| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 7/2/ 2010

 

لقطات من حياة المناضل سامي عبد الجادر

خيرية الهلالي

أليس من حقنا أن نكتب عن شهدائنا الذين قدموا حياتهم من أجل قضية شعبهم ووطنهم ؟ أليس من حقنا أن نكرمهم ونضعهم في مكانهم الطبيعي كرموز لأبناء شعبنا العراقي وكذلك للأجيال القادمة.. أليس من حق كل شهيد أن يكون علما" عاليا" في سماء العرق ؟
هؤلاء الأبطال هم القناديل الذين أضاءوا سماء العراق وسيبقون أغنية خالدة للأجيال القادمة .. أنهم أبطال حقيقيون نذروا أنفسهم لشعبهم ولوطنهم ... كافحوا كفاحا" عنيدا" في زمن صعب في ظل أعتى الأنظمة قسوة .

إنها لقطات من حياة مناضل مندائي عراقي من أبناء هذا الوطن الذين دفعوا حياتهم ثمناً لحلم الديمقراطية والوطن السعيد الذي ينشده .... إنه المناضل سامي الشيخ عبد الشيخ جادر الشيخ صحن ( أبو عادل )

ولد سامي عبد الجادر في الناصرية / قضاء سوق الشيوخ في عام 1934 ، تلك المدينة الفقيرة وناسها الطيبين ، حيث العلاقات الأجتماعية المميزة ، والحياة البسيطة المتواضعة .
في تلك المدينة أكمل دراسته الأولية بجد وتفوق حتى دخوله معهد الصحة العالي في بغداد والذي تخرج منه عام 1954 ليتم تعينه في بداية الأمر في محافظة الناصرية / ( ناحية الغازية ) ، ولينتقل بعدها الى ( ناحية الفهود ) ثم الى قرى ( ألبو صالح ) وأخيرا" لقضاء الشطرة في عام 1958 ، ومن خلال إخلاصه وعمله المتفاني في تقديم الخدمات الطبية وعلاج أبناء المناطق التي عمل بها كسب حب وثقة أهالي المنطقة جميعا" واخذ ينشر بينهم الحس الوطني والأفكار التقدمية التي أمن بها .

ونتيجة لنشاطه السياسي بدأت الأجهزة الأمنية بملاحقته وتم نقل خدماته عام 1960 الى قضاء الرفاعي ومن ثم الى مدينة العمارة عام 1962 لتواصل هذه الأجهزة من مراقبته وملاحقتها له وتشديد الخناق عليه ، ورغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها لم يكف عن مواصلة البحث عن شريكة الحياة التي إرتبط بها في 18 / 8 / 1962 ولينقل بعد ذلك مرة أخرى الى البصرة ليعين في مستوصف الجباسي في ناحية شط العرب وهناك أعتقل بسبب نشاطه السياسي وأحيل الى المجلس العرفي العسكري الأول في نهاية تشرين الأول 1962 وصدر الحكم عليه بالحبس ستة أشهر مع وقف التنفيذ .
وعاد سامي الى عمله في مستوصف الجباسي حتى جاء الأنقلاب الفاشي في 8 شباط / 1963 حيث أصدر الحاكم العسكري العام المجرم رشيد مصلح بيانه رقم 13 والخاص بإبادة الشيوعيين ، حيث أنتشرت عصابات الحرس القومي في شوارع العراق وتعرض الآلاف من أبناء الشعب العراقي للأعتقال والقتل والتعذيب والتنكيل والسجون ، وكان للمندائيين نصيبا" من تلك الجرائم البشعة ولم تسلم بناتهم وأبنائهم من الأعتقالات وإستشهد العديد من المندائيين الأبطال ومنهم شنشل طعيس منصور الكلمشي . وبالتأكيد لم تسلم عائلة المناضل سامي من تلك العمليات الأجرامية فتم إلقاء القبض عليه وهو يواصل عمله الأنساني في معالجة المرضى في مستوصف الجباسي في ناحية شط العرب وتعرض داره للسلب والنهب ، وتفرق بقية الأخوة بعد مشاركتهم في المظاهرات المنددة بالأنقلاب مما عرض حياتهم للخطر فسافر أخوته وليد عبد الجادر وزوجة أخيه الى إيران وسافر أخيه الآخر خالد عبد الجادر الى الأقارب في بغداد بعيدا" عن الأنظار

تعرض سامي شأنه شأن المئات من المناضلين للتعذيب في دوائر الأمن في البصرة ، ثم نقل الى بغداد مع العديد من رفاقه ليواجه المحاكمة أمام المجلس العرفي وفي داخل قاعة المحكمة جرت مساومتهم من قبل الحاكم لشتم الحزب الشيوعي العراقي وإعطاء البراءة من الحزب لتخفيف الحكم عنهم ، لكن سامي ورفاقة رفضوا بإباء الأنصياع لطلبه وبدلا" من ذلك صدحت حناجرهم في قاعة المحكمة بنشيد وطن حر وشعب سعيد والهتافات التي تطالب الموت للقتلة المجرمين ، عندها إنهال عليهم الحرس بالضرب بكل الوسائل بعدها أصدر الحاكم قراره بالحكم على سامي ورفاقه بعشر سنوات سجن لكل منهم .

ونال المناضل سامي مثل الآخرين قسطه من الضرب والتعذيب والجروح العميقة بالرأس والكتف واليد ونقل مع رفاقه في قطار الموت الى نقرة السلمان السئ الصيت وكان جروحه لا تزال تنزف ، ومن تلك الساعات بدأ يحس بألم شديد في القلب ومن ضيق التنفس وألم في الظهر ، وتكررت هذه الحالة مرات عديدة في سجن نقرة السلمان مما أجبر السلطات على نقله الى مستشفى الحلة العسكري للعلاج . وفي زيارة لزوجته أم عادل له عام 1965 وهو في العناية المركزة في المستشفى كان ليس كعادته ، كان شاحب الوجه ، ضعيف البنية يشعر بالتعب والأنهاك وهو مستلقيا"على السرير يحيط به الحراس من كل جانب ، في ذلك اللقاء سادت لغة الدموع بين الطرفين بدل لغة الحديث بعد فراق طويل وهو يحضن ولده عادل وكأنه في حلم وأخذ يخاطب زوجته أم عادل .... ها هي الزوجة الوفية المناضلة عادت سالمة من رحلة الموت ، وها هو ولدي عادل بالأحضان وكأنني في حلم لا أود ان أفيق منه ، أن ما أصابنا من عذاب لم يكن بمعزل عما أصاب بقية الرفاق والشعب العراقي ككل ، فهناك الكثير من الرفاق الأبطال يقبعون بين جدران نقرة السلمان بعيدين عن عوائلهم وليس لهم أنيس بين تلك الجدران سوى عواء الذئاب والظلمة القاتلة والتي يزيد من قساوتها السجانين ومعاملتهم اللاأنسانية لنا ، وهنا معي في المستشفى المناضل نعيم بدوي وسنكون في ردهة واحدة حال خروجي من العناية المركزة وسيكون عونا" لي وسوف يسد عليّ الفراغ فأطمأني ولا تقلقي .

مرت الأيام وكانت حالة أبو عادل في تدهور مستمر نتيجة تكرار الذبحة الصدرية التي لازمته مما أدى الى نقله من جديد الى مستشفى الشعب في باب المعظم ، لكن حالته الصحية إستمرت بالتدهور وليس هناك أمل في التحسن مما ساعد على أطلاق سراحه من السجن لأسباب صحية بعد نكبة الخامس من حزيران / 1967 وبعد مرور أربع سنوات قضاها في السجن .
غادر أبو عادل المستشفى وهو في وضع صحي سيئ ليرى بيته قد نهب وليبدأ حياته من جديد للحفاظ على أولاده الصغار وتعويضهم الحنان الذي فقدوه لسنوات ، كان همه الوحيد هو العلاج لتحسين وضعه الصحي وأن يتجاوز النوبات القلبية التي تنتابه بين الحين والآخر ليعوض عائلته الآلام والحرمان الذي عانت منه .
وفي أخر مرة دخل المستشفى كان يصارع الموت لكنه يتشبث بالحياة ، وفي غرفة الأنعاش وبحضور زوجته وبعض المقربين من العائلة أحس بضيق شديد تلاه توقف القلب الكبير وغادرنا أبو عادل بهدوء في
31 / 5 / 1975 ، لقد توقف قلبه ولكن لم ولن يتوقف عطاءه ، فعطاؤه ينبوع النضال الذي لا يجف ، وعطاؤه فكره الثوري الذي حمله معه في كل سنين حِله وترحاله مهما إختلفت منازله بين السجون والتشرد والحرمان الذي عانى منه هذا المناضل الذي واكب الحركة الوطنية منذ صباه وتحمل من جراء ذلك مآسي ووحشة السجون وهو لما يزل شابآ يافعا" .

ترك أبو عادل زوجته حامل في الشهر التاسع وأكبر اولادها ( عادل ) كان بعمر 12 عاماً وهو في الصف السادس الابتدائي والاَخر ( باسل ) وهو في الصف الثاني الابتدائي و( سنان ) وكان بعمر ثلاث أعوام فهو الشديد التعلق بوالده لا يكف عن السؤال عنه صباح مساء يجري نحو الباب عند قرع الجرس آملا" بأن القادم هو والده الذي لم يهنأ بعيشه معه بعد......وبعد شهر من وداع أبا عادل وفي خضم المعاناة وضعت أم عادل طفلها ( فرقد ) الذي حرم من حنان الأب .
مع الايام سيظل المناضل أبو عادل مفخرة الأجيال ترفع رأسها به وبكل الخالدين ، وسيكون إسمه ممجدا"على الدوام وعلى إمتداد الوطن ، يغزو قلوب محبيه وكل من عرفه ، فيما يظل خياله يطارد القتلة والمجرمين .
ستعيش يا أبا عادل في قلوبنا نبضا" للوفاء
نبكيك لأنك الفسيح .... ولأني لا أرى سوى الضباب ... ولأنك تبقى عصيا" على الغياب
المجد للمناضل أبو عادل البطل
المجد والخلود لشهداء الشعب العراقي


ملاحظة
الصورة العليا للمناضل سامي في عام تخرجه عام 1954
الصورة الثانية وهو في مستشفى السجن في بغداد عام 1967


 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات