الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الأربعاء 10/12/ 2008



تشظيات أفق المحور الديني في شعر صدام فهد الاسدي

د. هدى صحناوي - جامعة دمشق

يشمل المحور الديني عدة قضايا حساسة لأن الشعر ليس غاية جمالية فحسب أو جانبا من الحياة فقط. إن الشاعر في بعض قصائده يتوجه إلى العالم الغربي المادي الذي وجد في لغة التهجم على الدين والله والأنبياء مادة خصبة للإثارة والتشويق لذلك يمكن أن نتحدث عن القضية الدينية وفق الخطوات التالية:

أولا : الذات الإلهية
جعل الشاعر بعض شعره محورا لردود على هؤلاء الذين ينتهكون المقدس أو الذات الإلهية، فمن قصيدة له يرد على شاعر قال لم يبق سوى الله يعدو كغزال أخضر تتبعه كلاب الصيد سنطارده، يقول:

أي شيء يبقى منا سيدي غير الإله
إنها أقوالنا
وغدا من يفتح القبر سوى أعمالنا
الله اسم الله در ساكن أرواحنا [1]

ويقف الشاعر بخضوع أمام الذات الإلهية ليسألها العون بخاصة حين يصيب الإحباط الجميع، إنها الشكوى العارضة لحال المجموع عبر الفرد في فن الدعاء الشعري:

رباه قد مسح الأذى أهدابي
لي واحة رفت منابع روحها
وتسلقت شجر الغضى لعتابي

ويذكر الشاعر أن مصائبنا من نسياننا لله تعالى فحين يقول الشاعر الكبير نزار قباني ساخرا من العرب العالم العربي إما نعجة مذبوحة أو حاكم قصاب يقول الشاعر الأسدي في قصيدة له بعنوان النخلة الجرداء:

دع يا نزار رواية لا تنتهي وأملها وتملني الأنساب
العالم العربي هذا دربه ماذا يفيد الشعر والإعراب
نحن نسينا الله في قاموسنا ونرد أن إلهنا التواب

ثانيا: شخصيات الأنبياء والرسل والصالحين
على رأس الأنبياء خاتم النبيين محمد " ص " حيث رد الشاعر الأسدي على أحد الشعراء حين قال نحن جميعا أموات أنا ومحمد والله" بما يلي:

عجبا يموت محمد وتموت أنت هنا معه
أتقارن الشمس الكبيرة في خيوط من ضياء
إن النبي لخالد وكذاك كل الأنبياء

ويتناول الشاعر شخصية النبي يعقوب عليه السلام ليستوحي منها معنى أخلاقيا لأن يعقوب نسي خادمه من دون عشاء فكان بسبب ذلك قصة يوسف وإخوته حين تقول قصيدة تفاح البرامكة:

خلقت لي فما
خلقت لي دما
خلقت لي الطعام
في البحر
في السماء
في الأرحام
ربطت بطني قد خوت وبادت العظام
ذميال ظل جائعا في ليلة واحدة
وتبتلي يعقوب بالفراق والسقام

ويستوحي صبر أيوب فيجعله صفة من صفات العراقيين فقد طالت معاناتهم والشاعر لا يجد لها منفذا إلا باستيحاء صبر أيوب،فيورد في قصيدته مكابدات أيوب العراقي و أمراضه التي يعاني منها:

أ- مرض الاغتراب أو الغربة ولنسمه الهجرة :

ترجلت أذري الريح خلف ردائي بواد بكى بعد الرحيل ورائي

ب- مرض الذكرى التي تلاحقه اينما حل وارتحل أو هي الأمانة التي سلمها له من قبله:

مهابط أمسي أنبياء رسالتي توحد في تلك الجباه لوائي

ج- مرض الخوف الذي اصبح يعاني منه الجميع ليس أيوب وحده أو هو ممثل للكل الخائف:

زحام وصرعى في المدينة يا ترى أيعلو شراع الخوف فوق سمائي

د- مرض الكذب وغياب الحقيقة الذي انتشر حتى غابت الحقيقة:

لقد أطربت كل المزامير حينا ولم أر مزمارا يجيد غنائي

ه- المنافسة والإبداع المرفوضان لما الفته العيون من مشاهد عادية وصور متوحشة وهذا تكثيف لقول مأثور مطربة الحي لا تطرب أو قول المتنبي:
إن النفيس غريب حيثما كانا، يقول الشاعر:

فرؤياي قد شذت عن الأرض كلها.....

و- مرض القتل أيوب هو قاتل وهو في الوقت نفسه مقتول:

هنا أقتل الناس عنوة أقيم لهم...

ز- مرض الإحباط الذي يدفع بأيوب إلى الانتحار:

إلى الموت أمضي علة بعد علة...

ومن شخصية الإمام علي" رض " يستوحي الشاعر صفة التواضع والصبر إن سيف ذا الفقار قوي جدا لكن الإمام علي " رض " يظل يذكر الطيبين وكون الإنسان الحق لا ينجرف نحو ملذات الحياة وفنونها:

يا دنيا غري غيري
ما لعبت في الفقار بقايا الطين
آه من زمن التسعين
إن الإنسان صغير جدا لا يبلغ صبر الطين

وإعجاب الشاعر بالإمام علي " رض " جعله يستغيثه لينتشل الأمة من حالة الإحباط فيضرب لنا مثلا بمعركة خيبر الحاسمة :

اشطب من اللغة الكلام جميعه واصرخ دخيلا عند داحي الباب

كأني بالشاعر أراد أن يخاطب الأمة لتصمت قليلا وتحمل سيف علي " رض " فتستعيد حقوقها وهدؤها وطمأنينتها المفقودة!

ثالثا : استيحاء المعاني المقدسة
وهي المعاني الواردة في التوراة والإنجيل والقران في شعره فالآية الكريمة " الرحمن الرحيم"[2]، والآية الكريمة " غفور ورحيم"[3] يرد معناهما في شعره حيث يقول:

وإذا الله غفور ورحيم وكريم وحليم عنده أعمارنا

وقد يستوحي تعبيرا قرآنيا ليجعله سندا لوصف يأتي به عن حالة ما فيجعله مضمونا له إن الصراع الدائر الحالي ونزيف الدم يشبه جهنم التي تقول" هل من مزيد"[4] :

هنا النار قالت تريد المزيد ففي دمنا يكبر الاشتعال

ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام يستوحي قوله" أرسلكم مثل حملان بين ذئاب "[5]:

يأتونكم مثل الحملان وهم ذئاب خاطفة
في آذان الجهلاء تتعرى لغة الطرشان في مرآى العصور
كلمات بعد قد تحمل أفواق الزهور
وتغني وتغني بعد شمس الفقراء[6]

رابعا : الربط بين العقيدة والعروبة
يحاول الشاعر إيجاد علاقة وشيجة بين العقيدة الدينية وعروبته حيث لا انفصال ولا ابتعاد لأننا في حال الابتعاد عن قيمنا الدينية نفقد عروبتنا كون الدين هو روح العروبة وبالتالي تكون الهزيمة التي نفقد معها كل شيء:

مأساتك السوداء كانت
منذ سلمت الغزاة الأرض بل بيت المسيح
وفرشت للأعداء دارك والعروبة بالخطابة تستريح
كم نكسة مرت بها العرب الكرام أتنسى حزيران القبيح
هل ينفع القول الفصيح
والسيف في كف العروبة يستريح[7]

ويبدو أن الشاعر خلال الأبيات السابقة يستعيد زمن الخطابات العربية يوم كانت الجماهير ملتهبة المشاعر تنسجم إلى حد العشق مع الأسلوب الخطابي الذي تجاوزته الآن فلم تعد قصيدة الستينيات بأسلوبها الانفعالي تحرك الشارع الآن لأن هناك توازنا بين الفعل والقول وبين العقيدة والدين والانتماء وهي عرى لا تنفصم أبدا.
وقد يلم إلمامة عابرة فيأتي بمعنى مقدس أو معنى ديني ليجعله يسري في تيار قصيدته كي يمنحها بعدا أعمق مثل الربط بين قضية صلب المسيح عليه السلام وجرح العراق:

فأنت ودعت حزنا عراقا جريح
وقل للشعراء الذين يزورونك وسط الضريح
أقول لكم إن من يحصل الموت هذا الزمان يلوح برؤيا ه صلب المسيح

العراق جريح والشاعر إذا مات يعد موته فوزا كما فاز وانتصر السيد المسيح حين صلب وفي التعبير التفاتة ذكية إلى الموازاة بين الشاعر والسيد المسيح، ولعله في مشهد شعريّ آخر يلمح إلى حدث ديني ويوازيه مع الأحداث الجارية في وطنه:

الشعر حزم روحه وأتاكا متذرعا حتى ينال خطاكا
ياموطني تمشي رياح متاعبي وضباب وهمي في الضمير دعاكا
سنة رماد فجيعتي يا موطني حتى الدخان من البكاء رثاكا

إن عام الرماد أو سنة الرماد مشهورة في التاريخ الإسلامي والتاريخ يعيد نفسه ولا يعيدها بشكل حرفي وما يحدث في العراق من جوع وحصار وخوف هو نسخة لما حدث قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام حيث التفت الشاعر إلى أن التلميح والإيجاز يفصح أكثر من التفصيل.
 

[1] المثقف 25 مارس 2008
[2] الفاتحة/3
[3] النساء4/23، 96 ، 106 .
[4] ق 50/30
[5] لوقا10/3
[6] المثقف 5 ماي 2008
[7] المثقف 22 مارس 2008




 

free web counter