| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 



الاقتصاد السياسي لأزمة الغذاء العالمية الراهنة
محاولة في فهم الجذور

د. صالح ياسر

- 1 -

مقدمة
تعاني البشرية منذ عقود من أزمةً اقتصاديةً واجتماعيةً عميقة، وتتخذ هذه الأزمة طابعا بنيويا حيث ترافقت مع اندلاع حروبٍ إقليمية وتفكيك مجتمعي، وفي بعض الحالات تدمير بلدانٍ برمتها وانهيار اقتصادات وطنية واستشراء للبطالة، انتشار مجاعاتٍ على المستوى المحلي وإقليمي. وكان من احد تجليات الأزمة هو ما يعانيه العالم خلال السنوات الأخيرة من مصاعب جديّة في مجال الغذاء حتى انفجر في أزمة الغذاء العالمية الراهنة مما تطلب اتخاذ إجراءات ملموسة للتعامل مع هذه الأزمة.
خلال الفترة من 3 – 5 يونيو/ حزيران 2008 انعقدت في العاصمة الإيطالية (روما) (قمة الأمن الغذائي العالمي) التي بادرت بعقدها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( الفاو)، لمناقشة أزمة الغذاء العالمية الراهنة. وتبرز أهمية هذه القمة في كونها انعقدت وهناك نحو850 مليون فرد يعانون من الجوع يعيش 820 مليونا منهم في البلدان النامية، كما أنها – أي القمة - واكبت الارتفاع الشديد في أسعار الأغذية والتحديات الإضافية التي تواجه تحقيق الأمن الغذائي العالمي. قد أشارت (الفاو) في تقاريرها الأخيرة إلى أنّ معدل ارتفاع أسعار السلع الغذائية بلغ 45% منذ صيف العام 2007 ، تضاف إليه نسبة ارتفاع بمعدل 37% في السنتين الماضيتين. وبالمقابل قدم البنك الدولي إحصاءات تفصيلية تشير الى أنه من المتوقع أن ترتفع أسعار بعض السلع في العام 2008 بنسبة إضافية تصل إلى 56% . (1)
ومع وجود قطاعات واسعة من سكان العالم تحت خطّ الفقر، حيث هناك أكثر من 2.5 مليار إنسان حول العالم يعيشون بأقل من دولارين في اليوم وينفقون ما بين 60 و80 % من دخلهم على الطعام ، فان كل ارتفاعٍ في أسعار السلع الغذائية يسبب دماراً إضافيا للبشر. وعلينا ان نتذكر خطورة العبارة التي قالها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر حين أشار في عام 1974 الى ما يلي: " تحكّم بالنفط تتحكّم بالأمم، تحكّم بالغذاء تتحكّم بالشعوب ". وأضاف، في نزعة مالثوسية مفرطة، قائلا إنّ " تكرار المجاعات قد يشكّل أداةً واقعية للحدّ من الزيادة السكانية ".
لقد استمرت القمة ثلاثة أيام شارك فيها أكثر من 40 من زعماء العالم وممثلون على مستوى رفيع من إجمالي أكثر من 150 دولة يبحثون دعوات عاجلة للتحرك بهدف الحد من ارتفاع الأسعار الذي يهدد بزيادة الذين يعانون من الجوع بمقدار مائة مليون شخص إضافة الى الأعداد المشار إليها سابقا. وقال الرئيس الإيطالي (جورجيو نابوليتانو) في افتتاح القمة المذكورة إن الرأي العام شهد سلسلة من الأحداث أثرت على الغذاء وتلتها زيادة سريعة وكبيرة في أسعار المواد الغذائية. وفي اليوم الثاني لأعمالها تم تسليم الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) عريضة تحمل توقيع أكثر من 300 ألف شخص عن طريق شبكة الإنترنت نظمتها جماعة حقوقية (أفاز دوت اورج)، يقولون فيها انه ليس هناك وقت يمكن تضييعه. وداعين في الوقت نفسه الى اتخاذ إجراء عادل للتصدي لأزمة الغذاء العالمية للحيلولة دون حدوث مجاعة وإزالة الحوافز لتحويل الغذاء إلى وقود حيوي والسيطرة على المضاربات المالية.
وبالمقابل فقد شهدت مداولات (قمة الأمن الغذائي العالمي) مواجهات حول الاستراتيجيات التي يُفترض إتباعها للخروج من أزمة الغذاء في العالم، التي تهدد ما يقارب المليار شخص تقريبا، غالبيتهم في البلدان النامية وفي مقدمتها قارة أفريقيا. وتنوعت مطالب المشاركين في القمة، فهناك من طالب الدول الغنية المساهمة في إحداث " ثورة خضراء " في قطاع الزراعة في أفريقيا، في حين طالب آخرون الدول النامية إنتاج المزيد لإطعام مئات الملايين من الذين يواجهون الجوع. ومن جهتها حثت الأمم المتحدة القمة على المساعدة في وقف المجاعة التي تهدد نحو مليار نسمة بخفض الرسوم التجارية ورفع الحظر على الصادرات.
وأعلن مسؤولون في الأمم المتحدة عن رصد حوالي ثلاثة مليارات دولار أميركي من أجل خطة الطوارئ الخاصة بالمساعدة على التخفيف من أزمة الغذاء العالمية، فيما حدّد الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، الفاتورة العالمية" للتغلب على أزمة الغذاء تقدر بما بين 15 و20 مليار دولار سنويا وان إمدادات الغذاء ينبغي ان ترتفع بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030 لتلبية الطلب المتزايد ".
وما يمكن ان يستخلصه المرء عند تقيمه لمؤتمر " أزمة الغذاء "، الذي نظّمته منظمة (الفاو) في روما ، وكان من المفترض أن يضمن لثلاثة أرباع البشرية " حقّها في الغذاء "، هو تحوله إلى مؤتمر " للدول المانحة " قُدّمت خلاله «مسكّنات» ماليّة، ليظهر في النهاية عدم قدرة منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمؤسسات المالية والنقدية عموما على التصدّي للمشاكل الدولية التي خلّفتها الرأسمالية المعولمة. فحل أزمة الغذاء حلا جذريا لن يتحقق على ما يبدو إلا خلال طرح النظام الاقتصادي العالمي الراهن على جدول أعمال التغيير بما في ذلك تغيير السياسات وعموم النظام العالمي للتجارة.

الأزمة: بنيوية أم عابرة ؟ بعض السمات المميزة
في مسعى الإجابة على هذا السؤال يمكن القول، بداية، إنّ أزمة الغذاء الحالية تمثل أكبر تهديد راهن ومحتمل لاستقرار المجتمع الدولي، فقد طالت هذه الأزمة الجزء الأعظم من شعوب وبلدان العالم بدرجات متفاوتة، علما أنها تمثل القسم الظاهر من جبل الجليد الذي يخفي أزمات حادة متفجرة، أو على طريق الانفجار وقد يترتب عليها تغيير جوهري في الدول النامية، قد تمتد تأثيراته السلبية لتصيب بشكل مباشر حتى الدول المتطورة. وقد وصفت(جوزيت شيران) المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي – هذه الأزمة بأنها "تسونامي صامت".

بعض السمات المميزة للازمة
وبعيدا عن العموميات، يمكن القول ان ثمة العديد من السمات المميزة لأزمة الغذاء العالمية الراهنة التي توضح عمقها ومخاطرها وما تتركه من تحديات أيضا.

- السمة الأولى: حدّة الأزمة. تشير الكثير من الدلائل على ان الأزمة حادة بكل المقاييس، ويتجلى احد مظاهرها في الارتفاع غير المسبوق لأسعار المواد الغذائية. ويكفى أن نقول ان متوسط أسعار الغذاء قد ارتفع خلال الشهور الأربعة الأولى من عام 2008 بمقدار 35% وهو رقم كبير بكل المقاييس. وحسب إحصاءات البنك الدولي فقد ارتفعت أسعار القمح بمعدل 120% خلال السنة الماضية (2007) فقط علما أنها ارتفعت أيضا بمعدل 181% خلال السنوات الثلاثة السابقة حتى وصل سعره الآن إلى أعلى مستوى له منذ 28 عاما، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمة الحالية. أما أسعار الأرز والبن، فهي في ارتفاع مستمر منذ قرابة عشر سنوات، ويسجلان أعلى الأرقام في الأسواق العالمية، في حين ان الذرة وفول الصويا يتم تداولهما بأسعار أعلى بكثير من متوسط الأسعار المسجلة خلال العقد السابق. وسجلت بعض الأسعار أعلى مستوياتها خلال 30 عاما بعد حساب عامل التضخم مما قاد لاحتجاجات وأعمال شغب في بعض الدول النامية حيث ينفق السكان أكثر من نصف دخلهم على الغذاء.

- السمة الثانية: انخفاض كبير في المخزون العالمي من الحبوب والذي وصل لما يكفى 8 أسابيع فقط وهو ما يبرز حدّة الأزمة. وقد صرح وزير الزراعة الامريكى (أد شيفر) ان مخزون القمح في أمريكا، البلد المنتج والمصدر الأول للقمح في العالم، هو الآن في أدنى مستوى له منذ 60 عاما. والأمر المثير للانتباه ما أشارت إليه رئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية (هنرييتا فور) إنها لا تتوقع ان ترى انخفاضا في أسعار الأغذية في أي وقت قريب. والاستنتاج من هذا القول بسيط ومثير أيضا: أننا إزاء أزمة ليست طارئة وإنما هيكلية.

- السمة الثالثة: تبدو سريالية هذه اللوحة المعقدة وتناقضاتها حينما تجري الإشارة الى ان الدول الغنية تنفق مليارات الدولارات على الدعم الزراعي واستهلاك زائد للغذاء أو إهدار له وعلى الأسلحة فيما تعاني مئات الملايين من فقر مدقع ومجاعة حقيقية. فهذا (جاك ضيوف) المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO) صرّح أثناء القمة التي نظمتها المنظمة المذكورة أن "... تكلفة الاستهلاك الزائد ممن يعانون من السمنة في العالم 20 مليار دولار سنويا وينبغي ان يضاف إليها تكلفة غير مباشرة 100 مليار دولار بسبب الوفيات المبكرة والأمراض المتصلة بها ".

- السمة الرابعة: والتي تبرز عمق الأزمة الغذائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية كذلك، وتتمثل في حقيقة بعدها العالمي وإنها تندلع ويوجد اليوم حول العالم مئات الملايين ممن يعيشون على أقل من 1 دولار يومياً وهو ما يعد أقصى خط للفقر حيث يصبح بقاء الإنسان محل تساؤل. وفي تصريح إعلامي لـ (جان زيغلر)، المقرر الخاص للأمم المتحدة، أوضح فيه أنه قبل ارتفاع الأسعار كان يموت طفل تحت عشر سنوات كل خمس ثوان، كما يموت يومياً حول العالم 25.000 إنسان بسبب الجوع. وحسب تقديرات البنك الدولي ووكالات المعونة ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO) فان ارتفاع أسعار الغذاء قد يرفع عدد من يكابدون الجوع بواقع 100 مليون بالإضافة الى 850 مليونا يعانون من سوء التغذية بشكل خطير. وشدد زيغلر على الخطر الذي يتهدد " الدول الفقيرة " والمحتاجة ذات الكثافة السكانية العالية، إذا لم يكن هناك تدخل سريع للقوى والمنظمات الدولية المؤثرة، معتبرا أن ما يحدث كارثة ومجزرة معلنة، فالأسر في الدول الغربية تخصص من 10 إلى 20% من ميزانيتها للغذاء، في حين تخصص الأسر في " الدول الفقيرة " من 60 إلى 90% من ميزانيتها للغذاء. ويعني ذلك انه بالنسبة للبلدان النامية فإن أي زيادة تصل إلى 20% وتطال المواد الغذائية، ستؤدي إلى انضمام مائة مليون شخص إلى صفوف الفئات الأكثر فقرا في العالم. ولم تطل الأزمة البلدان النامية فقط بل شملت أيضا حتى الولايات المتحدة، إذ ان الزيادة المطردة في أسعار المواد الغذائية أثرت بصورة سلبية على القوة الشرائية للفقراء داخل أميركا، كما أن بنوك الغذاء ومراكز توزيع الطعام على الفقراء نبهت إلى تراجع مخزونها من الغذاء في وقت شهدت ارتفاعاً في عدد المستفيدين من خدماتها وصل إلى 20%. ومنذ السنة المالية 2007 ارتفع عدد المسجلين في قوائم الإعانات الغذائية في الولايات المتحدة إلى 1.3 مليون، وهو الرقم الأعلى في التاريخ الأميركي.

- السمة الخامسة: العواقب السياسية – الاجتماعية للازمة. رغم أهمية وخطورة المعطيات السابقة التي حاولنا من خلالها إبراز عمق هذه الأزمة إلا ان الجانب الأخطر فيها يكمن في عواقبها السياسية – الاجتماعية الراهنة والمحتملة. فإذا عرّفنا الأزمة بأنها " عاصفة منظفة " حسب (ماركس) فانه يمكن القول ان هناك أكثر من ثلاثين دولة في العالم معرضة لهزات اجتماعية وأمنية نتيجة لنقص الغذاء وارتفاع أسعاره وهى الدول التي تنفق على الغذاء من 50-75% من دخلها. الجديد ان كل من يتحدث عن أزمة الغذاء العالمية الراهنة يقدم تايلاند وهاييتي والكاميرون وإندونيسيا وبنغلاديش وهاييتى ومصر وبوركينا فاسو والكاميرون وبوليفيا وبيرو والمكسيك والفيليبين وباكستان وأوزباكستان وتايلاند واليمن وإثيوبيا، وفي غالبية بلدان إفريقيا جنوبي الصحراء كنماذج " معاصرة " لعمق الأزمة الغذائية العالمية وما تطرحه من تحديات ومخاطر. ففي بنغلادش مثلا تضاعف سعر الرز في هذا البلد خلال العام الماضي (2007)، مهدداً العاملين الذين لا يتجاوز أجرهم الشهري (2.5) دولاراً أمريكياً بالجوع مما أدى الى اندفاع 20 ألفاً من عمال النسيج (أواخر نيسان 2008) إلى الشوارع للاحتجاج ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمطالبة بزيادة الأجور. كما اندلعت تظاهرات وإضرابات واشتباكات في مناطق وبلدان أخرى. فعلى سبيل المثال فإن الجيش التايلندي بدأ يحرس حقول الأرز من السرقة، ويعتبرها مصدرا حيويا كالذهب والماس ! أما في هايتي فقد حاول الغاضبون اقتحام قصر الرئاسة وسقط قتلى من جراء ذلك، واضطر البرلمان الى سحب الثقة من رئيس الوزراء وبالتالي سقوط الحكومة، كما تم تسجيل وقوع قتلى في الكاميرون وإحراق مباني حكومية في بوركينا فاسو. وفي ساحل العاج، زحف الآلاف من المتظاهرين على منزل رئيس الجمهورية وهم يهتفون: " نحن جياع " و" المعيشة غالية جداً، ستقتلوننا ". أما في مصر التي يبلغ تعداد سكانها ما يقارب الـ 80 مليون نسمة فقد أصبح منظر طوابير الخبز مشهدا مألوفا عند تغطية الأزمة الغذائية في هذا البلد، كما نشرت الصحف المصرية أخبارا تشير الى مقتل عددٍ من المصريين وهم يتصارعون على الخبز في طوابير لا تنتهي. ويكفى ما حدث في 6 ابريل/نيسان 2008 والذي كان من الممكن ان ينحرف الى أعمال فوضى وتخريب ونهب وسلب تجتاح البلاد كلها، ولا ينسى منظر الغاضبون في (المحلة) وهم يسقطون صورة ضخمة لرئيس الجمهورية في مشهد موضوع على (اليو تيوب) يذكّر الناس بما حدث في ساحة الفردوس ببغداد عندما أطاحت الجماهير في عام 2003 بتمثال صدام حسين. وهناك الجديد الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي وهو هذا التحول في الفقراء في العالم من الأرياف الى المدن، ونشأت " مدن جديدة " بشكل عشوائي تمثل أحزمة للفقر حول المدن الكبرى في معظم دول العالم تقريبا، وهذه الأحزمة البائسة تمثل " قنابل اجتماعية موقوتة " مهددة للأمن الاجتماعي في حالة اندلاع أزمات حادة. العالم، إذن، أمام تداعيات سياسية محتملة متعلقة بالمجاعة وأمام صراعات وموجات عدم استقرار إقليمية قد لا يمكن السيطرة عليها تجسد كلها خيبة أمل الناس وخصوصا الفقراء منهم في " النظام العالمي الراهن " الذي يتسم باللاعدالة واللامساواة متمثلا بسيطرة 20% من سكان الكرة الأرضية على أكثر من 80% من المصادر الغذائية والحياتية.

- السمة السادسة: وتتمثل في حقيقة أن أول من سيعاني من هذه الأزمة الخانقة، هم أشد الناس فقرا وممن يعيش أغلبهم في البلدان النامية. وهؤلاء السكان، الذين يعانون من انخفاض المداخيل وتدنيها، يشترون أكثر فأكثر وبتكلفة باهظة الموارد الغذائية المختلفة، وأن أعمال الشغب التي جرت الإشارة إليها في الفقرة السابقة هي تعبير عن ما تعانيه القطاعات الواسعة من سكان تلك البلدان من صعوبات وما يثيره ذلك من مخاوف عدم الاستقرار السياسي، الذي لن يؤدي في الغالب إلا إلى تفاقم الوضع.

- السمة السابعة: الأزمة ليست مفاجئة ولا بنت لحظتها كما يروج البعض، بل هي لحظة اختتام التناقضات المتفاقمة التي كانت تعتمل في القطاع الزراعي على المستوى العالمي منذ وقت طويل. حتى نضع الأمور في إطارها الصحيح لا بد من التذكير هنا بأن أزمة عام 2008 تمثل إحدى تجليات الأزمة التي يعاني منها " النظام العالمي الراهن " . وهنا لا بد من العودة الى التاريخ فهو خير شاهد. ففي خلال قمة 2002 لـ (الفاو)، راجع زعماء العالم التقدّم الذي حصل في خفض نسبة الجوع في العالم إلى النصف عام 2015 حسبما أقرّته قمة 1996 (إعلان روما)، ودعوا إلى إنشاء " تحالف دولي ضدّ الجوع ". لكنها كانت قمة " مخيّبة للآمال "، ولم تسجّل تقدّماً في مجال مكافحة الجوع وسوء التغذية الذي يطول ثلاثة أرباع البشرية. وفي يوم الغذاء العالمي عام 2003، عمل هذا التحالف على صياغة خطة عمل لإبرام شراكة بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية. وفي عام 2004، أصدرت (الفاو) تقريراً تحت عنوان " التقنية البيولوجية للزراعة: للتجاوب مع احتياجات الفقراء ". وادّعى التقرير أنّ " التقنية البيولوجية للزراعة هي أداة قوية في محاربة الجوع "، إلاّ أنّ أكثر من 650 منظمة حول العالم، وقّعت في حينه رسالة مفتوحة ترى أنّ (الفاو) " نكست التزاماتها مع المجتمع المدني والمنظمات الفلاحية ". وأشارت إلى أنّ المنظمات التي تمثل مصالح المزارعين لم تُستشر، وأنّ (الفاو) تقف إلى جانب صناعة " البيو تكنولوجي "، وأثارت في رسالتها تساؤلات جدّية " عن استقلالية منظمة الأمم المتحدة ونزاهتها ". ردّت (الفاو) على ذلك مؤكدة على ان القرار المتعلّق بالتقنية البيولوجية يجب أن يُتخّذ " على المستوى الدولي "، بمعنىً آخر استبعاد المنظمات غير الحكومية! واعترفت بأنّ " أبحاث البيولوجيا التقنية تحتكرها في العالم 10 شركات عبر وطنية "، وأنّ " القطاع الخاص سيحمي نتائجها ببراءات اختراعات من أجل تحقيق الكسب من الاستثمار فيها ويركّز على المنتجات التي ليس لها علاقة بالغذاء في الدول النامية ". وما فعلته القمة الأخيرة (2008) هو أنها أعادت " التذكير بنتائج " قمتي 1996 و2002 حول ضرورة " تحقيق الأمن الغذائي " و" خفض عدد الذين يعانون الجوع إلى النصف بحلول عام 2015 "، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ضوء حقائق الوضع الراهن.
 

9/8/ 2008

يتبع

 (1) لمزيد من التفاصيل انظر موقع (الفاو) على الانترنيت   http://www.fao.org
 

free web counter