الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الثلاثاء 10/6/ 2008

 

 حوار مع الشاعر المغربي سلام بكوري

السؤال الفلسفي ظل يؤرقني ،هو سؤال سر هذا الوجود

أجرى الحوار عبد الوهاب نعمة الفايز

سلام بكوري شاعر مغربي من مواليد 1959 بإقليم تاونات، امتهن المحاماة مرغما – نتيجة حظ عاثر أبعده عن التخصص الذي كان يحلم به، ولكن ورغم ذلك ظل وفيا لميوله الفلسفية التي بقيت عالقة تعايشه وتداعب مخيلته حيث أصبحت أهم مصادر إلهامه الشعري والأدبي فيما بعد، والشاعر سلام بكوري في مجموعته الشعرية الأولى (ذاكرة الثلج والمطر) الصادرة عام 2006، وإن جاءت هذه المجموعة متأخرة قياسا لسنه إلا أنها كانت استجابة لنضج التجربة التي اختمرت مع مرور الزمن، واللافت أن هذه المجموعة ومن خلال قراءاتي لها أنها تنطوي على أسئلة طاغية على أغلب قصائده، فالسؤال الذي كان ولا يزال يؤرق الشاعر للآن هو السؤال الفلسفي بوجه عام.

 نصوصك تأتي من لا شيء، من العدم، بعيدا عن أي تأثير لمعاناة، لذاكرة معينة، وحين نقرأها نحس القصيدة، كيف يحدث ذلك عندك ؟
o أخلق نصوصي من العدم، لأن العدم هو منطقة مرادفة للوجود فالعلاقة حميمية بينهما، ولولا العدم لما وجد الوجود، فالعدم والوجود وجهان لعملة واحدة، مثلما يقول هيدغر أن العدم موجود في حياتنا بدليل انه الشيء الذي يثبت وجودنا، وكا يقول هيراقليطس "الوجود والعدم هما شيء واحد".

 العدم موضوع فلسفي؟
o نعم، بطبيعة الحال، فالعدم يستقي جذوره من الفلسفة وإذا رجعنا إلى فجر الفلسفة اليونانية، خاصة اكسانوفان هوميروس هيراقليطس، ديموقريطس إلى بارميندس، انبادوقليس، نجد أنهم يستمدون مادتهم الأولية من الفلسفة، فبارمينيدس مثلا نجد شعره يعبر عن ثراء الوجود ذلك أنه حينما تصل الفلسفة إلى نقطة، انعطاف بفعل إشكالات ذاتية تحملها معها، ففن الشعر يتولى مهمة صهر هذه الإشكالات والتناقضات في شكل إصغاء جدي وعميق لنداء الوجود فيغدو الشعر البوتقة التي يتفجر من خلالها الوجود كوجود .
فالشاعر كان في هذه الفترة الأولى( شعر الملاحم ) يتحدث بلغة الذات الكلية التي تستوعب الإنسان من حيث كونه إنسانا ، فهو يتحدث بتلقائية وعفوية بعيدا عن العقلانية و الوعي بذاته التي تطور إليها في ما بعد الشعر بعد هوميروس ، فإذا توقفنا قليللا عند الاليادة و الاوديسة نجد فيها بعض الأفكار التي تخدم الأهداف العامة حيث يقول أرسطو عن الخطابة : بالمجاز يكون بمقدورنا ان نمسك بشيء ما حي نابض .

 وماذا تقول عن تلك الأسئلة التي في جل قصائدك هل هي أسئلة فلسفية أم ماذا ؟
o نعم السؤال كسؤال فلسفي ظل يؤرقني، وهو سؤال سر هذا الوجود، فهو يفرغ الأشياء من أسمائها ويضفي اللامعنى على المعنى، فتوجهت صوب الأعمال الكلاسيكية أتجول بينها.

 فماذا اكتشفت ؟
o اكتشفت أن السؤال يبحث عن أصل – الشيء باعتباره أصل ذاته، والجميل في السؤال حين نكتب عنه نشعر كما لو أننا نصيغه لأول مرة ولم يسبقنا أحد إليه، فسقراط الذي كان أول من اكتشف ثقافة السؤال أسس لما يعرف بفلسفة البدء "الواحد/الكل" فالسؤال الفلسفي أصلا يساءل نفسه قبل الغير فهو لا يبحث عن الجواب بقدر ما يجعل من هذا الأخير موضع سؤال، وحاليا ونحن نعيش لحظة العولمة لحظة فائض المتع وندرة الزمن، لحظة طغيان الكم الهائل من المعلومات والأجوبة على كل صعيد نجد أنفسنا كمرايا تعكس سكونية هذه المشاهد الخارجية، لكن السؤال يحطم هذه المرايا ويزحزح الأشياء من حوله ومن حولنا.

 ما هي القصيدة ؟
o في الأصل كلمة قصيدة تعني فعل قصد يقصد أي التوجه نحو شيء مقصود، مما يعني تدخل الأنا الواعية لتأسيس شيء مقصود أو موجود هو الشعر، ولهذا السبب أطلق العرب على شطري القصيدة بيت أي الإقامة في هذه الكينونة، كما أن القصيدة هي تهذيب للعقل في جوهرها وإرباك لقواعد التواصل اللساني العادي الجاهز من جانب آخر، بمعنى آخر أن الشاعر عندما تولد لديه القصيدة فهو يحاول ما أمكن أن يصل إلى تعرية الأشياء من أسمائها ويبرزها وهي في كامل عريها حيث تصبح الأشياء على ماهيتها وهذا الشيء الجوهري الذي أبحث عنه من خلال القصيدة.

 أستطيع القول أن القصيدة عندك تحاول أن تلبسها ثوبا جديدا ثوبا مختلفا في نسيجه وفي ألوانه أليس كذلك ؟
o نعم، ولكي لا تبقى الأشياء تعبر عن عالم وضعي متناه، عالم العقل، تصبح من جديد تعبر عن عالم لا متناه يقوم على الظن الشامل وعلى السؤال، وهنا أستعيد قول المعري:
                     أما اليقين فلا يقين وإنما      أقصى اجتهادي أن أظنا وأحدسا
فالقصيدة تشاكس الشاعر وهذا الأخير يشاكسها من خلال هدم أو نسف قواعد التواصل اللغوي العادي المألوف من أجل خلق عالم مغاير يقوم على الخيال/الصورة التي تختزل الواقع.

 انزياح لغوي مقصود إذن عند الشاعر ؟
o قد تسميه كذلك فالخيال كما يقول ابن عربي "أعظم شعائر الله على الله" فعلا، هذا مقصود لدى الشاعر ولدى العديد من الشعراء نجد مثلا حداثة شعرية جد مبكرة تتجلى مثلا في شعر أبو تمام ؛ حيث نجد قصائده تكشف عن الأشياء وهي في كامل عريها ووحشيتها كقوله مثلا:
             " إنسية وحشية كثرت بها                 حركات أهل الأرض وهي سكون "
ويقول في قصيدة أخرى: " الشعر فرج ليست خصيصته          طول الليالي إلا لمفترعه "

 من أي عنان أو مخزون تنطلق لغتك الشعرية ؟
o الشاعر أو الكاتب لديه ذاكرته الغنية، هذا المخزون الهائل، لا يهدأ في أن يمدنا بالمادة الخام للكتابة، إلى جانب ذلك الشاعر يخلق حياة جديدة خلف الكلمات أي من الفراغ، فيصنع صوتا يقبع وراء الكلمات، إذن فاللغة الشعرية تستقي مخزونها من الذاكرة التي تحاول اختزال الزمن، بمفهومه العميق. كما يقول المعري:
                  "كأننا والزمان يجري                   ركب سفين بلج البحر"

 وهل تعتقد بأن جمالية اللغة تكمن بمجرد الخيال وحده ؟
o أعتقد أن الشعر كلغة هو حركة صوتية يتجسد فيها الخيال الذي يظهر كقوة في تحويل المتعذر الإفصاح عنه إلى إمكانية مفتوحة الأبعاد على البوح، فالتخيل على خلاف الإدراك هو الغياب في اتجاه حياة جديدة وسفر في عوالم المتخيل البعيدة.

 لماذا تكتب الشعر؟
o هذا سؤال فلسفي فالشعر بالنسبة لي هو منطقة ألتجئ إليها لكي أجد نفسي لأن هذا يحقق لي انفتاح على هذا الوجود وفي نفس الآن أعتبر الشعر نداء الوجود لأنه يختزل الخطاب الذي يمكنك من التغلغل في هذا الوجود بكل تجلياته فالشعر هو ملاذي الأخير والأول لأنه يجسد الصراع بين الحضور والغياب أو كما يقول هوراس : "الشعر هو الخادم المطيع للفلسفة"، وكما يقول هولدرلين: "ما يبقى يؤسسه الشعراء".

 كيف تحدثنا عن وظيفة الشعر؟
o وظيفة الشعر تؤسس لموضوعة السؤال عندي ، هو إصغاء لنداء الوجود (كما يقول هيدغر) وأحاول ما أمكن تعرية اللغة العادية بخلخلة قواعد المعرفة العامة المألوفة وبناء تواصل لغوي مغاير، لكنه مرادف له ومقصود؟، فوظيفة الشعر من جهة يهدف بالأساس لمأسسة خطاب يخترق جدار هذا الوجود ويختزل المسافة لغويا، ويهرب الكلام كما تفعل الأسطورة عند الإغريق، ولهذا ومن خلال قصائدي أطرح التساؤلات التي تغوص ما أمكن في علاقة ذاتي مع العالم المحيط والأشياء عبر اهتماماتي فالأسئلة تتداخل فيها أزمنة شتى، أزمنة تعود إلى الماضي والحاضر والمستقبل ومن جهة أخرى فهو يقوم بتنوير البشر تأسيس الحضارة من خلال قدرته على التأثير في وجدان المتلقي الذي بدوره يعكس ذلك التأثير سلوكا في الواقع وتغييرا جديدا، فالشعر أداة تغيير وهذا الأخير لا يحدث إلا إذا كان مستندا على حقيقة - أي فلسفة –ومع تطور الوعي الفلسفي برزت الحاجة إلى لغة أدق وأكثر تجريدا تستند على أسس منطقية هنا ظهر الأستاذ الأكبر كما يسميه أفلاطون إعجابا وهو بارمينيس الذي أزال المعنى المادي والحسي من المفهوم الفلسفي، وانصرف إلى السؤال عن معنى ما هو حقيقي حيث يقول أن الحقيقي هو ما يتصف بالثبات والوحدة، فالحقيقة بسيطة لا تتغير ولا تتجزأ وتساءل عن ما هي الأداة التي تكشف عن هذا الحقيقي ؟وكأن العقل هو الأداة، ، والمدهش انه يقدم ذلك في شكل قصيدة ، بالرغم من أسلوبه الرمزي الذي يطبعها فهي تخاطب العقل حيث يقول: "تحية لك أيها الشاب الذي قادتك إلى مسكني مرشدات خالدات فليس الذي قادك إلى هذا الطريق البعيد عن الطريق المطروق يسلكه عامة الناس بقدر سيئ، بل هو القانون والعدالة وينبغي لك أن تعرف كل شيء فتعرف الحقيقة الكاملة كما تعرف أيضا ظنون الناس الفانين حتى تحكم على كل شيء بطريقة معقولة"

 الأسئلة كثيرة في مجموعتك الشعرية (ذاكرة الثلج والمطر) كيف تفسر ذلك؟
o الأسئلة تنتابني بكثرة حينما أعيش حالات معينة حول الوجود، علاقة الوجود بالأنا، وعلاقة اللغة بالوجود والإنسان باعتبار أن اللغة كيان قائم.
فالشعر يحاول أن يخترق معالم هذه اللغة من خلال القصيدة فيخلق حوارا بين ذاته واللغة، وبالتالي يحاول تعرية هذه الأشياء بحيث تصبح هذه الأخيرة وهي في كامل عريها (تعالي أيتها الأشجار واخلعي عنك عرش عنوانك المعتاد فأنا ارتسم فيك).

 "البحر يعد جنازته خلف السؤال فلا أجد إلا طيف اللغة والمعنى يعد خدعته للحياة دعني أحيا بالسؤال بين شفة الحياة والموت .. ذاكرتي ثلج ومطر وأشياء تحيى بالسؤال: ما الذي تريد قوله؟
o السؤال هنا جوهر هذا الوجود لماذا؟ لأن في السؤال أحاول استكناه أعماق هذا الكون، لان العقل الإنساني يحاول البحث عن أجوبة ولكن عن طريق الأسئلة، الحارقة.

 الأسئلة التي تؤرقك بمنظور الشاعر؟
o نعم، أسئلة تؤرقني في كل لحظة لما للشعر من علاقة بالمعرفة، علاقة متداخلة حد التماهي، فما يوحدهما هو البحث السري عن المجهول من خلال الأسئلة لهذا تتضمن مجموعتي الشعرية أسئلة أو تساؤلات تراودني منذ الصغر.

 "إن الطريق مسرح والزمن فضاء والعقل يراقب .. مجراهما في تؤدة هكذا تقول في قصيدة الطريق: هل لك أن تعطيني تفسيرا؟
o هذه القصيدة تكتسي صبغة وجودية وما أثار انتباهي علامة قف ؟ فوقفت أتأمل الوجود أمام العربات ذات المحرك الآلي وهي تسير بسرعة مفرطة وأخرى متوسطة، ما أردت هنا أن أؤكد بأن العقل يراقب مجراها بتؤدة، بمعنى أن السرعة كيف ما كانت درجتها بطيئة أو سريعة أو منخفضة فالعقل هو مصدر هذه السرعة .. فهي سرعة ظاهرة زمنية والشاعر هنا يخضع الزمن للإشكالية فيصبح الزمن ليس هو ذلك التصور المعتاد أي التعاقب بل إشكالية عن طريق الخيال، لأن الزمن بدون خيال يصبح ثقيلا .. فالخيال يكسر نمطية الزمن عند الإنسان وبالتالي يرتقي بالإنسان إلى درجة من التعالي والعمق، أي تجاوز الواقع العيني.

 وحتى في قصيدة "يوم فقير" "صاح صديقي ما هذه المفارقة، إن المفارقة في حضرة السؤال وليمة دمي فلتدع أحلامك جانبا فخذ كأسا من العرق قلت: المساء سؤال والصباح اشتعال، والأحلام دروب وارتحال"، لماذا الأسئلة ؟
o طبيعي لأنه حينما أقول إن المفارقة في حضرة السؤال وليمة لدمي يعني أن القصيدة تحمل دائما إشكالا والمفارقة هنا هي صلب السؤال وهذا الأخير هو أساس الوجود، فهو ينعش دمي وجسدي لخلق هذه القصيدة، لذا فعلاقة القصيدة مع المفارقة ومع السؤال هي علاقة تواشج ومشاكسة وتأثير وتأثر دائم لأن القصيدة في الحقيقة تثير إشكالات فينتج السؤال دائما ... وهنا ينبع تأزيم للعقل والواقع.
فالشعر يقوم على الظن الشامل في جميع الأمور، حتى تتولد رؤية تحمل إشكالية هذا الواقع وتأزيم ما بين الواقع وما بين اللغة والوجود.

 هناك مقطع أثارني في هذه المجموعة "وضعت زمامك أمامي في لغة الرمال"، هل هذه مفارقة أم مجرد تأزيم للغة كما قلت ؟
o حين تولد القصيدة تولد في خضم رؤية معينة.

 وماذا يولد معها في هذا الخضم؟
o تولد معها ارتعاشات داخلية التي يهبها الخيال والجسد، فالأساس فيها يكون الجسد في عنفوانه تتولد القصيدة وهي أيضا في كامل عنفوانها وتوترها وتحمل معها أسئلتها بعد أن تكون قد انغمست في إشكالية الوجود. وهنا أحاول ما أمكن تعرية صرامة وتناهي العقل كما قلت سابقا، إن الشعر منطقة آوي إليها لأتخلص من تناهي العقل وإكراهات اليومي ففي الشعر أجد نفسي.

 تقول في قصيدة : "لذة الأرق" "الجياد تحملني إلى أقصى ما يهفو إليه قلبي" ما مصدر هذه الصورة ؟
o هذا البيت هو من قصيدة الوجود لبارمينيدس كان ختاما لكتابة قصيدة/ لذة الأرق/ وهي شذرة من شذرات بارمينيديس ضمنتها كاقتباس.

 كنت تعاني إذن قبل أن تقتبس هذه الكلمات، ثم هل كانت هذه الشذرة بمثابة إلهاما؟
o نعم حينما كنت أعاني من الأرق تذكرت أبيات قصيدة الوجود لبارمينيديس الذي كان له تصور خاص للوجود ، هذه قصيدة تعود إلى "لحظة الإغريق" كما يقول الفيلسوف الروماني هوراس أن الشعر عند الإغريق كان هو الخادم المطيع للفلسفة ... بمعنى أن جميع التعاليم التي كانت تعطى سواء في الدين أو الأخلاق أو السياسة أو الفن كانت تعطى عن طريق الشعر .... وأكبر دليل هي الإلياذة لهوميروس، فهي ملحمة شاملة تجسد الحياة اليونانية بجميع تفاصيلها، الحياة والأسطورة وتناقضاتها،

 "أين أنا، أنت حريتي، أنت كينونتي في العدم / وأنت الطريق / الصاعد إلى بهجة السؤال" أيضا السؤال يتكرر؟
o أتذكر هنا أيضا قول هيراقليطس "إن على الدين يحبون الحكمة أن يتساءلوا عن أشياء عديدة في الحقيقة" وخاصة في القصيدة الجوهرية الواردة في الديوان "ذاكرة الثلج والمطر"، وبالذات قصيدة "بالأحمر" فيها أخاطب اللغة، حيث أجد أن اللغة كائن زئبقي لا يمكن الإمساك به بسهولة. فحاولت أن أندمج فيها وتندمج في، حيث تولد أو يولد في عدة نداءات أصيغها على شكل قصيدة، تولد بكلمات وتنبجس في عمق تلك الكلمة العتمة التي يضيئها السؤال، فكنت دائما أجد لذة إستكناه أسرار اللغة،

 وأحيانا تستعصي اللغة على تطويعها؟
o نعم تستعصي في وقت ما، وهذه إشكالات تطرح على الشاعر، ولهذا إن التأملات تنتابني من لحظة وأخرى، ولا أهتم بتطابق المعنى واللفظ لأن هذه مرحلة تاريخية استهلكت مع موت البلاغة الكلاسيكية التي كانت منظورها للعالم يقوم على قاعدة ميتافيزيقية، هذا الاستعصاء مرده أساسا الخوف الذي ينتاب الذات الشاعرة من السقوط في الخطأ، لكن ينبغي التخلص من هذا الخوف لأنه إذا تأملنا الأمر بعض الشيء نجد أن الخطأ ينسف بنية التطابق ويدخل في صميم الصواب أو الوجود، وشرط ضروري لتحقق المعرفة هنا لابد من الإشارة إلى أن ظهور مفهوم الحساسية إلى مجال المعرفة الفلسفية كان له الأثر الكبير على الشعر والإطاحة بمبدأ المطابقة بين التصور والشعر أو بين المفهوم والموجود عن طريق الحدس والظاهرة والشيء في ذاته، مفاهيم جاء بها كانط. "فواقع الأشياء هو أثر الأشياء بينما ظهور الأشياء هو أثر الإنسان" كما يقول تشيلر.

 نحن في إطار صياغة القصيدة حين تستعصي اللغة عند الشاعر، تقول في قصيدة: "أيتها الكلمات الهاربة في الأفق ارجعي إلى مثواك الجميل، فحبيبك مترع بسرك ومعه السؤال"؟
o السؤال بالنسبة لي يحتل منطقة جوهرية بدلالته لأنه سر كينونة الوجود، الذي ينبني على التساؤل، لكن هذا الوجود يخلق عدة أسئلة تؤرقني دوما، فالسؤال يحتل مكانة كبيرة في القصيدة من خلال اللغة المحملة بآفاق لا واعية.

 "كلما ولجت الحانة / ألمحني عند زاوية اللبلاب /منزو مع قنينتي، أحتسي موتي في صمت/ أقتحم خريطة لغتي/ ونداءاتي تتلاقح بداخلي" ما هو المقصود من وراء هذه الصورة الشعرية؟
o هنا أيضا أجد علاقةاللغة بالشعر كلما ولجت الحانة المحني عند زاوية اللبلاب. تعالي أيتها اللحظة خلتك خلفي مع سري الدفين هو حوار مشاكس مع اللغة.

 من الذي ينتفض في أعماقك المحامي الشاعر أم الفيلسوف ؟
o أنا أتحفظ على هذه التسمية "فيلسوف" فأنا لست سعيدا بها ربما قد يكون لدي فضول فلسفي ليس إلا فكل ما أحاول التركيز عليه هو تأسيس لا موقع لا فلسفي كشرفة اطل من خلالها على المواضيع الفلسفية وذلك عبر الشعر او الأدب بوجه عام فهذا الأخير المسكون بالفلسفة أثار اهتمامي مثل أعمال هولدرلين ريلكه تراكل بورخيص .

 تقول في قصيدة السديم "ينتشلني مسائي/ يزجني في أشياء لا مرئية/ اندلع في سديم سؤالي". كأنك تستحم في لغتك ؟
o هنا أيضا يثيرني وجودي حيث أتفاعل معه كذات عن طريق الحواس، فهو لا يوجد باستقلال عن عقلي وخيالي، فهذا الأخير مرتبط بالواقع من خلال أفكارنا؛ لذا فالتفكير في أشياء لا مرئية هي من صميم ما ورائيات وأجد لذة فريدة حين ألامس طبيعتها الجمالية فقط، دون الانسياق مع البعد اللاهوتي.

 كيف تعلل موضوعة السؤال في جل قصائدك؟
o لهذا السؤال جوانب عديدة، واستكمالا لما قلته سابقا، فأسئلتي لا تنتمي للفلسفة "كفلسفة"، لكنها تحمل رنينا شعريا وتحاول تأسيس عتبة للاموقع خارج حدود الفلسفة ذاتها، هنا استعيد قولة هيراقليطس "على حدود الدائرة تختلط البداية بالنهاية"، فهذا الأخير هو أول من صاغ كلمة "الإنسان الفيلسوف يحب الحكمة"، ليأتي بعده ارسطو ويتحول السؤال الفلسفي إلى ما هو الموجود؟

 هناك شعراء يحلقون في سماء الكلمة على حساب الواقع أو الصدق، ما هي وجهة نظرك ؟
o سؤالك هذا يحيلني حتما على فترة ظهور علم الجمال الاستطيقا والبحث العميق الذي أنجزه في هذا الموضوع بومجارتن سنة 1753 وكتابه "تأملات في الشعر وفنيته" فأصبح ما يعرف بعلم المعرفة الحسية ونظرية الفنون الجميلة وفن التفكير على نحو جميل، وتزامن هذا مع موت البلاغة الكلاسيكية وبالتالي العقلانية الدغمائية التي تقوم فيها المعرفة على مبدأ تماه الذات والموضوع ذو البعد الميتافيزيقي، فغدت الحقيقية المنطقية تختلف عن الاستطيقا فهذه الثورة الجمالية أسست لفهم جديد يخرق مبدأ التطابق، فنتج عن ذلك حصول قطيعة بين بلاغة ذات العمق اللاهوتي الميتافيزيقي، والاستطيقا ذات الأساس الفني الصرف، فأهم ما جاء به هذا الأخير هو حضور الذات كمتلقية لمادة الجمال، وهذا يدل على حصول تجاوز للميتافيزيقا التي تعتبر الجمال مبدأ علويا وأن الذات تابعة لهذا المبدأ.
فهناك إذن عدة عوامل كثيرة موضوعية ساهمت في ظهور علم الجمال، ومنها الثورة الكوبيرنيقية، وظهور فلسفة الأنوار مع الكوجيطو الديكارتي والإسهامات العميقة لكل من كانط وهيغل، وتكرس هذا المبدأ بظهور ما يعرف بمدرسة( الفن من أجل الفن) في الأدب الأنكلوسكسوني فلم تعد إذن مفاهيم مثل الواقع والصدق تستوعب مقتضيات الحداثة الشعرية كما يقول جيل دولوز: "إن الأشياء في الفن تصبح منذ البداية مستقلة عن النموذج وسينظر إلى الأثر الفني بوصفه كينونة الحساسية ولا شيء غير هذا، لأنه موجود في ذاته".

2008 الرباط


تتمة حوار

 كان طموحك دراسة الفلسفة، لماذا اخترت القانون إذن؟
o تطلعاتي في دراسة الفلسفة كانت مبكرة حينما حصلت على أول نقطة بثانوية (عبد الكريم الخطابي) سنة 1979 حصلت بعدها على شهادة الباكالوريا توجهت إلى التسجيل بشعبة الفلسفة التابعة لكلية الآداب بالرباط فوجئت بوجود اكتظاظ وازدحام على شباك التسجيل حيث تدخل رجال الأمن لتفريق المرشحين، حينها اقترح علي صديق بالتوجه إلى كلية الحقوق المجاورة لكلية الآداب فاستجبت لاقتراحه على مضض وتسجلت في كلية الحقوق.

 لو توفقت في توجهك إلى الفلسفة، - وهذا لم يحدث -، ماذا سيحدث وأنت المحامي والشاعر الآن؟
o لو تحققت رغبتي في اتجاه الفلسفة كنت سأعمق معرفتي الفلسفية فكريا اعتمادا على لغاتها من المنبع، وفلاسفتها بلغاتهم الأصلية كدراسة الفكر الكانطي والنتشوي والهيدغري من جذوره الجرمانية.

 من تأثر الشاعر بالمحامي أم المحامي بالشاعر؟
o كان الأول طاغيا على الثاني بدليل انه رغم انشغالي بهذه المهنة لم أتوقف أبدا عن الاهتمام بجانب الشعر والفلسفة عموما.

 لو توفقت في مجال الفلسفة وعانقت هذا الفكر أكاديميا هل يوفر لك الجانب المادي كما توفره المحاماة الآن؟
o الماديات وإن توفرت في مهنة المحاماة فهي من أجل ضمان العيش اليومي بالكاد - مع المتاعب اليومية والإكراهات المعروفة - في حين أن الفلسفة توفر لك الجو المناسب لإشباع الجوع الفكري عن طريق معايشة القضايا الفكرية والجمالية والأدبية عن قرب.

 مضى على ممارستك مهنة المحاماة أربعة عشرة سنة ماذا أعطتك وماذا أخذت منك؟
o المحاماة حرمتني من أجمل ما كنت أتوق إليه ولكن هذا لا يعني أن مهنة المحاماة أقل شأنا من الفلسفة فلكل مقام مقال فالمحاماة نبتة وجدت أول ما وجدت في تربة غربية فهي غريبة عنا مهما حاولنا إدماجها في مجتمعاتنا .. فالمجتمع الغربي يحترم المحامي ودوره وهذا لا تجده في واقعنا.

 بسبب من، أو لنقل، هذا التصور عائد لنظرة اجتماعية ؟
o السبب يعود لتلك النبتة التي لم تجد التربة والسماد الكافيين لتكون مرآة لهويتها.

 لنعد قليلا إلى القانون، كيف تفسر إذن العراق (وهو بلد عربي) أول مدونة في التاريخ في عهد حمو رابي ألم تكن هذه نبتة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ الإنساني ؟
o حمو رابي جاء طبعا بمدونة قانونية تتضمن ثمانية وعشرين فصلا وهي سابقة إنسانية تمتاز بالشمولية والكونية، ولكن هذا لا علاقة له بمهنة المحاماة، فهذه الأخيرة كمهنة ظهرت بأوروبا في القرن 18 بينما القانون كمدونة فقد ظهر في بلاد الرافدين مهد الحضارات البابلية والآشورية...

 وبماذا تذكر هذه الحضارات ؟
o بملحمة جلجماش الخالدة، وعنفوان إنكيدو التي لا زالت إلى وقتنا هذا تنبض بالحياة وبالإنسانية الشيء الذي لا نجده بعد مجيء الإسلام وأدبياته التي تدين الشعر "الشعراء يتبعهم الغاوون"، ففي الحضارتين الصينية والبابلية والمصرية نجد طغيان جانب الحكمة الذي كان تمهيدا لظهور الفلسفة كسؤال في الفكر اليوناني.

 هل أثرت عليك بعض القضايا التي تبنيتها للدفاع عنها وعبرت عنها شعريا أو قصصيا ؟
o أستطيع القول إن التأثير بدأ مبكرا حينما كنت بصدد البحث للتدريب في مهنة المحاماة حيث عشت ماراثون امتد على مدار السنة بمدينة الرباط وانتقلت بعدها إلى مدينة البيضاء للبحث عن مكتب، لكن لسوء حظي لم أعثر على مكتب، حيث كتبت قصة قصيرة أسميتها "البحث عن محنة" نشرت بجريدة "أنوال".
فالتأثر بدأ مبكرا .. ففي أواخر سنة 1984 وبعد إخفاقي في العثور على مكتب للمتمرن سافرت إلى فرنسا حيث توجهت إلى الجنوب الغربي وبالضبط بمدينة افينيون ثم عدت بعدها لألتحق بمكتب محاماة ككاتب إجراءات ثم كمدرس بمدرسة حرة (معهد الأزهر) ثم التحقت بالخدمة المدنية لأعيش فصول إجراء المباريات قصد ولوج الوظيفة دون جدوى ثم بعد أن قضيت سنتين عدت إلى البحث مرة أخرى عن مكتب للتمرين بمهنة المحاماة .. لكن هذه المرة .. وقد توفرت على رصيد مالي وفرته في الخدمة المدنية وعلى علاقات، توصلت إلى إيجاد مكتب بمدينة الخميسات (80 كلم شرق الرباط).

 البحث عن مهنة أم محنة ؟
o هي في الأصل البحث عن مهنة لكن بلغة المجاز البحث عن محنة لأن المحاماة معروفة بمهنة المتاعب كالصحافة.

 هل كتبت القصة القصيرة عن هذا ؟
o لا أقول القصة القصيرة بالمفهوم المتداول، ولكن كتبت محاولات كثيرة منذ 1976.. كانت أغلبها تتمحور حول مغامرات الطالب بالقسم الداخلي، الشارع .. وواصلت الكتابة في هذا الجنس الأدبي حتى سنة 1990 حيث كتبت معاناة المعطل في (البحث عن مهنة) وهي منشورة بجريدة أنوال ثم (المحكمة سكرانة) بجريدة "العلم" ويمكن القول أن اهتمامي بكتابة القصة القصيرة كانت مجرد رد فعل طبيعي بعد أن توقفت عن كتابة الشعر لأسباب موضوعية.

 ما هي في نظرك هذه الأسباب الموضوعية ؟
o بكل إيجاز هي توجيهات خاصة لأساتذة التعليم الثانوي التي لم تكن تشجع موهبة الطالب في بدايته وكذلك قلة الاحتكاك بدوي الاختصاص.






 

free web counter