موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

 
 

 

 

 

 

 
 
عشرون يوما
مع وردة "الروز"
م. ج. حمادي
 
الفنان حمادي يكتب عن صديقه الشهيد كامل شياع

[رحلة ضد العدو الأول : الخوف]
رحلة حزن عراقي

بلجيكا ـ كَنت 2008


شكر إلى الشاعر والممثل صلاح الحمداني لما قام به من جهد على العناية بهذه الكتابات، في هذا الزمن الصعب.
 

أقول الكلمة..
من سيسمعني ؟

أيتها البلاد ؟


«تاريخٌ آخر»

هذه القصائد والكتابات هي في ذكرى صديقي "كامل شياع" الذي اغتيل في بغداد، بغداد، التي لم ترتو من دماء أبنائها الأبرار.. منذ عصر "بني العباس" إلى عصرنا الحديث هذا.
درس صديقي الفلسفة، وله أبن أسمه "آلياس"، يدرس اليوم في نفس الجامعة، جامعة "لوفن" في [بلجيكا]. حيث أقيم العزاء الأخير، وفي قسم الفلسفة.
بعد رجوعه إلى الوطن، أرتبط بأحزان الناس، عذاباتهم؛ فأصبح الفكاك غير محتمل.. تجاوزنا، هو، في جرأة روحه، ورؤاه. لكن أمام الكائن المتوحش، لا يمكن أن يقدم شعور الحرية الذي امتلكناه في المنفى: سوى أن يجعلنا نخطئ في قيادة أنفسنا.. وثم، وهذا هو التراجيدي في اللقاء، لا يهبنا سوى التدمير الجسدي، والنفي الفكري تكرارا.. بسبب تطور قابليتنا على الفهم وتحجر الأخر. وعن وردة "الروز"، التي أخذتها من طاولة، حفلت بالورود البيضاء، وأوراق العزاء، كتبت مصاحبا وجودها معي؛ ولمدة عشرين يوما ما جال في خاطري. اغتيل صديقي في بغداد عصرا وهو في طريق عودته إلى داره، بعد أن خرج محملا من سوق الكتب.
كان التاريخ هو: 23 أغسطس 2008.

أيها الصوت ؟

«تهدئة الروع»

تبدأ، بصرخة، رحلة الإنسان الطويلة، وكأنه يدرأ عنه أقدارا، لا يعرف، لكن الحاسة الخفية، في البقاء، تدفعه إلى مواجهة أعبائه. أن يتنفس هواء العالم، الذي تنخر فيه الغازات السامة، ومشاغل البشر، يدفعه إلى الصرخة الأولى، صرخة الاحتجاج السامية؛ على كل العذابات المفتعلة، التي يخلقها جهل الإنسان، طمعه.. وعبر كل هذه القرون والانكسارات، والحروب، نحن، لم نتعظ، بتاتا. شأن الأخر، إن لم يشاركنا، مصلحة ما، مهما كانت فاسدة، لا يعنينا؛ كأننا خلقنا، نحن، من الضعف، فلا نقوى، إلا على، وهذا رهاب عام، أن نحقق أنانيتنا الصغيرة. ضائعون في الزمن، ولا نتوقف عن العراك. فقط، نحبو كالديدان، من أجل تحقيق تلك الأنانية المركبة، التي لا طائل منها مع مرور الزمن..
إذ كل شيء يبهت، يصبح، مع حكمة الحياة، بلا معنى.

إيقاظ الموتى 12/9/ 2008 في أحدى القرى:ـ
ما حدث أدى إلى بلبلة ذهنية، في الحقيقة، لا تقاس. كل من حضر بعد ما حدث "لا نستطيع فهم هذا" يعبر عن ذهوله، وهو يستمر، دون أن ينظر إلى فوق، بتنظيف القبر الذي عبث به الأطفال.
كانوا ثلاثة :
طفلة وطفل بعمر الثامنة، وطفل بعمر السابعة.. من عائلة، اجتماعيا بلا أي إشكالات حياتية. عائلة نموذجية، للتطور الاقتصادي، الاجتماعي. من العائلات المستمتعة بتغيرات الحياة، رغم الغلاء المستفحل في بلجيكا.
هؤلاء الثلاثة، فرسان الليل، أحدثوا تدميرا، شاسعا، لمائة وثلاثة وأربعين قبرا في مقبرة القرية، قرية هادئة في ربوع ريف "فلاندرن البلجيكي".. حدث ذلك في يوم الجمعة المقدسة. حين جاء ساكنو الأرياف، أو بعضهم، لأن الناس هنا تخاف الموت، وتذكره في زيارة القبور، رأوا الشيء الصاعق: من تحطيم لأحجار المرمر، الأنصاب وصور "البورسلان" المكسرة، وفزعوا لرؤيتهم بعض القبور المنبوشة.. هؤلاء الأطفال كانوا : يتسلون بقبور الجيران والأجداد، كما قالوا للشرطة فيما بعد.. كأنهم يريدون أيقاظ الموتى.. فلا خير في الأحياء، المهمومين، المنشغلين. أخذتهم عناصر المادة، التمايز الاجتماعي، مستعبدين دون وعي منهم.. فنسوا الأطفال.

مشاهد من المرحلة الطغيانية، تأسس العنف الحديث داخل المجتمع العراق :
1ـ الشخص المدعو كيمياوي [لاستخدامه الغازات السامة ضد مدينة حلبجة] يجيء برأس احد رفاقهم على صينية، هدية إلى السيد القائد، رئيس الجمهورية. والاثنان من نفس العائلة.
2ـ رئيس الجمهورية يتهم أصدقاءه بالخيانة، ويعدمهم، ويبكي علنا.
3ـ أبن الرئيس، "عدي" "بسيكوسوبات"، يجوع الحيوانات [خصوصا المتوحشة : نمر، فهد...] ثم يطلقها لتأكل أعداءه.. في آن الوقت يجلب أهل الضحايا بقوة السلاح للتفرج على مشهد التهامهم.
4ـ الحفيد أبن الولد الثاني، والجميع متشابهون، يلعب بأكباد الحيوانات؛ مصور، ومؤرشف على الإنترنت. وهو يخرج بصحبة أبيه لصيد الخنازير البرية.. يأكلونها بنهم وحشي.
5ـ الطفل الحفيد، نفسه أبن الولد الثاني لرئيس الجمهورية، حين كان عمره ما بين العاشرة والثانية عشرة، يعطونه مسدسا.. يرمي به رجلا مربوطا، أمامه، على بعد أمتار، قال أبوه: نجعل منه رجلا.
 

عشرون يوما
«كل شيء مع الريح يمضي»

وردةٌ بيضاء

فلنمضي
سريعا
بعض الشيء !


اليوم الخامس
«
نم بهدوء يا صديقي.. طابت ليلتك»

عند منتصف الليل
تباركُ ليّ صديقتي
رحلةَ الخفاء
في الغموض العميم..
تبرق النجوم كلما أصعدُ في عمق النيلي
نجوم خافتةٌ في البعيد..
أرجعُ.. أحومُ من زيارتي المديدةْ
قرب الطاولة
حيث يشعُ بياض وردة "الروز"
ساكنة على الطاولة
تباركُ صباحي هي أيضا
صباحي المكلل بالغيوم..
والناس من حولي..
أهدأ.. أتأملُ بياضها
أتأملُ هدوء حياتي.. أين أصبح ؟
وقلبي المضطرب
طائرٌ صغيرٌ ينقلني
أين يرحل الهدوء
في ليل الأبد

اليوم السادس
«
وجههُ الفتي»
إلى "ألياس" أبن صديقي

وردة "الروز" البيضاء
يانعةٌ على الطاولة
في نهاية
الحفل أمام انفتاح السماء بالزرقةْ
والشمسُ تسطعُ يوم الأحد المجيد
قرأنا مواثيقَ حزننا هناك ومواثيق الندب
فكان أبن صديقي يوزع
هذا الإشعاع المذهل
لكل مغادر وهو يتمتم كلمات صغيرة
أما أنا فأخذت وردتي مباشرة من على الطاولة
لم أقَو على النظر إلى وجهه الفتي الرقيق
خجل مما حدث مهانٌ من الثكل الدامي
فالناس في وطن الأباء تغلبت الوحشة
على طباع كيانهم السارح خلف السماء
بلا حول ولا قوة
يلتهمنا الوحوش في جوعهم
في خراب المدن
ونحن نرقدُ بهدوء
على طاولة الصباح
في يوم الجمعة
بياضٌ
عطرٌ
لا غير


قصة "كامل"

ـ1ـ

الشهر التاسع، نهايته..
الخريف على الأبواب
وأوراق الشجر تدخل مع الريح التي تغير وجهتها كل يوم، بلا قرار، حبٌ مُعذَب لا يعرف الأين.. أو أي مكان في جغرافية المدينة. وما بين البشر يتطور الصراع.. في الأخير على اللاشيء.
وحين تصاب بالجزع، اشمئزاز العيش، المُكدر الأول للرحيل.. فإذن عليك أن ترحل.. دون الالتفات إلى الوراء.. أعشاب البحر تميل مع الريح، تشارك حركة الموج الذي يلطم الشاطئ..
"ليس هناك أي مكان" وأكملت "نحن نعيش في اللامكان" الجملة المفضلة في أصداء الغروب الآتية من القوافل الراحلة، آه القوافل، أذكرها، كأن العالم في ترحل دائم.
لقد جزع صديقي، أصابه جزع: عطل إمكانيات الدفاع. مع الحرية، الحرية الخادعة، في هذا الغرب الخادع.. تركتنا نتنعم.. خدعنا ترف الحرية، التعود عليها.. أفقدنا، الأمان في الغرب، غريزة البقاء ضد المتمرسين وخدعنا الغرب.. لأنه هيأنا لفهم الأخر.. فجلس "كامل"، ما بين أناس يترصدون حركاته.. خمسة وثلاثين عاما يتمرنون على فعل متكرر: هو القتل. ترهلوا... "والله كنا مشغولين.. كانت بعض الإعدامات.. والله أنظر الرشاشات في صندوق السيارة" يقولها العضو الحزبي الفعال من مدينة "الحلة".. وهو يرفع بنطاله إلى الأعلى. ثم يطلب من صاحب موقد الشواء على الشارع العام.. "أرجوك أعتني بالكباب.. فنحن في جوع رهيب". يرفع بنطاله من تحت بطنه المتهدلة، قميصه المندلق خارج الحزام، يلوح عليه الطين. ويرجع صديقي يحمل الغرب، رفاهية الحرية، إلى كائنات، تعودت الطعن في الظهر.. طعن يتساوى مع كتابة التقارير التجسسية، حزب سياسي، وأي حزب، يكتب، مشغولون هم بشكل دائم، في كتابة التقارير، أحدهم عن الأخر.. والآن يتحدثون عن الوطنية، كائنات "الشيزونفرينا".. وصديقي يرجع يحمل انفتاح العقل في قبول هذا الأخر، العدواني المتحفز، لفعل القتل بدم بارد.. القتل بلا معنى.. حملَ أنفاس الحرية.. فكانت السيارات المفخخة.. الأعراب.. البدو الأقحاح بانتظار أنفاس الحرية المعذبة. وبقي الإنسان، فقط: احتياجاتٌ بهيمية.. لا غير.
"هل ستجيء يا حمادي !"
"لا"
"ستفوتك الاحتفالات.. فهي في كل مكان"
شكرت صديقي الفنان "رشيد حميد"، بعد أكثر من 25 سنة من الغياب.. أسمع صوته في التلفون من احد أروقة أكاديمية الفنون الجميلة، هو يحدثني عن التفجيرات: كأنها ألعاب نارية.. العراقي لم يمت.. روح قوية.. لكن صديقي "كامل" يعود من "بلجيكا" كل مرة، يصر على الرجوع، رغم شعوره بضخامة الرعب هناك، لكنه تعود على إقلاقات هذا الرعب، المهول، ضد الحياة.
وها أنا أجلس أمام وردة "الروز" البيضاء..
أعد الأيام وهو يزور "بلجيكا" لرؤية إبنه.. أو رؤية الأصدقاء.. أعد تراكمات العذابات.. في الفقدان.
أتمنى أن يستطيل الزمان.. يطول..ويرجع صديقي وأنا أناديه في التلفون:أيها الفيلسوف الهادئ.. كيفك.. كيف إبنك ؟

قصة "كامل"

من الجزع، ووصول الحدود المجهولة، قرر أن يرجع إلى العراق. ومتى يجلس الجزع بممالكه على ربوع القلب.. فليس هنا سوى الفرار نحو أقسى أنواع الحياة رعبا.
خرج، مهاجرا، إلى الجهة الأخرى، لا يحملُ شيئا، إلا حقيبة ملابس صغيرة، بعض الكتب.. وثمة نظاراته واضحة المعالم، جدا. لقد امتلك من الشجاعة ما يكفي.
فهو لا يغامر
يمشي بهدوء
وردة "الروز" البيضاء، لم تزل على الطاولة، مُربكة في إشعاع البياض، بياض الأحد المقدس، أحدُ الجموع الحزينة، والأصدقاء، العراقيون بالضبط، يجمعهم الحزن.
ومضينا
نبحث في المنفى..
الوطن يتسع.. ماء عُرق السوس يباع في شوارع دمشق. فهو يرجع مرةً إلى العراق من هناك.. في عمان يجلس المغني.. يغني القبائل الظاعنة.. ومرةً من هنا. في "بروكسل" تهب رياح باردة.. يأخذ الطائرة إلى "الأردن".. في بغداد يتعالى أزيز الرصاص، الدوي.. يتمزق.. يتمزق.. في "مصر" يُختطف السواح من اجل النقود.. تعويض الخسارات البائسة. الأوطان تتهاوى.. تتهاوى
صمت
صمت
ما أتعسنا...

***
الإعراب يعبرون
في سكون الليل
ظلالُ أحزانً كئيبةْ


قصة "كامل"

كلما التقيت صديقي، ولا يحدث هذا غالبا، لأنه يسكن "العراق"، أحس، وأنا متأكد، بتجدد حيويته وعاطفته. يتعامل برقة مع كل الأصدقاء، كأنه أنتقل إلى الجانب الأخر من الزمن، أكثر ودا وتنبها. أشعرني؛ هو، مرات بهذه الأفاقة، ربما، وجدها في عودته إلى الوطن. فنحن، رغم القناعات والتفسيرات المطولة: كائنات لا يفهمها أي كائن ، هنا، سواء في "بلجيكا" أو في "فرنسا" أو "هولندا". نفس نأمة العذاب، نفس النغم الحزين، الدفين، يعتري الكثيرين، لا خلاص منه، إلا بالهرب، أو وضع المزيد من المسكرات، إزاء أن نضع ماء، في أقداحنا التي نمسكها في كثيرٍ من الشوق.
نحن غرباء، وفي الوطن، في كل دمائه والقتل، ينتهي هذا الشعور الأستلابي، المهيمن، كالنسر الجارح، يدور فوق رؤوسنا، دون أن يهدأ. فالجبال بعيدة، وهو ينتظر، ساعة أو أخرى، بأن نقع ويعمل، فعلته، المستحكمة عند الجوع، كالعداء.. أن يحدث، ما يحدث، ونقع، هو انتهاؤنا الجسدي ليس إلا. فلقد مات "عبد الحسين"، ألقبة دوما بـ "زوربا"، مات وحيدا في شقته. جلب "أبو سارة" الشرطة، لكسر الباب.. جثه متغيرة، أي تغير محزن، بعد عشرة أيام.. الجسد، حتى هو يخون، أيضا، كالزمان الساكن.. إنه بؤس.. فعلينا إيجاد الطريق ضد العزلة الرهيبة، إذن.. لا يكفي أن نمكث أحياء في غرفنا، ننتظر الزائر الغامض، يجيء فجأة، بلا أهل أو أصدقاء..
يرققون، ثقل الرحلة، ويصبح الزمن نفقا يُحتمل عبوره.
وأول من تلقى، خبر القتل، عن صديقنا "كامل"، هو "أبو سارة"، الذي يتصل بشكل دائم عن طريق التلفون إلى العراق.
فيبدو "أبو سارة"، صديقنا، كأنه شيخ العشيرة المتنقلة في المنفى.
وحين يعود "كامل" إلى "بلجيكا"، يحدث التحرك ما بين الأصدقاء، نلتقي، طيور نوارس، يغمرها الحزن، عند "ليث، أبو سامي"، أو عند "حسين، أبو سارة". أحاديثنا هي، هي، و"كامل" دائما يطمئننا عن العراق، عن التغير الحاصل. أما نحن فكتل من الشك والتردد. أدركنا بعمق أن ما فعله الحزب الفاشي، الجمع، الجمع المختار، من أعلى مراتب القتلة، لن يمضي، إلا والدماء، تراق في الشوارع، حارات النسيان، والأحزان، والعنف.
35 عاما خرقت كيان الشخص العراقي، مع بدو متخلفين يعيشون على آخر حدود تحضر العالم. وضعتهم قوى عظمى، من "الهوموسابين"، وأصبحنا لعبتهم المفضلة.. ليخرجوا فيهم كما قال "ماركيز" «الطغاة بلا أباء» فاستمروا في انتقامهم الأبوي، وحشيتهم البدوية: يلتهمون كل شيء.. يبيعون البترول، موردا، يفيض، عن جيوبهم الخاصة، فقط. بقية الأمة في الجنوب، الشمال، تأكل [الهبري]، كما تعبر عنها طلاقة الإنسان البسيط، في شوارع المدن المهملة.

[ولو أن الحياة تبقى لحيٍ        لعددنا أضلنا الشجعانا]

هذا البيت الشعري المحير، من قرون ماضية، قاله المتنبي، هذا المتنبي، مات كما قال، مقتولا، وبقي ذكره، مع مرور القرون يجاورنا في كل مكان. وله أبيات أخرى، هذا القتيل:

[يقول بشعب بوانٍ حصاني        أعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصي            وعلَمكم مفارقة الجنان
]


القتل

هاتفني صديقي "ليث"
"لقد قُتل هذا اليوم.. "كامل !"
صمت
لم أسمع شيئا.
لم اجب.
مضت أيام.. الخبر لم يصل.. سمعي لا يستطيع أن يألف..
مضت أيام..الخبر لم يصل إلى جسدي..
ضحكت خافقا وجهي.. لكنه [ضحك كالبكاء] مرة أخرى السيد "المتنبي" يواجهني.. الدماء قد غيرت وجهه، في حمرة قانية.
"يا حمادي الخبر مؤكد" أعاد الصديق.
لم أسمع.
الخبر لم يصل.
ويُلغى الإنسان.


13.9.2008

اليوم السابع
وزهرة "الروز" مازالت
واقفة بهدوء
يصلني بياضها..
والحبورُ الذي يتنقلُ
عبر المكان


وفي البعيد
يتجه البطُ البري شمالا
والمساء كالوليد
يحبو على الأفق.


«اليوم الثامن»

صوت المغنية
في الصباح الباكر من يوم الأحد،
تغني "باخ".. ونور الشمس يتسرب إلى مرسمي،
وهناك على الطاولة، لم تزل وردة "الروز" البيضاء، في يومها الثامن، واقفة، كأنها في رقتها، تحديا للزمن، لذاك الخفي اللعين: الزوال.
أحدى معزوفات "باخ"، بهجةٌ رغم حسها الديني، القادم من القرن الثامن عشر. أما وردتي الجميلة: أقدمُ لها الشكر على بقائها معي أيامٍا ثمانية، بتفانٍ، لا أستطيع قياسه، بهذه الأنفاس اليقظة، بقوتها، معي، هذا الصباح أيضا.

14.9.2008


15.9.2008

صباح يوم الاثنين، هو اليوم التاسع، ووردة "الروز" البيضاء، الأعجوبة، المفاجأة، مع حزن القلب، تتطاول في سكون الهواء، فوق طاولتي. "سلامٌ.. سلامٌ.. صباح الخير".. حين رأيت المشهد الهوائي مع البياض. أحسستُ بسرور خفيف، جهارا: تبسمت. تمتمت "لو ترى صديقتي هذا.. لقلبها الطفل.. سيكون السرور.. شيء من أحلام الطفولة".. ثم، مع ذلك، على الطفل أن يغادر يوما.. يترك السرور.. يتركنا.. والنواح والبكاء لا يشفيان كل ذلك الهجران.


اليوم العاشر
اليوم الحادي عشر

في اليوم العاشر، لم أستمع إلى الموسيقى، كان الصمت هو بداية تطور النظر، الذي لم أشأ أن أترك أي تدخل في توجهه أو تحيده إلى جهة أخرى. كانت نظرة مباشرة إلى البياض الذي حفظته وردة "الروز" كل هذه الأيام. كأني أسير مع تاريخ حياةٍ مفعمة بالبهجة. أو أن التحدي، كما يعكسه تحدي الوردة الآن، شبيه بذلك الذي قدمه صديقي "كامل" ضد الخوف والعنف، كل ذلك أشاع البسمة في داخلي، كما أشاع الأمل، بعد أن أحسست بالانطفاء والخمول.
حقا، وهذا آمرٌ خارق، هناك أرواح عظيمة، في طبيعتها، تفوق العنف والخوف. هكذا، هي طبيعة صديقي اذن، بادلنا الهدوء والأخوة الصافية... الابتهاج، الآن، برؤية وردة "الروز" البيضاء على طاولة الصباح في يومها الحادي عشر. ذكرى تكرار المرور الهادئ، غير العاصف. "لازال اليوم على بدايته"، أعربت صديقتي، حين رأتني أحدق، معجبا، بهذه الكائنات الرقيقة كل صباح. خصوصا، اليوم العاشر، فهي أيضا مسها هذا الشعور الخفي، التحدي، والبسمة: الهبات البسيطة، ما تمنحه هذه المطاولة بغصنها الذي ذبلت كل أوراقه ماعدا تلك القريبة منها. كأنها تقاوم، هي بدورها، ما يخيفنا نحن، ويلغينا. أنها تهبنا شعور الحياة العميق، تهبنا الحب الذي جفا عنه البشر.
احتضنتُ صديقتي، شممتها، نظرت هي إلى عيني وسعادة، صغيرة، كهذه الوردة تداخلت في شعاع الضوء الذي عرش في عينيها.


اليوم الحادي عشر

17.9.2008

صباحا..
"كونشرتو الكمان لبتهوفن"، كان بمنتهى التنوع في تنقلاته. كنت أقول لصديقتي هنا بعض "موزارات"، لكن هنا "جايكوفسكي"، وحين يتحرك الكمان في تداخل معقد قلت: هنا "باكانيني".
"كونشرتو بتهوفن"، يندفع في عاطفية، يغير المكان والزمان، هذا المجرى العذب الحزين، يصل إلينا، في وحدة الصمت والسكون أمام الوردة البيضاء. لكن، لماذا هي بيضاء يا ترى ؟ هل.. لتبقى، مع شعاعها الذي أصبح واضحا، محيرا، هو بنفس المستوى لحياتنا، على أن نتقدم مهما كانت مقلقة ويملؤها الخوف.. فهي، "الروز"، تحدٍّ ضد الموت والخوف، بلونها الأبيض.
سأخبر صديقتي، مساء، أن وردة "الروز" مازالت على طاولة الصباح: حبيبة وصديقة، بلا طلب لأي شيء ما عدا قليلا من الماء، الذي غيرتُ بعضه. ثم الهواء، هواء الحرية، الذي، لا يطاق تحمله أمام وحوش من البشر.



اليوم الثاني عشر
قبل منتصف الظهر

أولا:
خرجت إلى المدينة، بتوجس غريب، أبحث عن شيءٍ، لم احدد كنههُ، ورأسي مازال غائما. نعومة الهواء، تَسكينةٌ مذهلة في هذه العزلة، في عذاباتها، رغم ذلك، تحتفظ بجسدي متحركا، بعيدا عن حروب الأبطال، ومسدسات كاتمات الصوت.
كانت أشعة الشمس تصل وجهي، خلل الجو الغائم، أو كأن غلالة كثيفة تمسك جو السماء في "فلاندرن"، أرضٌ في الشمال الأوربي، مع جغرافية الجنوب التي أرهقت كاهلي كل هذه السنين.
جربت الحب، الجنون، والصداقة، جربت كل الأفعال الخارقة للانتماء إلى بني البشر، والآن أتذكر وردة "الروز" البيضاء التي بقيت تحتفظ بحيويتها بعد مرور كل هذه الأيام، واليوم هو الثاني عشر، منذ أن وضعتها على المقعد الخلفي لسيارة صديقتي، "ضعها وسط المقعد، حتى لا تسقط" قالت ذلك وهي تشاركني حزني، بعد مرثيات العزاء، في مدينة "لوفن"، لصديقي "كامل". "آه.. نعم.. إنها في وضعٍ حسن" تمتمتُ بصوت خافت. تَمعنتُ، كانت تنحني قليلا على نفسها مثل راحلة، في أرض غريبة، "لا بأس سأعتني بكِ" تمتمتُ إلى وردة "الروز" الصامتة.
السيارة تطوي الشارع العام، باتجاه البحر حيث تقع مدينتي.
صمت.. الصمت لا غير.

ثانية:
وأنا أحث كياني الطافي فوق بحيرة الألم، أن يبحث عن قوى أرضية أعمق من هذا الخذلان وتغيراته المدمرة، التي لا تفارق قحف الجمجمة، بينما كنت وحدي أحاول تنشق الهواء، ثانيةً..
"ماذا قلت ؟" سألت صديقتي بصوتها المنغم.
شددت على معالم وجهي، تبسمتُ، تبسم المرارة، فَهمتْ، هي، ثم لاذت بالصمت معي أيضا. كان طريق العودة، بعد أن غادرنا "لوفن" إلى مدينة "كَنت" هادئا. "بلجيكا" كلها، نعم، تكاد أن تكون، ركنا هادئا، في زاوية العالم.
أول ما قمت به عند دخولي مرسمي: قطعت من ساق الوردة قليلا، اخترت مزهرية صغيرة، من الزجاج المصنوع يدويا، ملأتها بالماء، ومن ثم وضعتها على الطاولة: كان البياض باهرا. ومن تحت الوردة، أسندت رأسها المائل بإحدى فرشاة الرسم الطويلة، وشددت الغصن بخفة، آه من الخفة، إلى الخشبة، قلت مع نفسي "من أجل بقاء أطول.. ورأس مرفوع!". مر الوقت وأنا أنظر... الهدوء عميم، وطاولة الفطور، حافلة بمخلفات فنية صغيرة من قرون ماضية: أقدمها عمرا شمعدان نحاسي صغير من القرن السابع عشر، قال ليّ، صديقي خبير "الأنتيك"، "هنك فرفندل Henk Vervondel"، يوما: إنها من "فلاندرن". وتبسم.


اليوم الثاني عشر

بدأ :

جرجرت نفسي خارج الفراش، أي ثقل هو هذا ؟ رأسي غائم. يبدو أن الصحو لن يجيء، كما يتصور الإنسان، بسهولة تفكير ذهني، إنما هناك، عالم آخر، يملي شروطه القاسية. نطيع، حالة، لا بد منها. فتحت الراديو، تسربت إلى المكان موسيقى "الباروك"، بيانو "فورته"، كانت الموسيقى، عزف "البيانو"، معدني، لكن فيه الكثير من الحزن، أعادة النغمة تجعله، مكملا لهذا الثقل الدفين.
خرجت من الغرفة، وعلى الطاولة، رأيت.. هدوء كاملا، تغيرت الموسيقى، استمعت إلى "قيثار" حس اسباني، الشرق البعيد في الجغرافيا. رأيت البياض، أيتها الروح الملهمة، رأيت الوردة، تلملم نفسها بعد كل هذه الأيام، الرحيل، والذكرى، تلملم نفسها، رحلتها طالت، وعمر الورد.. للورد يعود. أما نحن، فنتخيل، هكذا شاء وجودنا أن نكون، أما هي فعلى طاولة الصباح.. آه الموسيقى.. عزف "القيثار" الأسباني.. لكن ماله حزين هو أيضا ؟ أي حالة من الغيوم تهرع على دائرة الرأس.. نظرت الى وردة "الروز".. تبسمتُ.. مازالت هي تقاوم.. تقدم ليّ حكمتها الصباحية..
كتبت رسالة إلى صديقتي في التلفون : وردة "الروز" مازالت بيضاء على طاولة الصباح.. طاب صباحكِ.. سيبقى الإنسان.


ثانية :

بعد الظهر ـ وسط مدينة كَنت ـ Gent
تلقيت تلفونا، من أفضل أصدقائي، "كيم"، داعيا أن نأكل سوية..
قبلت. متعزيا. مستبشرا.
وبعد غداءٍ جيدٍ من الأسماك، عند "جون" صاحب المقهى الأيرلندي في أطراف جسر "سانت ميشيل"، وسط مدينة "كَنت"، أقترح "كيم ـ Kim" "أبو نيلس"، وهو يفرح بهذا المزج العربي لأسم أبنه، أن أذهب معه، وأشاهد بعض الأفلام.. "سيكون ذلك ممتعا" أعرب، مثيرا قوة رغبتي في إزاحة الحزن إلى أقصى مسافات التأثر، ومن ثم النسيان، أو التعود عليه، كحالة لا فكاك منها.. ما عليّ سوى الانتظار..
قال وهو يشير بكلتا ذراعيه إلى صدره.. "كان الحزن بعيدا عنك.. لأنك لم تستطع تصور ذلك.. إلا أنه جاء بواقعه، بعمقه إليك، فلا يمكنك الهرب، أنت تحت سيطرته، وما عليك إلا أن تنتظر.. الزمن سيتكفل، الزمان عجيب، يتحرك.. في إدارة عجلة النسيان". وافقته بصمت أولا، بعدها "لماذا لا.. سأذهب معك".
"تستطيع أن تشاهد بعض الأفلام.. وأنت تحب الأفلام". وقبل أن نغادر المقهى الأيرلندي، مرت "أم نيلس"، أشارة مسلمة باليد، من خارج النافذة، ثم غادرت إلى العمل.
هذه المدينة كالقرية، أنت في وسطها حتى لو كنت عند الأطراف.
وفي حديقة البيت، عميقة الاخضرار، جلستُ، حولي المتمرد "توبي" كلب صغير، خليط من "يوكشر" ونوع أخر لا أتذكره، رافقنا رحلة سنوات طويلة، في عمر الكلاب. عند مجيء أي صديق، من ضمنهم أنا، ينبح بشكل إيقاعي، يحركُ أطرافه، كراقص، ينتشي بتحياته.
وضع "أبو نيلس" مقعدا طويلا، وسط الحديقة، فرش عليه لحافا مريحا، عميق الاخضرار، كالحشائش.. فجاء السيد "توبي"، وأطرافه الأمامية، ترقص، إلى الأعلى والأسفل. طبعا، عليّ مساعدته، بسبب أطرافه الخلفية، التي فقدت حرية الحركة، سرعة وقوة. قبل أن أحمله سقطت ورقتان، تدوران كفراشة تائهة.. أمامي.. امسكت هذه الفراشة النباتية، وجدت أن ما بينها هناك حبة جافة تحمل بذرة الحياة، ففي رقصها تنقل إلى مكان آخر، تنقل حياة الشجرة الأم، وكما يتذكر البشر، الأشياء والذكريات.. تذكرت.. نفس الورقتين الطائرتين أمامي في غابة قرية "بيير فوشيه" من "كندا"، على بعد 30 كيلومترا من مدينة "مونتريال". وكيف تهاوت أمامي، تدور فوق بقع الضوء.
"إذن بذرة الحياة تتنقل.. ويعبق عطر الزهر في مكانٍ آخر.. آه وردة "الروز" البيضاء.. انتقلت معي هي أيضا، من "بروكسل" إلى "كَنت ـ Gent".. وفجأة.. مكثت في رونقها مشرئبة : كائنٌ أسطوري يشايعه البياض والبهاء من كل مكان".
وفي حدود الساعة الرابعة، جاء "نيلس"، من مدرسة الأطفال، القريبة من البيت، وتحرك البيت لطلباته الصغيرة، وحيويته في ركوب دراجته.
"هلو.. خمادي" تحيته ليّ مع تحوير على حرف "الحاء". في العربية إضافة نقطة.. نقطة فقط، تزيد في نغمة الغناء.


اليوم الثالث عشر
«انتهاء»

استيقظتُ مبكرا، والظلام سجفٌ رقيق يغطي كل الأنحاء.. لا أستطيع مغالبة الحزن والفقد.. آهٍ الفقد اللعين كماشةٌ منصهرةٌ في دماء القلب.
جلست أمام وردتي.. أطالعُ حزني.. أطالع الأيام كيف تمضي.. وفي خفوت الضياء.. هذا الخفوت الذي يجلس.. يقوم معي.. لم تزل في بياضها تقاوم الذبول.. غلالة الظلام تحيط.. لا مندوحة في ذلك.. إلا هي تهبني بعض العزاء والمباركة.. فلن أيأس.. عليّ أن أهنأ بأشياءٍ.. حتى التركات.. وقسوة الأخر.. فنحن على الشاطئ نرقب السفن التي غادرت ولن، يستحيل هذا، أن تعود..
إلى ماذا ؟ لم يعد الصمت مقنعا ولا الجاه..
ولا أموال الطغاة والمملوكين.. المهطعين بالجنون.. جنون غير بشري قبل أن تلتهمهم الأرض.. الأم الحبيبة.. حضن الشفقة.. حضن راحة البشر.. من القساة والطغاة.. ومن لا يقر لهم أي اكتفاءٍ أو أي انتهاء : "في إلغاء الإنسان"..


اليوم الثالث عشر
«صديقي "كيم ـ Kim»
انتهاء ثانيةً

من الذي يستطيعُ
أن يخفف النواح والبكاء ؟
وصديقي "Kim كيم"
بقلبه الأخوي، الحبيب
يحاولُ
أن يَردَ بعض الهدوء.. بعض السَكينةِ
إلى قلبي المرتجف
صباح مساء
وبلا انقطاع.. هكذا.. رغم ذلك
بلبلة الذهن كوابيس
تغلبني.. قطٌ وحشي
مذهلٌ في خفته
عنيف
عميق العنف
كأنه
بلا
أي إبطاءٍ
يدفعني أسفلا
يقوس ظهري
يركلني
بلا رأفة
بلا أي انتهاء

اليوم الرابع عشر
20.9.2008

وردة "الروز" أخذت تشايعني هذا الصباح.. متلبدٌ أنا.. غائم.. كعثرات الطريق.. لا صوت ليّ.. غائب عن تحركات الجموع.. وهي تسأل : "كيف حالك.. كيف حال بلدك؟".. "كل شيء سيكون على ما يرام".. أناقشهم بروحي الذاهلة.. يصمتون معي.. يصمتون ووردة "الروز" البيضاء.. تشايعني.. تترك المكان ليّ.. تترك الموسيقى.. أريد قصة أخرى.. يوم جميل.. وردة "روز" معطرة ثانية.. ثانية في ربيع ثان وثالث حتى تتقطع الأنفاس.. تركض الخيول.. تعبر لوحاتي.. تختطف الزرقة.. أركض خلفها دون أن تتعب روحي.. يا وردة "الروز" هناك على الجبال.. في الربيع القادم.. سنلتقي مرة أخرى.
فلا تبكي يا روحي
مازال الكثير من الوقت
البراري معشبة والهضاب
هاك.. انظر الماء قربك
مع الموسيقى.. يتعالى خريره من بعيد

*
في الأعالي
تتعانق الأغصان
وتميدُ رويدا
من مرور الهواء


*
أبكي قليلا يا روحي
رأينا.. سمعنا..
ثم ذهبنا
نبحثُ عن ملجأٍ
في أبواب
السماء

*
تنغلقين يا عزة نفسي
ولا تقولين آه ؟
وقد ذبل الورد
وجفت
نزفات
الربيع


اليوم الخامس عشر
21.9.2008

موسيقى عصر النهضة
"هارموني".. هدوء.. هدوء
ووردة "الروز" تشايعني.. تشارك بداية أخرى،
هدوء.. هدوء..
أيتها الروح الثكلى
يتصاعد البوق
بدائية حزن.. يتردد له صدى على الطاولة،
وتتداخل أبعاد الأشياء.
وردة "الروز" معي.. الذبول والاصفرار..
شبح الزوال.. يجمع صفرته والذبول.. البياض.. البياض العزيز.. يستسلم.. البوق.. البوق..
ثم صوت مغنية تتأوه.. أغنية من "سكارلاتي" الإيطالي،
غريب، "كامل" أمضى بدايات المنفى الأوربي في إيطاليا.. وتحدث الإيطالية بطلاقة.. صوت المغنية يهبط.. تأوه بطيء.. آه آه آه.. تتصاعد النغمة.. على الجسد.. على الطاولة.. تحيط وردة "الروز".. حتى وهي تذهلُ عن الحضور.. تحتفظ بشكل، ذي هندسة، له إيقاع جميل.. صوت المرأة المغنية.. ها ها ها ها ها..
تمضي بعيدا.. تخفت.. يحل الصمت للحظة، مثل جهد عظيم، يبذله جسد منطرح.. فعليه.. بعض الهواء.. بعض الهواء..
أيتها الرحلة
يا رحلة الجنوب
باركي جمعنا الصغير
فنحن على مشارفكِ
نجيء ونرجع
بلا أي أثقالٍ
خفافا نتقدم
أيتها الرحلة
يا رحلة الجنوب...

خرجت أمام باب المرسم، الهادئ دوما، كان ضباب خفيف، ساكن، على وجه النهر، وصوت ناقوس الكنيسة، يعلن عن قداس يوم الأحد.
كان يوم العزاء في "لوفن"، أحد مدن "بلجيكا"، حيث درس "كامل"، هو الأحد أيضا.. فهي إذن آحاد مقدسة، للصمت، وللخريف.. تستسلم له الأشجار.. تستسلم له الروح.. ورحلة الجنوب، تُفيقُ كل نوازعها بالرحيل.. القلب يدق ببطء.. لم يزل هناك بعض هدوء.. نظرتُ : كانت الأشجار هادئة أيضا، الطريق خالٍ من السيارات.. أنه الأحد المقدس في "أوربا".. أعلنت بعض المدن.. في هذا اليوم بالذات.. أحدي أنا، جامع نواحي وغربتي عن عدم استخدام السيارات.. وإيقاف التلوث ليوم واحد.. في معمورة الشمال.. ولو أن الجنوب.. مدن الجنوب تمضي في عالم صاخب آخر.. حتى في أيام الجمعة أو السبت.. أيها الاستلاب ؟ هل هناك من خيارٍ ما ؟
عزف "بيانو" هادئ في إيقاعٍ حزين، من معزوفات "سكريابين"، يتسللُ إليَّ عبر المرسم المزدحم بالكتب واللوحات.


[...]

جلستُ أمام وردتي
أعدُ إفطار الصباح
قطعتين من الخبز
عسلٌ وشاي
لا غرابة تمسني
.. لا قلق
هدوء في هدوء
وردة البياض تفارقني
ورق الشجر
يسقط من أعالي الشباك
يدخل غرفة النوم
.. لا قلق
هدوء في هدوء
.. وردة "الروز" تودعني
إلا من هذا
الحزن الرقيق
يحيط قلبي ولا ينثني


اليوم السادس عشر

واكتست الوردة بشحوب البياض، تحولت إلى صفرة، كألوان أشعة الصباح، مع زرقة "التركواز" الخفيفة. الحياة هي، كما نراها، تنحل، تذهب، محض حلمٍ لا غير.
وتأتي الموسيقى، عزف "البيانو" أيضا، من راديو «كلارا الكلاسيكي» في "بلجيكا"، تتصاعد "الكمانات".. آه الموسيقى حين أسمعها يستسلم قلبي طائعا كأي بشر.
نظرات، نظرة الحزن، الذي صار طابعي وقوة الوحي، إلى وردة "الروز" ـ بعد أيام غريبة في ثقلها، وتقلبات المزاج في أحوال البشر قربي ـ فأزداد غرابة، نكوصا، أن لا خلاص هنا إلا الموسيقى أو الذهاب إلى الجنوب، كما تفعل الطيور المهاجرة.
لقد استفاق داخلي كيان الجنوب، روائحه، شمسه، والأصدقاء الذين تتنقل خلال أجسادهم الطبيعة. وليس هناك في البلدان العربية، بلد واحد هادئ؛ إلا "الأمارات".. شعبٌ مطمئن إلى حياته، بساطتها، وتعقيداتها في التغييرات الحاسمة، التي تقوم بها الدولة: إدخال شعوبها ضمن القرن الواحد والعشرين.
أصبحت كل شتاء، أهرب، لتجديد القوى، وشحن عواطفي بالحب والهدوء. ثم البحر، أمواجه، وقت الصباح، تمتص ألمي، وحزني، الذي عذب الجسد، طوال زمن عسير في مطولاته المخدرة.. زمن المنفى.
«أنت تبعدين شعور الموت عني» أقولها لصديقتي وأنا أشمُ رائحتها الطيبة. فتبتسم. أبقى مغتنما اللحظات إلى أقصى تمكني. وهي بقلبها الطفل تسرح في عالم الحلم، عالم فرحها، هدوئها ضد كل الاختلافات العسيرة، التافهة، إذ يسقطها عليها مجتمع مقنن يخضع إلى نظام [سستم] جعله كالمُستَعبد.. عبيدا، عن رضى.. كأنهم، وهذا ما يرهق القلب. آه الحلم.. الحلم لا غير.. عالمها، هذه الحبيبة، في استنشاق الحياة..
قبلت به، كوجودها الحقيقي بين أناسها الطيبين.


اليوم السابع عشر

الليل ينتهي، وما هناك إلا الهزيع الأخير من الصمت، وغلالة سواد من حزن الليل. استيقظت مبكرا.. أحساس الفقد يمتلك قلبي. لم أستطع أن أرى وردتي.. لم أفتح الضوء، مسترحما رقة الظلام، في ترك مشاعري تتصاعد بخفة كائن خرافي.
لا موسيقى
إلا دقات قلبي.. دقات قلبي المفزوع.. دقات الساعة..
قرب كتبي العربية المرصوفة في خزانة قديمة على الحائط أمام وجهي.
البشر ها هنا يتملكه الخوف، عدم الاطمئنان للآخر.
للحب والصداقة معانٍ باهتة.. مثل الأمراض المعدية.. الكل يخاف منها.. يبتعد.. كلها بسبب فقدان الشجاعة.. وجدت أن الشجاعة غير معدية، فهي أما توجد فيك.. أو لا.. مهما فعلت من النزوح إلى الغابات، او السرحان خلف قطعان الوحوش الهائجة. إن علينا أن نبحر أشبه بالحيتان المهاجرة.. تموت، ربما، في العمق المهول، من عدم تنشق الأوكسجين.. لكنها تغامر للحصول على غذائها في تلك الأعماق، تهبط إلى أكثر من 1500 متر، في ظلمات المحيطات.
عليّ أن أرى وردتي
قررت مغادرة الفراش
فتحت الراديو
الموسيقى.. الموسيقى.. لقلبي، هذا الكائن الغريب..


عصر 19.9.2008
«وردة "الروز"»

عند الغسق
تلملمَّ البياض
وأنحسرْ
في عمرٍ
كان
الضياء
له
قدرْ

«ما حدث، وهو يحدث فجأة، يكسر القدمين.. غير ممكن مقاومته.. أنه يجيء ولا يمكن فعل أي شيء» قالها صديقي "كيم Kim" وهو يودعني خارج البيت، مكملا: «ليس هناك إلا الانتظار». كانت الشمس شارقة، الهواء معتدلا.. أنه مكان آخر بعيدٌ عن شوارع بغداد.. عن المكان الذي أحبه "كامل" «حين تكتشف ذلك الشعور الدفين، لا يمكن لك أن تقاوم.. لا يمكن.. لذلك على أن أعود.. هناك معنى.. العراقي لا زال يملك الكثير من الحنان» في زيارة ما إلى "بلجيكا"، قالها وهو يبتسم، أخويا حنونا. «لا تقلق» ختم الحوار الصغير. كانه الآن معلقٌ فوق رأسي، معلقٌ في الهواء.. يتنفس.


19.9.2008

وردة "الروز" البيضاء
أخذت تلملم الضياء، تبدأ استئذانها بالرحيل
تعالي أيتها الأمواج
تعالي أيتها الرياح
وأنتِ أيتها الكائنات الغامضة
أنتِ أيتها الآلام التي لا تطاق
أيتها.. المهيمنة على روح الأشياء
الليل مضى، قلبي في اضطرابٍ عظيم، كأن أشباحاً، أو كائنات بلا هيئة، تُعمرُ مدنها في أقاليم الروح، وأقاليم الضياء.
تعالي أنتِ، أيتها العاشقة، إن أمكن، قرب ذاك الدرب الماضي، أبدا يمضي، إلى الجنوب، كما ترحل الطيور في مواسم الهجرة.
ثم.. تنسى الحبيبة..
تباعد ما بين صوتها وتلك الأفياء
الظليلة.. حيث الماء ينساب تحت النخيل
تمضي حافيةً على الدغل.. الدغل الأخضر النادي.
والريحُ تئن على ناصيات الشوارع.


اليوم التاسع عشر
اليوم العشرين

الوقت: صباحا..
أجلسُ مشتتا، ضائعا في ضباب الذكرى، ذهني متلبدٌ لا أقوى على شيء إلا الصمت، وسماع الموسيقى.
أصوات "البولفوني"
من عصر النهضة
أصوات نساء
كأنها تنوح على قدر غائر، في ذاكرة الإنسان.
وردة "الروز".. لملمت نفسها، إعترتها الصفرة.. صفرةٌ غريبة تنزلُ إلى قلبي..
يبتعد صوت النساء.. مقطوعة أخرى.. بيانو.. عزف منفرد.. تَتَ تَتَ تَنَ تَنَ.. تَتَ تَتَ تَنَ تَنَ..
ثم ينساب خرير الماء.. أسماكي الذهبية تتحرك.. الخرير يبتعد.. صوت البيانو في مرسمي تتصاعد أنغامهُ..
أيتها الوحدة آه.. أيها الصراخ الخافت..
هذه وهاد الأرض
تملؤها مناحات الألم
الماضية في فجاج التاريخ
ونحن في العراق
نستفيق.. نستفيق.. نخاف من أنفسنا..
حرُ الصيف يلهبْ قحف الجمجمة.. صوت البيانو.. عزف من "فرانس ليست"..أعجابٌ "برافائيل"، و"مايكل أنجلو".. إيطاليا التي أحبها "كامل"، ثم مضى.
البيانو.. البيانو.. يتصاعد دفء الموسيقى.. في الجو الغائم.
وغرقنا في بحر الليل
نبحث عن شاطئ..
غامرنا وعلى الأفق.. تنسحبُ أذيال الضياء
وفي لهفة العطشِ وقد نسينا الجوع
وقفنا ننتظر، والشمسُ على الحد، حظوظنا
مع الظاعنين تمضي..
آهٍ كانت أيام..!


صديقة تأخذ شعور الموت
بعيدا عن قلبي

في البشر، هناك، في جغرافية الشمال، شبح يحوم، شبح الخوف.. خوف مبهم.. أقلق كيان الإبداع... فصارت مجاميع الخداع، والمحتالين، بعض الواقع المعاش..
فنانون.. كتاب ذوي سمعة.. لكنهم حفنة من تراكمات الخداع واستغلال للكيان البشري المكافح.
بين هؤلاء.. تجيء الملائكة، الغائبة عن تشوهات العتمة.. يصلحون الضوء في أماكنه.. ويعينون القلب على تحمل الزمن. صديقتي "شارلوت" أحدى الفرائد بينها.. تقترب من الوردة.. في الصباح..
«هذه "الروز".. عجيبة، فبعد عشرة أيام.. زاهية البياض» تستدير تنظر إليّ.. ثم أمسُ يدها.. تتركني..
أن أشمها.. أهدأ.. متنعما بالهدايا.
«يا هديتي في الزمان الصعب !»
تبتسمُ..
تأخذني ما بين الذراعين.. هدوءٌ عظيم..
وجسدها يميدُ في الهواء.
«سأكون معك دوما» وتمسد شعري، تضغط بأصابعها قليلا، كأنها تزيح الألم بعيدا عن رأسي.
وننزلُ سواسيةً
يعبقنا العطر
نزيح العشب المزدحم
عن زهور المساء
نأذن لأنفسنا لحظةً
لحظةَ خفةٍ
في اتساع الهواء.


أيامٌ لا تُعد

لا أعرف كم من الأيام مضى.. وردة "الروز" البيضاء، "لم تزل حية" وامسكت جارتي "أنمي ديكننات" الورقة الحية، المتبقية : آه الحياة، ملأت البسمة وجهها، مع نظرات العجب.
اليوم العشرون، تعدى، وأنا، ووردة "الروز" نقاوم الزمان.. لكن من يستطيع أن يقاوم ؟ ذهني أخذ يستوعب الأشياء ووجودها الزائل، آه الموسيقى.. صوت المغني في نواح.. ساحق.. إنه الحب الذي جعل الإنسان، وغريزة حب البقاء، على أن يمضي أبعد من دربه..
يُرهق الخوف.. لكنه يبقى مترصدا.. مترصدا، هذا الخوف، الجموع الأخرى.. الخوف اللعين.
فرحلتي مع وردة "الروز" قاربت الانتهاء، قالت جارتي: «لا تحزن يا حمادي.. سأجلب لك وردة أخرى» أجبت: «بيضاء.. مفردة.. وليست باقة ورد»، «مفردة وليس باقة ورد» طمأنتني، مبتسمة، وهي تنظر متعجبة مرة أخرى.
سلام أيتها الوردة
يا منبعا لصفاءٍ غائب
خفيف التنقل يمضي عبر النجوم.
لا يحيقه أي شيء
إلا الصمت
والطَرقات الخفيفة على الباب.. نسمعها
قبل مجيء أيام الشتاءِ


يا وردة "الروز" اعذريني
بياضُكِ يذهب
مثل ذهاب حياتي

لا يهم أين تكون
الدروب التي تقود
عبر منحنيات الجبال
ونحن لا تسترنا
إلا
أثوابٌ
رقيقة


ثانية.. أيامٌ لا تُحصى

في الصباح، من الأيام بعد العشرين، وردة بيضاء أخرى على الطاولة: أهدتها جارتي، "دخنانت"، وهي تبتسم: «من أجل أن تحيا وردتك مرة ثانية»
«وردة مفردة؟» سألت. وأرتني وردة "الروز" البيضاء: غصن طويل، أوراقٌ عميقة الخضرة.. وضعتها في مزهرية من زجاج شفاف.. وقرب وردتي.. وضعتها.. مواسية صمودها الجميل عبر أيام الحزن والفقدان.
ما الذي أقوله؟
هذه الوردة تنقلني مع زمنها القصير إلى الموسيقى، إلى معنى الوحدة مع الذات، إلى العزلة التي يفرضها الإبداع.. ثم في الأخير لمسه، بكل هدوء، إلى الذات المتجولة، عالم الحلم، عالم التغير المخادع.
وهناك.. الأصدقاء.. المتوحدون أيضا.. رغم المحاولات.. الطيبة في حقيقتها.. نبهتني هذه الوردة أن الأصدقاء كم هم عزيزون ونادرون.. كما هي : نادرة، وكما الحبيبة التي تحمل عالم الحلم والخيال.
خرجت باكرا.. كانت الشمس مشرقة، نبهت نفسي «ها نحن على الطريق القويم»
سلمت على بعض الجيران..
يوم زاهر..
شعرت: عليه أن يكون نادرا متحديا كصرخة الرضيع.


أيام

تمرُ الأيام، ثقلٌ عجيب.. الرماح تصدأ وتهرأ.. الفرسان يتبعثرون تحت النجوم في الليل الشاسع العجيب، أيضا.
كان خطباء العرب، في صحراء العرب قديما، يتنكبون رمحا تحت الإبط. قامة مستقيمة كمن يمارس "اليوغا"، من أجل الرؤيا، وعليه أن يقيم ظهره مستقيما.. في تلك الأزمان التي وطأت فيها الروح أعماق الليل، وخاضت أتعاب البشر.. في ظلامه المبهم.
تغرب الشمس خلف الأبنية بعد أن غربت خلف جبال العرب، تركت الصخر مشعا بحمرة الغروب.. هكذا من مكان بعيد.. الموطن الأم.. كان من الممكن أن نرحل.. لكن موازين الأقوياء، مع الجشع المقرف، لا تطاق، لا يصدر عنها إلا العنف.. القتل..
لقد تغير البشر كثيرا.. عريهم لم تحتمله الغابة.. لبوسهم.. ألت إلى تصنيعات فارغة.. بلا عناية.. متراكمة كمحطات المزابل.. تُرمى.. تنتهي.. وفي الوقت نفسه، هذا الوقت المزعج، تفرغ أُمنا الأرض.. من أرجاس الماضي، تخمينات المستقبل العقيمة.
رجعت إلى البيت، بعد زيارة سريعة إلى وسط المدينة، جميل رؤية الناس، بعد عزلتي، يستمتعون بالشمس، وجوههم مبتسمة.. كأنهم خرجوا، توا، من كهف إلى بشرى الحياة؛ التي تجلبها الشمس الشارقة.
وعلى الطاولة في الصمت العميم، كانت وردة "الروز"، هدية جارتي، قوية، تهب عطرا خفيفا إلى المكان.
وردتي.. وردة الأحزان لم تمت.
ويبقى الإنسان.
ها هي تصاحبني في الدرب.. مع وحدتي
مرة أخرى..
وردة الأحزان لم تمتْ.


"نيلس" يُقدم الأزهار

جاء النور.. وزرقة السماء، تستقبل وجوهَنا، بعد ليل طويل، أمضيته، بلا نوم.
المنطقة حيث يعيش "كم" مع عائلته، خضرتها زاهية، تَهبُ ترحيبا مرحا للروح القلقة.
في ليلة الأحد، اتفقنا مع أم "نيلس" «سنذهب سوية.. لإحضار "نيلس"» ثم بهدوء «ما رأيكِ؟»
تبسمت.
ـ حسنا.. سأتأخر أذن في العمل.. يوم الاثنين.
أحب صديقي، أن نتمشى قبيل الظهر، وأيام الصيف، هنا، في بلاد "البلجيك"، هادئة الحرارة، وقليلة الأمطار.
ـ «ما الذي أبقاكَ في هذا البلد؟» مرة قالها ليّ أحد الشعراء، حينما أحس بالكآبة التي أنا فيها، مضطرا، بالغياب عن الشمس، بلاد الشمس، وأهل الشمس.
ـ «القلب جريح دوما»
صمتَ مع ردي، برق ضوء حزين في عينيه.
مع ذلك ترانا نتنقل فوق هذه الأرض، أرض البشر المعذبين، تحت طغيان الجشع المادي العظيم.. والصحراء تمتص الصراخ، والجبال.
انغمرنا بالضوء، ونحن نتجول حول البيت، المنطقة كلها مشجرة.
تحف بيوتها أشجار الورد. وفي حدود الرابعة، كان علينا أن نكون أمام المدرسة، لاستقبال السيد "نيلس".
ذهبنا قبل الوقت، بعد أن أكلنا لقمة مع "آن Anne"، أم "نيلس"، كانت مبتسمة لقرارنا الهادئ. حين وصلنا.. كانت المدرسة، مدرسة أطفال، متقاربي الأعمار، 3 سنوات، وهكذا، تعد حفلا مسرحيا، يقدمه الأطفال إلى الآباء والأمهات.. نشاط يومي يشترك فيه الكل.. والعوائل جالسة تنظر، قناعة ورضى على كل الوجوه.
السيد "نيلس"، وهو يتمرد دائما، بعد أن جال جولةً مع أبيه، أراهُ رسوماته الأخيرة، وهو يسحبه بيده اليمنى.. كائن صغير، يتبعهُ أب طويل القامة، مطيعا، مبتسما يشاهدني من بعيد.. ما بين جمع الأطفال ومدرستهم المنشغلة، كأنها تمارس ألعاباً سحرية، ورقصا، أمام طلابها.
قرر "نيلس"، وهو يقرر، أن يخرج. بحث عن سترته الحمراء، بعد أن طلب أبوه ذلك، وجدها، ثم هرع يمسك يده مرة أخرى..
كنت واقفا عند المدخل، أراقبُ المشهد المسرحي الجذاب. خرجنا سوية، كان "نيلس" يتابع حجر الطريق، الأب يتابع أيضا، أما أنا، في دماغي الذاهل.. أراقب وأبتسم بهدوء.. ونحن نتجه إلى البيت.
فجأة سمعنا نباح كلب.. كلما نبح الكلب.. وقف بجسمه الصغير ثابتا، ثم يلتفت باتجاه النباح، مع: آهْ.. "هونجه" [كلب مصغرة باللغة الفلامانية]، يعاود الكلب نباحه مرة أخرى، يقف: آهْ.. "هونجه". نقف معه، نستدير باتجاه الصوت و: آهْ.. "هونجهْ".
فجأة أخذ، السيد "نيلس" يركض فوق الحشيش الممتد أمام البيوت.. أقتطف زهرةً من نوع الهندباء البرية، كبيرة الحجم. قال: «بلوم فور مامي» [زهرة لأمي]
"آهْ" تبسم الأب. كانت زهرة هندباء كبيرة. عجيب.
ذهب نحو الحشيش، مرة أخرى، جاء بزهرة صغيرة.
ـ «إلى خمادي» هكذا يلفظ أسمي.. يقلب الحاء إلى خاء.. فليكن.
شكرته وأنا أخذ منه هديته.. وأفرحُ بالخاء..
ـ «وأنا؟» سألَ Kim
فعاد مسرعا نحو الحشيش المطرز بصفرة الهندباء البرية، وهي ورود ذات أوراق إشعاعية، قانية الصفرة في وسطها، تنتصب مفردة، تعلو بغصنها فوق الحشائش.
ـ «وهذه إلى بابي» أعطى زهرة صغيرة أيضا، وهو ينظر إلى الأعالي، فمهُ مبتل بالتوهج.
ـ «شكرا "نيلس"» قال "كم Kim" مسرورا.
ـ «و"نيلس".. بلا وردة ؟» سأله وهو مازال منحنيا لاستلام هديته.
«آهْ.. يا..» هرع مرة أخرى نحو الحشيش، حيث نباح الكلب.. ليعود بزهرة، صغيرة أيضا.. «وهذه.. ليّ» أراها لوالده، ثم امسك، زهرته مع زهرة أمه، وباليد الأخرى أخذ يد والده، وتقدم.. يقودنا إلى البيت.
حين جاءت امه.. أعطاها الزهرة الكبيرة «مامي هذه لك..»
كادت أن تبكي..
سألتُ: ـ «هل علمتيه ذلك؟»
ـ «لا»
ـ «من أين تعلم ذلك أذن؟» كررتُ السؤال، وانأ أنظر ضوء الحديقة خلفها.
ـ «لا أعرف.. كل مرة يفاجئنا بشيء!»..
قبل أيام
أقامت العائلة
عيد ميلاد سنته الثالثة، بالتمام والكمال.


تذكرٌ مع غطاء الليل

تعالي
أُخيتي
نقيم العزاء


«ونرجعُ»

إلى صديقي "كامل" : هناك معتقد عند الهنود في أمريكا الجنوبية، بأن الأرواح العظيمة تتحول إلى فراشات تعود لزيارتنا كل عام..

قرب النهر
أين التوت البري يطلُ على الماء
ليس بعيداً عن مرسمي الصامت
رأيت فراشةً بيضاء
تتراقص في الضوء
تتابعني
على الدغل الأخضر
ثم على الممشى الحجري
وكأنها كائنٌ آخر.

*
جلستُ
على مصطبةَ النهر
تأملتُ، والعالمُ كله منشغلٌ،
الشغافَ الحزين
الذي يحيط بقلبي
عادة الفراشة ثانيةً
في هذا الصباح
أكثر إشعاعاً في بياضها
على الخضرة الداكنة
فوجئتُ..
بسمة تمتلكني
للحظةٍ لا تقاس بذكرى رجل جريء نادر
حملته الأجنحة
بخفة
على
طيات
الهواء..

3/8/2008 كَنت/بلجيكا


"روزةٌ" بيضاء

مالت
على الغصنِ
كأن الثقلِ
أوزنُ
وضاعت
في صفرةٍ
كأن العمر
هيمان

ولم يبق
ما يُعتد به
إلا هبوب
الريح
إكمالٌ
ونقصان
ونامت كأن لم يمر بها
هذا النواح
ولا هذه الأحزان
وتذكرتُ من ألمي
أطيافا في الذكرِ أشجان
صحبٌ كأن الزمانَ
ضن بهم والأعداء عُقبان
كلما جلسنا أناخ الليل مجلسه
فيضنينا ويزدانُ
نجومٌ تشعُ في أغوارٍ
تحاورها في البعد أكوانُ


«نشكو إليكَ»

م ج حمادي
فنان تشكيلي يعيش في بلجيكا

إلى صديقي العزيز "كامل شياع" الذي اغتيل في بغداد في 23 أغسطس 2008

أبطال كاتمات الصوت
يتربعون فوق عروشٍ من حجر
مهترأة الجذور من ريح السموم وشحة المطر
وعلى الضفاف من نهر الفرات حيث تجمع الأطفال الحفاة
وحيث يلتهم الصمت بقايا التذكر ويزحف كسلاحف أزمانٍ غابرة
جلست الأمهاتُ بسواد الليل يندبنَّ
من آماقٍ مشدودةٍ.. تفوحُ بحرارة الدم
ما حل بنا من فواجعِ
ونكوصٍ في رقة المعنى وعودة الإنسان
يرششن الماء على قبورٍ تتراصُ كل صباح مثل فيالقٍ راقدة
ينشدن تراتيلَ معابدٍ ممزقة الأردان والأزياق
يتواصلن في نواحهن عن رجالٍ شجعانٍ.. عن القتلى في الطف وشوارع بغداد
فكأنَ لا لُقيا تحدث عقب المنافي
إلا مع هذه الرملة التي تحتجز الكون بالصفرةِ ورائحة القبرْ
فمن يريدُ أن يتغير
ويسمو بروحهِ الثكلى: أغصان زيتونةٍ محترقةْ
فليمدَ الجسد قريبا.. وأكثر مما يتصور
في العدم الكلي
أين ترتعُ أرتالُ الصمِ البكمِ.. متغيري الوجوه.. أقلُ من عضايا مجاعة قاهرةْ
أين يُجمعُ دخان فوهات البنادق
داخل كهوفِ أرائهم المختمرة على تراكم الدماء
من أجل البسالة وتاريخ المجد الضائع
أبطالٌ موسومون بالخناجر وكاتمات الصوت
يهيئون مجد هولاكو على أهرامات تسيل دماؤها كخيوط العناكب
وتسطعُ عليها شمسُ غروبٍ مُرهَقٍ بالنحيب
إذ تصفرُ خلل المحاجر الفارغة كرعبٍ كوني لا تتمثله الأرض
رياحُ الجهاتِ الأربعْ
وضمن ميلان الضياء بألوان قانيةْ
على الصرائفِ والبيوت الخربة تمتد الظلالُ وتسكن
كأن كل هذه المتشبثات بسلاسل صدئةْ
تمائمٌ يعلقها الضياء على الهواء
فلنتبارك إذن مثل أشجار الأثل وقوفا
ما بين القطعان وهي ترعى أفكار أحزاب موهومةْ
وترعى أعلاف الجرائد والصديد الأهوج
بعد أن صُبَ عليها زيت القرون ومخلفات التتر
كذلك على هدايا مُسيري طاقم القتلة
يحلمون مجددا بدولتهم، البدو الفاشست، والعالم
يتفتت.. يحترق في أروقة التيه البيضاء، ومن لا يدركُ هذا ؟
يحلمون بالقيادة والقائد المعمد بأصناف جحافلهِ
على الحدود وممرات الهواء في "الأهوار وحلبجة"
يحلمون ببائعي الأعلاف "والجت" ضد مجاعات الأغنام والماعز
ثم نأتي إليك مطأطئي الرؤوس
يا صديقا باعدته عنا
مسافةٌ من الرمل والحجارة النديةْ
مسافةٌ لا يخترقها العويلُ ولا صدى التفجيرات المتكررة
مُكللين بما لا نعرف: حيوانات غاب ونسور جائعة
نشكو إليك الغدر وسياسة الوجهين
وبقايا حثالة القتلة وما جروا من قبل ومن بعد
من مآسي على الشعب المسكين
نشكو إليك الأخوان على المقاعد من مدن مسورة
بعيدا عن المشاعل الجوالةِ كوضح النهار
يتقاتلون على أطنان الزيت والزفت
على ما تأكله الطير في قحاف الجماجم
يباركون بعضهم كالممسوسين بانتظار الجولةِ القادمةْ
نأتي إليك لنصحح أخلاق الملثمين بخناجرهم المعقوفة إلى الوراء
وننقذ ما تبقى قبل أن يتم الالتهام العظيم لكيان البساطةْ
فجلستَ أنتَ مثل مُعلمٍ قديم لا يُعدد أمجادهُ أمام تلال الرمال
جاء عبر الخلاف والزمن
يضعُ حجارةً فوق أخرى
متأبطا الأوراق وبطاقات التموين
في شوارع "الوركاء" و"أريدو"، و"آور"
جالسا في همه المغرق خلف الضياء
مثلما جلس السومري على أعتابِ السماء
يخطُ للآلهة كلماتها الأولى على الغرين
يُرتبُ أحجارَ الطين واليقين الأرضي
مواشيرا على خطى تقدمهِ داخل الذكرى
بين العوسج وأعثاق النخيل والقصب والبردي
لكننا جئنا بلا حظوظٍ في مواطن الأعراب القحاح
يأكلوننا من أربعمائة وألف عام كثمر الطلع
ومازالوا يستثمرون على أطرافٍ عاريةٍ فوق الرمل
يشغلوننا في القتلِ
واللصوص منشغلون في حفر الأرض
وما يَعترفُ به الناس: الدم الأسود
يستلقي وسطَ البحرِ النيلي تنوحُ عليه الأساطيل
قرب أمةٍ تستعبد نفسها طوعا من طول زمن الخوف
تنام بانتظار بزوغ القمر

***
وخلف الأسوار تمطرُ السماء: هذا هو الصيف الماحل ينزلُ.. عند أسفل النافذة وكانت الأعشاب تنمو، خضرة يانعة، بهجةٌ حقا، تهبُ الروح نصيبا أخر. واكتشفتَ يا محاربٌ نادر، أن هناك موازينا أخرى من الفهم الديمقراطي.. يتحولُ فيها العدو بعيدا عن المناكدةِ، إلى صديق همهُ أن يصلحَّ أخطائه، ضمن روح العراق القديم. ضمن التسامح العظيم.. ضمن "سومر". فكأن هذا الفعل الإنساني الخطير يشغل بال العتاة، أحفاد جموع البدو؛ فقرروا أن يقتلوك، أن يمسوا جسدك، يطلقوا روحك، حرةً إلى الأبد. تشاركنا تبدل الساعات والنواح تحت رحمة الغسق. فلن يقلعوا الذاكرة، الملايين تنتظر، لن يقلعوا الصورة التي تشربها الماء، وجرت بها هناك بعيدا، أين النخيل والمُدن العتيدة، ينابيعُ المطر.
***

جلستُ أرقبُ خاتمة المساء
لا قلب ليّ ولا عقل فأنا في بهوت "كامل"
جسدي ينحلُ في عمق رائحة التراب
وتخفُ روحي من وطأة الألم
أحاولُ أن أغفر
فكل هؤلاء الخطاةْ بأرواحٍ متخشبة
سوف تلتهمهم الأرض
رأفة وغفرانا لأبعاد كيانهم الزائل
وفي الأفق البعيد
حيث يتصاعد اللهب كان قلبي
قلبُ فتىً عاشقٍ
تشبُ فيه النار
ويضيع في منفى السماء
رمادا قانيا
يغور في الامتزاج
السحيق الدائم

***
أنظرْ.. آهٍ أنظرْ
البلبلُ العراقي ينشد خلف أسوار الشوك هناك في اكتظاظ خضرة النخيل وسدرة المنتهى
يُسمعُ غناءهُ مُهجَا قد نَسيتْ
أن هناك قادمٌ ثانٍ.. سيأتي.. ويأتي بعده أيضا..
سيقفُ مليا والليل يتغلغل في ثنايا الثياب
يستمعُ الغناء الهيمان الصادح كيف سيطوي القفار
متعجبا من هذهِ الأجساد المريرة والرماد
يتأملُ في اتساع خياله:
أن تغير العالم احتمال قائم
وعرائش الربيع تصطف راقصات حفلٍ مهيب
يتنعمن فوق الشرفات بمرور الهواء
ووقوف الأحبة تشعُ في أقداحهم ينابيع الضياء


[...]

في يوم ما
سأجدك يا روحي الهائمة
تبكين على الأزهار
وتدفنين الأقدام عميقا
في تربةٍ مُهملةْ

الرياح تمر
الشمسُ في مواقفها
لا غيوم
لا قطرة ماء


[...]

وبكينا
من عنف الذكرى
أرخينا الأضلاع لمقدمها
بقايا الدرب
وبقايا الحنين


خاتمة الليل
خاتمة النيلي

على ألوان
الماء
نكتب الكلمة


مقتل السومري

أنطرحتُ، ظهرا، على أرضية المرسم الخشبية؛ تحتي سجادة شرقية. تمتمتُ مع نفسي: الشمسُ هنا، نستمتعُ قليلا، فالغيوم في انتظار دائم. عند انقضاء الصيف للخريف مواعيده مع الشجر، والغيوم التي تسرح عبر سماء مدينة "كَنت" البلجيكية. كان الدفء يتشرب كسلي. أقع في هدأة أفكاري كمحاولة إنقاذ من العبث المحزن، الذي إنقضَّ، دون مقاومتي، على كيانات الصباح والمساء. فأنا أشبه بكائن ملغي، يعيَّ وجوده، مع ضربة مطرقة على مقدمة الرأس.
أنا وحيد، عزلتي مقلقة.. لكن الهدوء الآن قربي. فرجعت بهدوء موحٍ، لذيذ، إلى الماضي السوي.. أيام بلاد سومر العظيمة حقا: أنتقل الإنسان من الوحشية كاملة إلى الحضارة. مفاجأة مذهلة، بدأت قبل ظهور الكتابة عام 3500 قبل الميلاد أو يزيد.
الإنسان السومري تنعمَّ: بوجوده، بإلهته، بزراعة الأرض ومراقبة السماء. كانت "الوركاء"، أحد المدن، المتحضرة، تواريخها تعود إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد. وفي كل الجنوب أكثر من عشرة مدن قائمة، أخرى. دامت حضارة الاكتشافات في جنوب العراق من الألف السادس إلى 2200 قبل الميلاد، وظهور الدولة "الأكدية".
كان السومري، وهو مستغرق في اكتشافاته، متسامحا، وقَبلَّ بالأقوام الأخرى. لكن الوحشية كامنة في كل الأقوام حولهم.. ومع هذه الأقوام الغازية ضاعت "سومر" تحت الرمل والتراب.
وضاع معهم فجر الإنسانية، وتغير "الهوموسابي"، الذي كان يبحث عن الحروب والدماء.
صديقي "كامل شياع"، شهيد التحضر، أصلا من "الناصرية" قريبا من مدينة "الوركاء" العظيمة.. في داخله يحمل "الجين" القديم، "جين" حب الاكتشاف والتأمل.. "جين" الحضارة.
«علينا أن نشكر المنفى.. لأنه أعادنا إلى الذات»، قلت هذه الجملة في الحفل الأول للثقافة العراقية. كان "كامل" حاضرا في هذا التجمع، هادئا، يتطلع إلينا بتأمل. حدث ذلك في برلين عام 1991.. ثم أكملتُ: «الشخصية العراقية ممزقة منذ زمن "هولاكو"، وحرقه، وتدميره لأهالي بغداد، كتبهم ومدينتهم؛ فالمنفى أعادنا إلى الشخصية العراقية". أستتب الصمت، لحظات قليلة، ثم تعالى اللغط، كان الانزعاج ظاهرا.. خصوصا والحديث يجيء من فنان تشكيلي، مُختلف. فطلب منهم الفنان "علي عساف": رجاءا أتركوه يكمل كلمته، له الحق في الكلام.. يا أخوان: ديمقراطية!»
آه، أنه الأخر، جنوبي من بلاد "سومر". الموروث "الجيني" يستيقظ.. الحرية في الغرب.. منحته فرصة كما يقال: من ذهب. وهذا أيضا ما حمله "كامل" معه حين رجع، وتجذر انبعاثه هناك في داخل العراق المدمى. والذي كاد أن يختفي شعبه مرة أخرى. فعبث الجنون ما زال مستشريا في بداية القرن الواحد والعشرين، والضحية، ضحية الطغاة والفاشستيين لم تأخذ حقها بعد.. ما زالت تنتظر.. وتنتظر.
السومري سيبعث ثانية.. مثلما أكتشفه الغرب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
السومري مع تقدم المعرفة.. اكتشفته العقول المتحررة. هناك حضارة، بداية الحضارة البشرية، بداية الكتابة، فأخذ الكثيرون وما زالوا يحاولون التلفيق، والحط من هذه الاكتشافات العظيمة.. ما زال العراقي مخيفا، العراقي المتحضر، شوكة في الخاصرة.. خاصرة المتوحشين.
وتعود الرسل تحت الرايات، يبشرون بالزمان، يبشرون بالإنسان وأمجاده ضد الوحشية، ضد البهيمية.. المتغطرسة، أيضا.
إنه حلم
ربما.. دُفعَ ثمنه: حَدثَ.. صار واقعا.
سيبقى السومري القتيل حاضرا.. والضحية.
وسيكون، دوما، هناك شخص ثان، دوما شخص ثان، ولقد نسوا ذلك.
ولن يلغى كيان التاريخ والقِدم:
كيان العراقي الفريد:
كيانٌ آدميٌ متحضرٌ..
وهذا كل شيء.

Love what we
Search all those nights
So be near I will
Walk with you

 

نداء

تعالوا أيها القتلة
أنظروا كيف نموت، نعم نحن من البشر الفانين.. أيضا
تعالوا أجلسوا قليلا.. أهدءوا.. ألا ترون الحياة تذهب؟
وفي هذا البعد الكوني السحيق، تختزل الحياة
إلى زمن كلمحة الضوء الخاطف.. ألا ترون؟
تعالوا اجلسوا.. صوت
صوت يتعالى
انه عزف البيانو "لآريك ساتي"، باسم "كنوصن"
تَرن تنن تَرن تنن تَرن تنن
تَرن تنن تَرن تنن
تَرن
تَرن
تَرن