| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 



الاقتصاد السياسي لأزمة الغذاء العالمية الراهنة
محاولة في فهم الجذور

د. صالح ياسر

- 2 -

الأسباب والجذور وتنوع المقاربات
من خلال قراءة المعطيات السابقة، وغيرها أيضا، يمكن القول ان الأزمة الغذائية العالمية الراهنة تعد أزمة عميقة وخطيرة بكل المقاييس، وان بلورة الشروط والإجراءات المطلوبة للتقليل من آثارها ومن ثم محاولات تجاوزها تتطلب أولا وقبل كل شيء إنتاج معرفة عميقة وصادقة عنها، أي تفسيرها تفسيرا علميا معللا بتحديد أسبابها الفعلية وجذورها الحقيقية. وبداية، لا بد من الإشارة هنا الى أنه لن يكون ممكناً تفسير هذه الأزمة، من خلال استخدام المقولات والمفاهيم والنظريات التقليدية ، ذلك لأنها تركز على مظاهر تلك الأزمة وأشكال تجلياتها وتهمل، بالمقابل، جوهر المشكلة أي العلاقات الناظمة للنسق الرأسمالي العالمي حيث التطور اللامتكافئ وعلاقات الهيمنة/ التبعية هي التي أنتجت تلك الأزمة، وغيرها من الأزمات العالمية. إن إنتاج معرفة علمية صادقة عن تطور المشكلة الغذائية وانفجارها في أزمة وتأصيلها يستلزم النظر إليها في إطار سيرورات تراكم رأس المال في العالم الرأسمالي وما يعانيه من أزمات دورية وهيكلية بين حين وآخر.

إن التحليل الصحيح والمثمر للازمة الغذائية الراهنة ومقاربتها بشكل صحيح – كما هو الأمر بالنسبة لأي ظاهرة ملموسة أخرى – لا يمكن أن يكون إلاّ ملموساً، أي تحديد المرحلة التي يمر بها النظام الرأسمالي في صيرورته، أي ضرورة الكشف عن خصوصية أزمة الرأسمالية المعاصرة المشتعلة منذ أوائل السبعينات من القرن العشرين. وبالمقابل فإن الكشف عن خصوصية الأزمة الغذائية العالمية يستدعي ضرورة تأصيلها وتحديد أسبابها بشكل منهجي صحيح.

ورغم الاتفاق على وجود أزمة غذائية يمرُّ بها الاقتصاد العالمي راهنا إلاّ أن الخاصية المميزة في هذا المجال هي الاختلاف الجذري في تفسير أسبابها وتحديد الحقل الذي تندلع فيه ضمن عملية إعادة الرأسمالية، ولهذا نلاحظ تنوع المقاربات.


مقاربتان للازمة الغذائية العالمية الراهنة
مهما تنوعت المداخل والمقاربات لهذه المشكلة فانه يمكن حصرها في مقاربتين رئيسيتين.

المقاربة الأولى: رهانات على النتائج وتجنب البحث عن الأسباب
تنشغل هذه المقاربة بالتطورات الحاصلة في طور التبادل وأساساً مجال التداول (السلع والنقود) معتبرة ان الأزمة الغذائية الراهنة ناجمة مثلا عن اختلال التناسب بين العرض والطلب. غير ان هذه المقاربة تهمل الطور الأساسي – طور الإنتاج – وما يعتمل فيه من عمليات وتناقضات ناجمة عن أشكال الملكية الاستغلالية رغم أن العلاقة الإنتاجية في هذا الطور، هي العلاقة الأساسية، الأولية، التي تقرر بقية العلاقات في الأطوار التالية، والتي تعتبر علاقات مشتقة من العلاقة الأساسية. ولهذا يمكن القول أن العلاقات النقدية وبالرغم من كونها أداة من أدوات السيطرة في الاقتصادات السلعية الرأسمالية، فهي ليست في النهاية سوى انعكاس لما يتم في هيكل الإنتاج، وفي مجال العلاقات بين القوى المنتجة أثناء العملية الإنتاجية.

ولهذا نرى ان هذه المقاربة تنشغل بالعوامل والأسباب التالية عند تحديدها لجذور الأزمة الغذائية العالمية:

السبب الأول والمتمثل بالعلاقة بين الطلب المتزايد في الأسواق العالمية نتيجة النمو الاقتصادي المتصاعد في الدول النامية، وبين تغير العادات الغذائية التي باتت أكثر اعتماداً على اللحوم والفواكه والخضار، ثم توسع المدن وتكاثر سكانها. فمثلا أدى ظهور العديد من الطبقات الوسطى الجديدة في البلدان النامية مثل الصين و الهند، الى تطورات في العادات الغذائية (الزيادة في نسبة الأكل) لا سيما الزيادة في استهلاك اللحوم والمنتجات الغذائية المصنعة. وهذه المقاربة تشير الى ما يسمى بـ " زحف الصينيين " وإلى جانبهم المواطنون في الاقتصاديات الناشئة الذين بدأوا يأكلون على الطريقة الغربية وباتوا أكثر إقبالاً على أكل اللحوم ! بل والأكثر من ذلك يؤكد مؤيدو هذه المقاربة على ان الارتفاع في الطلب على الغذاء، يأتي معظمه من جانب الطبقات الوسطى المتنامية في كل من الهند والصين وما يماثلهما من البلدان. ومع الإقرار بالنمو الجاري في هذه البلدان وما يرتبط به من تطورات في العادات الغذائية وتغيير في سلم أولويات الحاجات، فان هذا الاستنتاج غير دقيق ولا تدعمه الإحصائيات الفعلية. بل والاهم في ذلك انه ناجم عن مقاربة إيديولوجية للمشكلة الغذائية تريد تحميل هذه البلدان أعباء الأزمة وليس البلدان الرأسمالية المتقدمة واحتكاراتها العابرة القومية.
وللتدليل على ملاحظتنا هذه لا بد من معاينة الأمور عن كثب معتمدين على المعطيات الإحصائية المتوفرة.
فعلى سبيل المثال ارتفعت تبادلات المنتجات الزراعية الصينية بمقدار 4 مليار دولار وسطياً بين العامين 2000 و2006، منها 4.947 مليار دولار في العام 2006، في حين شهد العام 2004 عجزاً بمقدار 306 مليون دولار. وقد كانت الصين بصورة خاصة مصدّرة صافية للحبوب، باستثناء العام 2004.
أما بالنسبة للهند فكانت مصدّرةً صافية للمنتجات الغذائية بمبلغ 3.4 مليار دولار وسطياً من العام 2000 إلى العام 2006، منها 4.3 مليار دولار في العامين 2005 و2006. مثّلت صادرات الحبوب الصافية وسطياً 1.337 مليار دولار، أي 31 % من المجموع في تلك الفترة، لكنها انخفضت بمقدار 500 مليون دولار في العام 2006، وذلك بصورة خاصة لأنّ الهند استوردت 6 مليون طن من القمح في حين كانت مصدّرةً صافية لـ2.3 مليون طن بين العامين 2000 و2005. كما استوردت 2 مليون طن في العام 2007 وربما يكون لديها فائض في العام 2008. لكنّ الهند تصدّر بصورة خاصة الرز (4.7 مليون طن في العام 2006) وقليلاً من الذرة (0.6 مليون طن في العام 2006). في العام 2006، اختفى عجز التبادلات في البذور الزيتية تقريباً (1.3 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار في العام 2003)، ذلك أنّ الهند التي تستورد كمية كبيرة من زيت الصويا وزيت النخيل، تصدّر زيت الفستق السوداني وزيت الخروع. كما أنّ الهند مصدّرة صافية للحوم ومشتقات الحليب. وإجمالا بقي فائض الميزان التجاري الزراعي على حاله في العام 2007-2008.

السبب الثاني للأزمة، بحسب هذه المقاربة، ويرتبط بهذه الصيغة أو تلك بالسبب الأول، ونعني به العامل الديمغرافي. ترى هذه المقاربة ان عدد سكان العالم ما زال في نمو مضطرد، وسوف يتجاوز تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050، وهذا يعني، ان هناك حاجة لجهد كبير لإطعام الأفواه الجائعة على كوكب موارده استنزفت بشكل خطير وبلا حدود! وواقع الحال ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في ان السكان على الصعيد العالمي يتنامى بوتيرة أعلى من وتيرة الإنتاج الزراعي العالمي، بل ان هذه المشكلة تقع في جانب آخر هو التوزيع اللامتساوي وغير العادل لهذا الإنتاج نتيجة لهيمنة علاقات الإنتاج الاستغلالية على الصعيد العالمي، التي تتهرب هذه المقاربة من طرحها على جدول أعمال التفكير والمساءلة عند البحث عن الأسباب الحقيقية. ويمكن القول ان هذه المقاربة تعد مقاربة مالثوسية متشائمة لا تشغل نفسها بالغوص في جوهر المشكلة وطرح إشكالية علاقات الإنتاج السائدة على الصعيد العالمي وطبيعتها، بل تركز جهدها على النتائج وتهمل الأسباب، فهي إذن مقاربة إيديولوجية تستهدف التعتيم على الواقع وليس إنتاج معرفة صادقة عنه.

السبب الثالث هو العامل المناخي. هناك بالمقابل من يرتكن الى التفسير المناخي للازمة الذي ينظر الى أزمة الغذاء بكونها ناجمة عن التغيرات المناخية ودرجات الحرارة المرتفعة في أوروبا، والفيضانات والأعاصير وموجات الصقيع في عدة مناطق، والطقس السيئ وتقلباته في البلدان المنتجة للغذاء عبر مختلف القارات ، وخاصة في أمريكا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين اللذين يعتبران من أكبر مخازن إنتاج الأغذية في العالم)، بالإضافة إلى إفريقيا وآسيا وأوكرانيا وأستراليا التي تعتبر ثاني أكبر مُصدر للقمح في العالم. ومع الإقرار بحدوث بعض التغيرات المناخية وجديتها وتداعياتها فان نقطة مقتل هذه المقاربة هو إصرارها على تحميل الطبيعة المسؤولية وإهمال الحديث عن دور البشر (وأي بشر) في هذا الجانب، أي الرهان على النتيجة دون السبب. فهناك من لا يكلف نفسه طرح السؤال عن الأسباب الحقيقية للتغيرات المناخية وفي مقدمة ذلك الانبعاث الحراري وما تركه من آثار ومن المسؤول عنه. وبالطبع لا يمكن نفي العلاقة القائمة بين الجفاف الذي يضرب البلدان المنتجة للمواد الغذائية والتغيرات المناخية، ولكن لا بد من التساؤل عن المسؤولية الفعلية في هذا الإطار. وهنا تنطرح مسؤولية مجموعة من الدول والحكومات وفي مقدمتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الصناعية المتطورة التي وقفت، على سبيل المثال لا الحصر، في طريق الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. هذا وكانت قضية الاحتباس الحراري محور نقاش ساخن في " قمة الثماني " (تموز 2008) والدول الناشئة الخمس، حيث اعتبرت الدول الثمانية الأكثر تلويثا للبيئة فهي مسؤولة عن أكثر من ٦٠% من الانبعاثات الضارة.
لقد اشتكت الدول الناشئة من أن الدول الغنية لم تبد التزاما كافيا بتقليص " ما بين ٨٠ إلى ٩٥ في المائة " من الانبعاثات، قبل أن تعلن هي بدورها أهدافا محددة في إطار الاتفاق المرتقب بإشراف الأمم المتحدة في العام 2009.

السبب الرابع، بحسب هذه المقاربة، فان أزمة الغذاء العالمية ناجمة عن " أدوات الضبط " المستخدمة، وان حل تلك الأزمة يكمن في إزالة هذه الأدوات. وهذا التفسير عادة ما نراه سائدا في تحليلات ومقاربات المؤسسات الدولية، التي تنشغل في العادة بمظاهر الأشياء وتتجنب الغوص في عمق المشكلات. فمثلا في خطابه أمام قمة الغذاء العالمية الأخيرة ذهب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى القول إنّ " أحد أسباب تفاقم الأزمة الغذائية هو أدوات الضبط " التي تضعها الدول وتحول دون وصول السلع الغذائية إلى الأسواق الداخلية بأسعار معقولة. المشكلة، إذن، عند السيد الأمين العام تكمن في " أدوات الضبط " أي أنها مشكلة آليات ضبط تضعها الدول. ولكن إذا دفعنا هذه المقاربة الى نهايتها المنطقية أمكننا الاستنتاج بان السيد كي مون نصير لا يجارى لفكرة " تحرير التجارة " وهذه أطروحة يروج لها الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. لكن السيد الأمين العام يغفل هنا حقيقة أنّ " إلغاء الضوابط "، والجنوح نحو رسملة معمّقة هو ما فاقم الأزمة في الأصل لأنّ هذا الإلغاء كان بمثابة تفويض منح الشركات المتعددة الجنسيات مزيداً من الاستغلال سعياً وراء الربح، وبالتالي فان ما يدعو إليه كي مون هو "توسيع نطاق التفويض " لمزيد من الاستغلال على الصعيد العالمي وليس إزالة هذا الاستغلال أو على الأقل التخفيف منه. وعندما يجري الحديث عن " تحرير المبادلات التجارية " فالمقصود هنا – بحسب هذه المقاربة – تحرير التجارة الخارجية للبلدان المختلفة، أي التخلي عن أي دعم لمنتجات هذه البلدان. وهنا يتم الإهمال عمدا لفكرة بسيطة ومهمة في ان واحد وفحواها أنّ أي طرح حول " التحرير " في البلدان النامية لا بد أن يقابله موضوع السياسات الحمائية للمزارعين في الدول الأوروبية والأميركية. إذ كيف تُطالب البلدان النامية التي يسكنها ثلاثة أرباع سكان العالم بفتح أسواقها أمام السلع الزراعية المدعومة من طرف البلدان المتطورة لمنافسة سلعها المحلية " غير المدعومة "، ولا يمكنها الدخول إلى أسواق تلك الدول لأنّها ببساطة غير قادرة على المنافسة، فلا يكفي أنّها تتضوّر جوعاً بل عليها أن تستمر في " الاستهلاك ".

يتمثل السبب الخامس لارتفاع أسعار المواد الغذائية وما اقترن به من أزمة في هذا المجال في انخفاض الاحتياطي العالمي من المواد الغذائية وفي مقدمتها الحبوب. فبعد أن وصل إلى الذروة في عام 2004، انخفض الإنتاج بنسبة 1% و2 % في عامي 2005 و2006. أما إنتاج الدول الثمانية الرئيسية المصدرة للحبوب، والتي توفر ما يقرب من نصف حجم الإنتاج العالمي، فهي كذلك انخفضت بنسبة 4% و7% خلال الفترة نفسها. كما انخفض هذا الاحتياطي بنسبة 11% في 2007 نتيجة الاستهلاك السريع وهو ما أدى بالعديد من الدول المنتجة كالهند وكازاخستان ومصر إلى إقرار قوانين تمنع التصدير مسببة بذلك تفاقماً للأزمة. الشعور المتزايد بالثقة المبالغ فيها أحياناً لدى الحكومات وتجار الحبوب الذين كانوا في السابق يحتفظون بمخزون كاف من الحبوب تحسباً للسنوات العجاف عندما يكون المحصول ضعيفاً. لكن وبمرور السنين بدأ مخزون هذه الدول من الحبوب يتناقص لاعتقادهم أن نقص المحصول يمكن تعويضه باللجوء إلى الاستيراد من الدول الأخرى الأكثر إنتاجاً. والنتيجة أن العديد من دول العالم أصبحت عرضة لأزمات غذائية حادة بنفس الطريقة التي باتت فيها الأسواق المالية معرضة لصدمات مدمرة. ومع أهمية المعطيات الإحصائية إلا أنها تضل موضع تساؤل عندما تجري الإشارة الى انه في الوقت الذي تعاني عشرات الدول من أزمة غذائية، يلاحظ ان شركة " كارغيل " العملاقة لإنتاج الحبوب ادخرت 86 % زيادة في محاصيلها الزراعية مما يعني ان المشكلة لا تكمن في الإنتاج بحد ذاته بل باليات توزيعه على المستوى العالمي والذي تتحكم به الاحتكارات العابرة القومية والشركات المتعدية الجنسية.

السبب السادس - بحسب هذه المقاربة - هو ارتفاع كلفة البذور والمنشطات مما يؤدي الى ارتفاع تكاليف إنتاج المنتجات الزراعية والغذائية عموما وبالتالي ارتفاع أسعارها. ولكن هذه المقاربة تتناسى حقيقة ان هذه البذور والمنشطات تنتج في البلدان الرأسمالية المتطورة وهي محتكرة من قبل الشركات الزراعية متعددة الجنسية كـ (مونسانتو) و(داو كيمكالز) والتي تتركز القوة في يدها وتتحكم في الأسعار نتيجة لقوانين الملكية الفكرية.

السبب السابع هو ارتفاع أسعار النفط، حيث بعض المقاربات ترى انه لعب دورا كبيرا في أزمة الغذاء الحالية بعدما أصبحت أساليب الزراعة الحديثة والمعاصرة أكثر اعتماداً على الطاقة لإنتاج الأسمدة الكيماوية وارتفاع كلفة المواد البتروكيماوية الداخلة في عملية الزراعة كالأسمدة والتي ارتفعت بحوالي 70%، وتشغيل آلات الحرث والحصاد، فضلاً عن وسائل نقل المحصول. ومع تجاوز سعر برميل النفط المائة دولار تحولت تكلفة الطاقة المرتفعة إلى أحد أهم الأسباب التي تدفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع. ولابد من الإشارة إلى هنا الى ان بعض المحللين يرى أن أسعار النفط المرتفعة لها علاقة كبيرة بالنمو الاقتصادي الذي تشهده الاقتصاديات الناشئة في العالم وفي مقدمتها الصين والهند والبرازيل. فقد دخلت هذه القوى الصاعدة سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر في منافسة محمومة مع باقي العالم على الموارد الطبيعية النادرة أصلاً، بما فيها النفط والأراضي الزراعية، وهو ما يدفع في النهاية أسعار المواد الخام من جميع الأنواع إلى الارتفاع بوتائر عالية. ولكن هذه المقاربة تثير جملة من علامات الاستفهام كونها تهمل جانبين مهمين هما:
- إنها تتجنب ربط ارتفاع أسعار النفط بما يعاني منه الدولار الأمريكي حيث هو العملة التي تحدد بها أسعار البترول. فبسبب التكاليف الباهظة للحرب في العراق، التي قدرها أحد العلماء الأمريكيين الحاصلين على جائزة نوبل إلى ثلاثة تريليون دولار (ثلاثة آلاف مليار دولار)، وهو ما أدى في احد مظاهره إلى انهيار الدولار، الذي احدث أزمة مالية واقتصادية عالمية نظراً إلى أن الدولار كان ومازال عملة التجارة الدولية الأولى في العالم، فضلاً عن أن تجارة النفط العالمية في معظمها تتم بالدولار الأمريكي. وبالنظر إلى الانهيار الكبير في سعر الدولار الذي هبط أمام اليورو بنسبة 40% خلال عام 2007 فقط، استفحلت أزمة الغذاء العالمية، مما دفع ثمنه الدول الفقيرة المعتمدة اقتصاديا على الدولار.
- المضاربات التي نشهدها في مجال عمليات بيع النفط في الأسواق العالمية. فمن المعروف أنّ النّفط بطبيعته سلعة سريعة التّقلّب، وهو ما يجعله شديد الجاذبيّة بالنّسبة إلى المضاربين الذين يمكنهم تحقيق أرباح طائلة من خلال المراهنة على تقلّبات الأسعار التي يمكن أن تتغيّر من يوم إلى آخر أو من ساعة إلى أخرى. وبالتّالي فإنّ أبسط حدث مثل الإعلان عن وقوع اضطرابات في أحد البلدان المصدّرة للنّفط أو أيّ تكهّنات بنموّ النّشاط الاقتصادي في منطقة ما سيكون عاملاً مساعداً على ارتفاع الأسعار . وقد أدّت المضاربات في أسواق النفط حسب تقدير بعض الخبراء إلى ارتفاع أسعار هذه المادّة بمبلغ تراوح بين 15 و20 دولار أمريكي سنة 2007 ، في حين تراوح ما بين 5 و 8 دولارات قبل ذلك التّاريخ . (2)
ومع حقيقة أن الأسباب والعوامل المسببة لأزمة الغذاء العالمية لا يمكن تحميلها لأحد، إلا أن الأمر في الواقع لا يخلو من مسؤولية تتحملها بعض الأطراف لا بد من الإشارة لها. فإذا كان الصعود الاقتصادي للصين وباقي الدول الناشئة يعد احد العوامل المفسرة لارتفاع أسعار النفط ومن ثم تأثيره على أسعار المواد الغذائية، فإن احتلال العراق في عام 2003- الذي تعهد المدافعون عنه بأنه سيخفض أسعار النفط – لم يؤد الى تحقيق هذه النتيجة.
 

12/8/ 2008

يتبع

(2) قارن : د. خالد قدور، أسعار البترول إلى أين؟ مداخلة ألقيت في اليوم الدراسي حول الأمن الطاقي في تونس - مجلس النواب - أفريل 2008.

¤ الجزء الأول

 

free web counter