موقع الناس                                                                                                                               السبت 23 / 8 / 2025                              

         
   

 

في ذكرى الشهيد كامل شياع : كتب الشاعر العراقي المبدع عواد ناصر في موقعه على الفيس بوك
 

كامل شياع .. الاستعمال المفرط للأمل

عين . نون

مع الشعور الطاغي بعودته إلى وطنه، نسي كامل شياع فرشاة أسنانه وهو يعد حقيبته للعودة. حسناً، قال في نفسه. سأشتري واحدة من بغداد.
سأله سائق التاكسي، البلجيكي من أصل أفريقي: أراك مرتبكاً يا صاحبي.
ضحك كامل شياع، وكان مرتبكاً بالفعل، لكنه رد: أنت محق. أنا عائد إلى وطني بعد منفى طويل جداً.
هذا يدعو للفرح وليس للارتباك. علق سائق التاكسي.
أوه، إنها قضية معقدة. نعم، سقط الدكتاتور، ولكن من يعرف؟.
أتمنى لك إجازة سعيدة.
لكنها ستكون أبدية، ربما حتى نهاية المنفى والوطن معاً.
سأساعدك في حمل الحقيبة.
صدقني، لا شيء فيها سوى الكتب والملابس الضرورية. لكنها مثقلة بالأمل.
تقلع الطائرة من مطار بروكسل وهذه هي نظرتي الأخيرة إلى أوروبا.
فنجان قهوة من فضلك. طلب من المضيفة.
فك حزام الأمان وأخرج دفتراً من حقيبة الكتف وكتب:
ها أنا عائد إلى وطني لأثبت لهم إنني عائد إلى وطني.
ربما سيكون الوطن شكلاً آخر للمنفى. لكنه أفضل من المنفى.
الأمل هو استغراق المرء في تفنيد يأسه وإعادة النظر بأخطائه.
الوطن مفهوم واضح، ولكنه غامض عندما يتعلق الأمر بمنفيٍّ واضح.
في أول يوم لي في وطني استيقظت على صوت سيارة مفخخة. حسناً. ربما سأكون ضحية السيارة المفخخة التالية. مثلي مثل غيري.
التحق كامل شياع بوظيفته الجديدة، مستشاراً في وزارة الثقافة.
يسأل نفسه: أية ثقافة؟
البلد منهار بعد الدكتاتورية والحصار والحرب والاحتلال. لكن علينا أن نفعل شيئاً. الأمل طاقة كبرى لاستعادة المستقبل. وعلينا الحذر من التاريخ.
هذا هو مكتبك، يا أستاذ، وعليك الحذر من اللحظة الراهنة، المزمنة، وليس من التاريخ. التاريخ قابل للتأجيل لكن لحظتك ليست كذلك.
البلد، كله، مفخخ بالتاريخ والحاضر والمستقبل. بملوك الطوائف وحجّابهم.
لا تنس المتواطئين، يا كامل. قال لنفسه.
الأمل والأمل. بالأمل يمكن أن يستغرق المنفي حياته كلها رغم إدراكه لضرورة قياس الحقائب.
ثمة مخبرٌ في مكمنه العلني، واضحٌ وغير واضح، يتابع الولدَ الحالمَ بعينين مدربتين.
تحسس المخبر أوراقه التي رسم عليها خارطة سير الولد الحالم.. أراد أن يضيف خطاً آخر: خطَّ الفكرةِ الأخيرة التي كانت قبل قليلٍ حلماً... من الصعب على مخبرٍ أن يقارب فكرةً ما كانت قبل لحظات حلماً لا يفهمه.. لكنه يواصل تأشيرَ الأماكنِ والمنعطفات التي مرّ بها الهدف المطلوب، بادئا بالتفاصيل الشخصية.
الإسم: كامل شياع.
المهنة: كاتب.
العنوان: بلا.
عبَرَ شارع الرشيد.. من جهة جامع الحيدرخانة باتجاه شربت حجي زبالة.. يتجه يميناً حتى مدخل شارع المتنبي.. يتوقف عند بسطة كتب قديمة يتأمل العناوين.. يختار كتاباً ويدفع ثمنه. البائع يرفض أخذ ثمن الكتاب، بعد أن عرف الشاري.. كامل يصرُّ على الدفع.
قابل رجلاً يسير إلى جانب زوجته ومعهما طفل.. يحييهما.. يبدو أنه يعرفهما ويعرفانه.. يقول له الرجل بما يُشبه الهمسَ: لا يجوز أن تكون وحدك في مثل هذه الأماكن.. أنت في المكان الخطر.
يعلق كامل: أعرف هذا، لكن الموت يتربص بالجميع.
ينحني كامل ليحمل الطفل بين ذراعيه ثم يقول: الموت يتربص حتى بهذا الطفل.
دوّن المخبر آخر العلاماتِ الدالةِ وطوى الخارطة تحت إبطه.. وعاد إلى كرسيه، في الغرفة ذاتها حيث مكتب الضحية - الهدف.
ثمة شخص آخر كان موجوداً، في الغرفة ذاتها، رأى ما فعله المخبر، لكنه لم يره.
الثلاثة يغادرون المكان في ظهيرة ذلك اليوم.
المخبر والشخص الذي رآه (ولم يره) ذهبا ليلتقيا مسؤولا كبيرا، بينما ذهب الهدف إلى اجتماع لم يعلن عنه.
ثمة ثلاثة، الآن، مخبر وشخص رآه (ولم يره) بين يدي مسؤول حكومي كبير.
المخبر: نعم، إنه يغير طريقه ولا يسلك الدروب ذاتها من وإلى عمله.. لكنه لا يلتزم ذلك دائماً.
المسؤول الكبير: لست معنياً بالتفاصيل، عليّ بالنتائج.. على بركة الله.
يُخرج المسؤول الكبير مسدسين كاتمين للصوت من دُرْجِ مكتبه.. يناول كلاً من المخبر والشخص مسدساً ثم يشير إلى الباب وهو يقول: لا أريد أن أراهُ غدا في مكتبه.
كامل في غرفته يجلس إلى طاولة الكتابة. يفك ربطة عنقه ثم يفتح ياقة قميصه.. يعلق سترته على ظهر كرسي قريباً منه.
يفتح جهازه المحمول ويكتب (*):
"ان المِرْبَدَ رئة ثقافية حقيقية في ما هو عليه، وفي ما ينبغي ان يكون عليه. ويهمني هنا ان أركز على الحكم الثاني لأتخيلَ المربد منبراً لقراءات شعرية مختارةٍ بعنايةٍ ومساقةٍ برؤيةٍ نقديةٍ صارمةٍ تميز التجارب والاصدارات والاساليب والعوالم.. حتى لكأنك في كل مربد تزور صالة من صالات مُتحف الشعر او ورشة من ورشه.
ولأتخيلَ المربد طاولة لقراءاتٍ نقديةٍ تهتدي بمناهج النقد الأدبي الصرف بقدر ما تهتدي كشوفات النقد الثقافي الذي يحيلنا الى السياقات والافتراضات غير المصرح بها في النص.
ولأتخيل المربد مثل كتاب لأثر حيّ نقرأه كل عام فنديم عبره تفاعلنا مع الجديد الصاعد او القديم المنسي..
ولأتخيل المربد احتفاءً بفنان تشكيلي كبير في معرض استعادي يمتد لأسابيع يزوره هواة الفن وطلاب الجامعة والمدارس.
ولأتخيل المربد مسرحاً لعرض درامي فريد من نوعه.. او لشريط سينمائي نسترجع صوره كلما تسمرت أعيننا امام الشاشة الفضيّة".
يدخل الشخص من دون أن يطرق الباب، بينما يقف المخبر عند الباب الموارب.. يتوقف كامل عن الكتابة، ويصمت وهو ينظر باستغراب باتجاه الشخص، ثم المخبر. يُحكمُ وضع نظارته كي يرى قاتله بوضوح أكثر.. تنفرج شفتاه ليقول شيئاً، لكن الشخص يشير عليه أن يسكت وهو يضع سبابته على شفتيه.. يسكت كامل.
الشخص: أنت تتخيل أشياء كثيرة، بل خطيرة، يا صاحبي، ونحن لا نحب ذلك.
يواصل كامل:
".. ولأتخيل المربد اسماً لدار نشر بمواصفات فنية لا يبلغها أي كتاب ويطمح للمرور من بوابتها كل كاتب.
وأخيراً ، لأتخيل المربد مزاراً أو بالأحرى مطهّراً تتلاشى فيه غربة المبدع في وطنه ، وتلتقي فيه مسارات الثقافة المقيمة في الوطن وتلك المترحلة في المهاجر.
أهذه الصورة المتخيلة هي كل أفق المرابد التي لم تنجل بعد؟".. يصمت.
يدخل الشاعر:
"عند مدار القطب سهيلٌ يشحبُ يتبعه الدبُّ ويوسف في الجبِّ وأخوته جاءوا أباهم ذات عشاء يبكونَ وسيافُ سلالاتٍ سالفةٍ يهوي فوق خروفينِ بعيدَ امسية جذلى... عسسٌ وسماسرة مرحون وساسة خيلٍ وهواة حروبٍ وحواة أفاعٍ وفكاهي مغناجٌ وامرأة الناطورِ وثوارٌ عورٌ صعدوا.. يا أمي، صعدوا...
صعد العمالي الخائنُ والخادنُ والوراق الأعمى والإقطاعي الوطنيُّ وصناجة ليل الوالي وابن أبيه والكرديُّ المستعربُ والصحفي المأجورُ وبالثوريِّ المعطوبِ اكتمل العددُ.. صعد الأوغادُ، إذن، صعدوا..
المملوك وشاعرة المجلسِ والكليدار المتفيهقُ والشرطيُّ المعتمدُ... صعدوا... المهوال وحارس بيت المال، الكاتبُ والكاعبُ والمتصابيةُ الشمطاءُ/ الناسخُ والقلمُ والقائل، دوماً، أي، نعمُ..
يا أمي صعد الأوغاد، ولم يبق سوى الولدُ الحالمُ طفلاً مسروراً لكن بثياب حدادْ.
يخرج الشاعر.. يحاول كامل النهوض من كرسيه وهو يمد ذراعيه نحو الشاعر كأنه يستوقفه أو يحتضنه.. يمنعه الشخص المسلح بأن يضغط على كتفه بأخمص المسدس الكاتم للصوت.. يجلس كامل.
يدخل المخبر ليقف إلى جانب الشخص.. يتبادلان النظر.. يمسكان بكامل كل من ذراع ثم يسحبانه إلى خلف الكواليس.
إطلاقات نارية كتيمة الصوت.
ستارة.
وتسجل الجريمة ضد مجهول وهو معلوم جداً يعرفه الجميع.
بينما تظل تلك الكلمات التي كان يكتبها كامل ويقرأها بصوت عال تتردد في المسرح حتى تتلاشى.
كانت حقيبتك، يا صديقي، مثقلة بالأمل الذي استعملته بشكل مفرط.
الاستعمال المفرط للأمل لا ينفع، يا صديقي، في دولة الاستعمال المفرط للعنف.
 

(*) في النص اقتباسان، الأول ما يرد على لسان كامل شياع، وهو من مقالة له، والثاني ما جاء على لسان الشاعر وهو من قصيدة لي كتبت عام 1989 بعنوان (مرثية صيف راحل) منشورة في ديواني الثالث (هنا الوردة فلترقص هنا).


ألقيت في حفل تأبيني أقيم بالمركز الثقافي الپولوني بلندن