشيراكية بزعامة ويليام موريس)، مما شكل تهديداً قوياً للسلطة الاجتماعية والاقتصادية القائمة. وارتبطت "المرأة الجديدة" نفسها، كما تشكلت في الصحافة الدورية في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى نحو متكرر، بالاشتراكية، حيث علق كارل بيرسون في عام 1894 قائلا بأنه "لم توجد قضية عمل بدون قضية امرأة أيضاً"، وأكد أن "العمال والنساء يسعون الى الخلاص من العبودية انطلاقا من الاستقلالية الاقتصادية..."
وكان التقارب الفعلي بين النسوية والاشتراكية في نهاية القرن التاسع عشر مؤقتاً وجزئياً، وقد جرى توثيقه على نحو جيد من جانب المؤرخين الاجتماعيين. وأدرك إبسن قوة مثل هذا التحالف، ذلك أن هذا هو الذي يمنح، جزئياً، مثل هذه القوة لمسرحياته التي تسفّه القيم الاجتماعية البرجوازية، كما تسفّه تراتبية الجندر التي تصاحبها. غير أنه لم يكن أبداً متعصباً في السياسة. فقد كان في مسرحياته، الى حد كبير، فردانياً ليبرالياً، حيث نورا هيلمر هي نموذجه، وكان انجذابه لنسوية أواخر العصر الفكتوري يتأكد في هذا الاطار. غير أن المدهش أن أولئك الأفراد الداعين الى التحرر في مسرحياته، والذين يسعون الى هزّ عوائق التقاليد من أجل تطوير هوية ووعي ذاتي "حديث" غالباً ما يحكم عليهم بالفشل. وعلى الرغم من أن الطبيعة الأقل التزاماً في القضايا السياسية الشخصية لإبسن غالباً ما شغلت كتّاب سيرة حياته، فإن هذا ليس هو ما يفسر موت هيدا غابلر وربيكا ويست وأوزفالد ألفنغ، ولا السجن العائلي والحرمان من التعبير الذاتي الجنسي بالنسبة لريتا أولمز وهيلينا ألفنغ. ذلك أن ما يشترك فيه مع نسويي واشتراكيي القرن التاسع عشر هو الاستثمار الكبير في الداروينية الاجتماعية، وأن هذا هو الذي حدد، جزئيا على الأقل، حياة شخصياته المسرحية.
هناك توتر في مسرحيات إبسن بين الثقل الجامد للماضي والامكانيات الراديكالية للمستقبل. فممثلو الماضي التقليدي المحافظ هم في معركة مستمرة مع رواد الحداثة والمبشرين بها. ونجد الدافعين التوأمين لنهاية القرن، أي الانحلال والتجديد، في تعارض مستمر في عمل إبسن. ولكن "الماضي" في المسرحيات لا يجري تصويره فقط في إطار النزعة التقليدية المحافظة. فالنظرية البيولوجية شبه العلمية للوراثة تشي بمسرحياته، المتأثرة، بلا ريب، بداروين وبالتيار الفكري الأعم المعروف بالداروينية الاجتماعية. ولن يفند كثيرون مكانة داروين كواحد من عمالقة الحداثة. ولكن مفهوم "الحديث" بالارتباط مع فكر داروين، وبتحديد أكبر، بالارتباط مع تأثير فكر داروين على مسرحيات إبسن، مفهوم إشكالي على نحو عميق. ذلك أن نظرية الوراثة ذات تأثير رجعي على دراما إبسن، يوقف مدّ الحداثة الذي مثلته، بلا ريب، نورا هيلمر وأوزفالد ألفنغ وربيكا ويست وأمثالهن في مسرحياته. وكان برناردشو حساساً تجاه التأثير السلبي سياسياً للفكر الدارويني على دراما إبسن. وفي (جوهر الابسنية) يحاول أن يصرف النظر عن تأثير الداروينية على كاتبه المسرحي الراديكالي المفضل، مجادلاً بأن الاعجاب الذي أبداه إبسن بداروين يرتبط مباشرة بالصفعة الأخلاقية التي وجهها داروين الى زيف التقاليد.
ولكن مسرحيات إبسن كانت واقعة تحت تأثير الداروينية الاجتماعية. ويجري التعبير عن هذا الاحساس الاشكالي في مسرحية (الأشباح)، التي عرضت أول مرة في فرنسا عام 1890، بتحفيز من إميل زولا، الذي اعتبرها مسرحية "طبيعية" ... وعلى أية حال فان تأثير الداروينية على مسرحيات إبسن تأثير عميق وبحاجة الى دراسة تفصيلية. غير أنه يجب أن يولى اهتمام بالتقارب المذهل في الأفكار بين إبسن وشخصية بارزة أخرى من شخصيات "الحداثة" في العصر الفكتوري هو سيغموند فرويد، الذي قدم تحليلاً مميزاً من خلال دراسته مسرحية إبسن (إيولف الصغير) ـ 1894.
ومن ناحية أخرى فان الخطوة باتجاه الدراما السايكولوجية في مسرحيات إبسن متوافقة على نحو ملفت للنظر مع النزعة الجمالية باتجاه كتابة قصص قصيرة سايكولوجية كانت تفضلها كاتبات نسويات في أواخر القرن التاسع عشر مثل جورج إيفرتون، أوليف شراينر، تشارلوت بيركنز غيلمان، وكيت تشوبان.
وكما أن فرويد وجوزيف بروير شرعا بنشر عملهما البارز الموسوم (دراسات في الهستيريا) خلال أعوام 1893 و1895 فان إبسن وعدداً من كتاب "المرأة الجديدة" ابتكروا "دراسة حالة" للمسرح والرواية. فالعمق السايكولوجي لمسرحية (إيولف الصغير)، وهي إحدى مسرحيات إبسن الأخيرة، يمكن أن يشخص، في الواقع، في مرحلة أبكر من نتاجه المسرحي. ويمكن اعتبار حقيقة أن مسرحيات إبسن في الفترة الوسطى والأخيرة تميل الى الانتهاء بمناقشة حول علاقة بدلاً من حل العقدة مؤشراً على محتواها السايكولوجي. فالحوار المؤلم بين ريتا وألفريد أولمرز في نهاية (إيولف الصغير)، على سبيل المثال، يشكل أحد أكثر المشاهد تأثيراً في مسرح إبسن. ويمكن اعتبار مسرحية (بيت الدمية) مسرحية انتقالية في هذا الاطار. وبينما يجري التأكيد على تشريح ثاقب لزواجهما الفاشل من جانب نورا هيلمر في أول "حديث جاد" بينها وبين زوجها خلال ثماني سنوات من الزواج قريباً من نهاية المسرحية، فان ما يتذكره معظم المشاهدين هو الحل الدراماتيكي للعقدة، إغلاق الباب بعنف. إن نورا هيلمر شخصية واقعية، الى حد كبير، وشخصية نموذجية بالمعنى اللوكاتشي (نسبة الى لوكاتش). إنها امرأة "عائلية"، و"ملاك بيت" تلقي هالتها في الريح. وعلى النقيض من ذلك فان هيدا غابلر، الأكثر صعوبة، والتي أبدعها إبسن بعد ما يقرب من أحد عشر عاماً، هي أقل تجسيداً للشخصية الواقعية منها لدراسة الحالة السايكولوجية، وإن اهتمام هيدا غابلر الملازم للدافع السايكولوجي وراء سلوك هيدا الصعب والمتطرف. أما "دراسة الحالة" السايكولوجية للمرأة الأكثر تأثيراً فيمكن أن نجدها في مسرحية (روزمرشولم) ـ 1886، حيث تنتحر، أخيراً، ربيكا ويست، "المرأة الجديدة" المثقلة بالإثم، بدل أن تحقق الانجاز الذاتي الجنسي. ويبدو، الآن، تأثير إبسن على أولئك الكتاب لرواية "المرأة الجديدة"، الذين كانوا يفضلون إدراك "اللحظة السايكولوجية" على الأدوات الواقعية لرواية القرن التاسع عشر، يبدو تأثيراً واضحاً تماماً. وفي هذا الاطار فان إسهامه في الحداثة المبكرة هام، على الأقل، كأهمية إسهامه في الواقعية المسرحية.
ومن المعروف أن إبسن احتل مكانة مؤسس الدراما الحديثة عبر ابتكار المسرحية النثرية الواقعية وجعل المسرح منتدى للجدل. وتشير دراسات للحداثة الى أن أصول الدراما الأوروبية الحديثة تكمن في الاهتمام الملزم الذي منحته الثمانينات والتسعينات للاشكالي والمعاصر، والاستكشاف الدؤوب لمصادر النثر كوسط مسرحي. وكلا الأمرين يشيران بدون تردد الى إبسن.
ومن المعتاد أن يعتبر مؤرخو الدراما الحديثة وضع النساء بين المشكلات المعاصرة التي طرحها إبسن للجدل. ويقول إريك بنتلي إنه عبر إثارة الاهتمام باستعباد الزوجات في العصر الفكتوري، وأضرار الزهري، وفساد الهيئات السياسية المحلية والصحافة، جعل إبسن نفسه أب الدراما الاصلاحية في نهاية القرن. وعلى نحو مماثل يضع الناقد المسرحي الأميركي روبرت بروشتاين "حقوق النساء" الى جانب "الطلاق، والقتل الرحيم، وعلاجات الزهري" في قائمته التي تضم قضايا "التحسين الاجتماعي" و"الاصلاح السياسي"، المرتبطة، عادة، بعمل إبسن. وبالنسبة للناقدين الأميركيين جون فليتشر وجيمس ماكفارلن فان "دور النساء في المجتمع" هو "مشكلة إبسنية" سوية مع "خطر التلوث"، و"الصراع عبر الهوة بين الأجيال".
ان وضع "استعباد الزوجات في العصر الفكتوري" و"حقوق النساء" و"دور النساء في المجتمع" على قائمة المشكلات التي جادل فيها إبسن ومعاصروه يرتبط بمركزية "قضية المرأة" في تطور الدراما الحديثة. وكما أظهر المؤرخ الأميركي بيتر غاي فانه منذ خمسينات القرن التاسع عشر حتى نهاية القرن كانت أوروبا منشغلة، الى حد كبير، بتحدي النسوية للبطرياركية.
وكانت قضية المراة أساسية بالنسبة للمسرحيات الثلاث التي قدم إبسن من خلالها دراما الواقعية، وهي: (أعمدة المجتمع) ـ 1877، و(بيت الدمية)، و(الأشباح). وكان أوغست سترندبيرغ، الشخصية الأكثر أهمية في تطوير الدراما الحديثة بعد إبسن "قد نهض متمرداً ضد الحركة النسوية" على حد تعبيره هو في المسرحيات الشهيرة لمرحلته الطبيعية: (الأب) ـ 1887، و(المس جولي) ـ 1888، و(رفاق) ـ 1888، و(الدائنون) ـ 1888. وبحثت مسرحيات غيرهارت هوبتمان، الذي هيمن على المسرح الألماني لعشرين سنة، قضية حقوق النساء: (قبل شروق الشمس) ـ 1889، والمساواة في الزواج (حيوات موحشة) ـ 1891، وكشفت عن شرور المعيار المزدوج (روز بيرند) ـ 1903. وفي ألمانيا أيضاً كان موضوع مسرحيات فرانك ويديكايند: (استيقاظ الربيع) ـ 1891، و(روح الأرض) ـ 1894، و(صندوق باندورا) ـ 1898، الروح الجنسية الفاسدة للبطرياركية. وفي فرنسا كتب يوجين بريو مسرحيات مثيرة للجدل حول المعيار المزدوج وتسليع النساء (البنات الثلاث للمسيو دوبون) ـ 1898، وصمت المجتمع عن مرض الزهري (السلع التالفة) ـ 1902، وشرور الأمومة القسرية (الأمومة) ـ 1903. وفي إنجلترا أشغل الجدل حول قضية المرأة برناردشو، نصير إبسن، الذي وضع أنماطاً من "المرأة الجديدة" على المسرح في (المنهمك في المغازلة) ـ 1893، و(مهنة المسز وارين) ـ 1893، و(كانديدا) ـ 1894. وكانت كل مسرحيات أوسكار وايلد الكوميدية: (المعجب بالليدي وينديمير) ـ 1892، و(امرأة غير ذات أهمية) ـ 1893، و(زوج مثالي) ـ 1895، و(أهمية أن يكون المرء جاداً) ـ 1895، تكشف عن جور المعيار المزدوج وتفاهته الصرفة. ومما لا جدال فيه أن قضية المرأة احتلت أهمية أساسية بالنسبة لرواد الدراما الحديثة.
وإذا كان من الهام أن نؤكد على انتشار قضية المرأة في تطور الدراما الحديثة، فمن الهام، على نحو مماثل، أن نميز بين هذه القضية والقضايا الأخرى لـ "دراما المشاكل" التي يمكن أن تعالج عبر السياسة العامة أو التوجيه الاجتماعي. ذلك أن النساء، على خلاف الزهري والتلوث والهوة بين الأجيال لسن مشاكل وانما كائنات انسانية مثل الرجال. ولم يعتبر إبسن النساء من الاشكاليين وتحتاج وظيفتهن في المجتمع الى تعريف. ولم يجادل، في أي مكان، بشأن "دور النساء في المجتمع"، ذلك أن المجتمع بالنسبة لإبسن هو العدو. وفي (بيت الدمية)، التي تعتبر معالجة إبسن الأكثر وضوحاً لقضية المرأة، يدور الصراع بين طلب المجتمع أن تتبنى نورا دور المرأة المحدد لها ـ "أنت، قبل كل شيء، زوجة وأم" ـ ورفضها باسم استقلاليتها: "أعتقد أنني، قبل أي شيء آخر، كائن إنساني". ولم تغادر نورا بيت الدمية لتجد دوراً معيناً في المجتمع، وانما، على العكس، لتحاول أن تكتشف الذات التي ترفضها في تجسيد دور. وأشار الكاتب الأميركي جيمس هونيكر الى أن (بيت الدمية) كانت "طلب المرأة أن تكون كائناً انسانياً لا أكثر من الرجل ولا أقل منه".
ويعتبر تأكيد إبسن على النساء ككائنات إنسانية مستقلة هو التجسيد الأكثر إثارة للاهتمام في الراديكالية التي جعلت منه حامل لواء الحداثة. وأياً كانت المعاني الخاصة التي تتخذها الحداثة عندما تستخدم لتصنيف كتاب أو أنواع أدبية مختلفة، فان الباحثين في الحركة المتنوعة يتفقون على أن سمتها الرئيسية كانت التمرد الشامل ضد النظام السائد. فقد كانت واحدة من الانتفاضات الجامحة للثقافة. وكانت مكرسة في كل شيء في التجربة الانسانية يعمل ضد الأعراف. ومنذ سبعينات القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن كانت "الإبسنية" مرادفة للحداثة لأن إبسن كان الأكثر جرأة في فضح أوثان وأوهام الثقافة الغربية خلال فترة عندما لم تكن الأفكار والعلاقات التي لم تتغير منذ عهد لا ترقى إليه ذاكرة أحد عرضة للهجوم والتعديل.
ويمكن فهم العلاقة بين تجسيد إبسن للنساء و"المشكلة الإبسنية" على أفضل نحو بالارتباط مع صلة إبسن ببرانديس، منظّر الحداثة الهام. ففي "المحاضرة الافتتاحية" عام 1871 في السلسلة التي أصبحت في وقت لاحق الدراسة المقارنة العظيمة الموسومة (تيارات رئيسية في أدب القرن التاسع عشر) كتب برانديس الفقرة الشهيرة الآن، وفيها قال إن "ما يبقى من الأدب حياً في أيامنا أنه يطرح المشاكل للنقاش. وهكذا، على سبيل المثال، تجادل جورج ساند في مشكلة العلاقات بين الجنسين، وبايرون وفويرباخ في الدين، وجون ستيوارت ميل وبرودون في الملكية، وتورغينف وفردريك سبيلهاغن وإيميل أوغييه في الظروف الاجتماعية. فالأدب الذي لا يطرح المشاكل للنقاش يفقد كل معناه. وأنهى برانديس محاضرته بنداء للقتال يجعل من الواضح أن "المشاكل ينبغي أن تناقش في سياق لا يقل عن ثورة شاملة في التفكير" "ذلك أنه ليست قوانيننا هي التي تحتاج الى تغيير بقدر ما يحتاج مفهومنا الشامل للمجتمع. فالجيل الشاب يجب أن يقتلع هذا المفهوم ويعيد غرسه قبل أن يتمكن أدب جديد من التفتح والازدهار".
وقد دقت نظرية برانديس الثورية جرساً مدوياً في تفكير إبسن. وفي رسالة التهنئة كتب إبسن الى برانديس يقول إن الجزء الأول من محاضراته كان "باستمرار" في ذهنه، بل إنه أعاقه عن النوم. وجاء في رسالته "إنه واحد من تلك الأعمال التي تضع هوة عميقة بين الأمس واليوم .. إنها تذكرني بحقول الذهب في كاليفورنيا عندما اكتشفت أول مرة. فهي إما خلقت مليونيرية من الرجال أو خرّبتهم ... لا أعرف ما الذي ستكون عليه نتيجة هذه المعركة الطاحنة بين عصرين. ولكن أي شيء هو أفضل من الوضع القائم".

المدى 11/12/2006