| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 4/1/ 2012

 

 النخب المتنفذة في العراق واعاقة البناء الديمقراطي الديمقراطي *

د. فاخر جاسم

في البداية تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية، ظاهرة تاريخية لا ترتبط بأيديولوجية محددة. فالديمقراطية بدأت عامة، أي يشترك فيها كل المواطنين، ثم أصبحت تمثلية، انتخاب مجموعة من النواب يمثلون عامة المواطنين، إلى أن وصل تطورها في الظروف المعاصرة، إلى التخلي عن مفهوم الأغلبية الحاكمة التي تقرر كل شئ بل تلجأ كثير من الدول الديمقراطية إلى الاستفتاءات الشعبية، للحصول على إجماع وطني عند الحاجة إلى اصدار قانون يتعلق بمصالح المجتمع. إن هذا التطور التاريخي يعني إن الديمقراطية لم تعتد تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل أصبح بعدها الاجتماعي، يحتل أهمية كبيرة في كفاح الشعوب من أجل الديمقراطية.

شهدت الفترة التي اعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، العديد من المظاهر التي أعاقت تطور البنية السياسية للمجتمع العراقي باتجاه ديمقراطي من أهمها:
ـ انهيار مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية، وما نتج عنها من عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي وانهيار الخدمات الأساسية.
ـ انتشار ظاهرة العنف بكافة أشكاله ونشوء المليشيات المسلحة.
ـ احتدام الصراع الطائفي ـ المذهبي والعرقي في المجتمع العراقي.
ـ سيطرة قوى الإسلام السياسي، على سلطة الدولة، عن طريق الشريعية الانتخابية.
ـ زيادة التدخل الخارجي، قوى الاحتلال والقوى الاقليمية، في الشأن الداخلي الوطني العراقي.

على ضوء المقدمات السابقة، نتاول بالتحليل الأسباب والنتائج والمخاطر التي ساهمت في عرقلة تطور الديمقراطية في العراق على ضوء تجربة النخب الحاكمة التي تولت السلطة بعد الاحتلال والتي أدت إلى حراك اجتماعي ـ سياسي، تشترك فيه فئات واسعة من السكان متضررة، بشكل مباشر، من سياسة النخب الحاكمة.
قبل البدء بتحليل الأسباب التي أدت إلى عرقلة التطور الديمقراطي في العراق بعد التغيير لا بد من الاشارة إلى العديد من القضايا الهامة منها :
الأولى، حرية النشاط السياسي والفكري وحرية الصحافة والاعلام، تمثلت بتكون عدد كبير من الأحزاب السياسية وحرية تعبيرها عن أهدافها السياسية والفكرية، وكذلك وجود كم هائل من الصحف والمجلات والقنوات الإذاعية والتلفزيونية.

والقضية الثانية، فشل نموذج الديمقراطية الامريكي في توفير الظروف المناسبة لاقامة مجتمع مدني ديمقراطي وهو الهدف الذي الذي كان يصبو إليه الشعب العراقي قبل التغيير (1).

والقضية الثالثة، إن الوعي الجماهيري، تجاوز محاولات النخب العراقية التي سيطرت على السلطة بعد اسقاط الدكتاتورية، التي تسعى إلى حرف الجماهير من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة ودولة القانون، عن طريق التحشيد الطائفي ـ العرقي.

القضية الرابعة، فشل النخب السياسية التي استحوذت على سلطة الدولة في طرح رؤية وطنية جامعة، قادرة على توحيد المجتمع العراقي لانهاء مخلفات الدكتاتورية والاحتلال الأجنبي.

القضية الخامسة، حركية واسعة في الاصطفافات السياسية والاجتماعية، حيث مازالت تحدث تتغيرات حادة في التحالفات السياسية بين النخب السياسية، الأمر الذي نتج عنه استمرار حالة الصراع السياسي الحاد بين النخب السياسية الحاكمة.

على أساس المعطيات المشار إليها نتناول الموضوع من خلال ثلاث محاور، سياسي وقانوني واقتصادي :
أولاً، المحور السياسي
أصبحت سياسة التفرد والاقصاء، السمة التي تميز أسلوب النخب الحاكمة في تعاملها مع أطراف البنية السياسية والفئات الاجتماعية التي لا تتفق مع نهجها الفكري والسياسي. وقد تجلى ذلك بالعديد من المظاهر منها :
1ـ العمل على اضعاف دورالأحزاب السياسية التي كان لها دورا مشهود في النضال ضد الحكم الاستبدادي السابق.
2ـ التضييق على الحريات العامة والفردية بالاستناد على قرارات النظام السابق.
3 ـ الحد من حرية النقد، من خلال اعتبار كل من ينتقد السلطة أو يمارس حقه بالتعبير عن احتجاجه من خلال التظاهر، معادي للعملية السياسية (2).
4ـ التضييق على تكافأ الفرص بين المواطنين ، في تولى المناصب المهمة في الدولة ، بحيث حرمت الدولة من خدمات كفاءات علمية وأكاديمية وإدارية كثيرة في حين تم اغراق مؤسسات الدولة بالعناصر المحسوبة على التكتلات الطائفية والقومية، والتي لا تتوفر لها الخبرة العملية والكفاءة المهنية. وكان من نتائج هذه السياسة اصابة أغلب مؤسسات الدولة بالشلل وضعف اداءها الوظيفي ، مما أدى إلى ارهاق المواطن عند تعامله مع مؤسسات الدولة وبالتالي زيادة الفجوة بينه وبين هذه المؤسسات.
ـ تنامي الفساد في جهاز الدولة الإداري، وما نتج عنه من عودة لمشاعر الاحباط واليأس لدى أغلبية فئات المجتمع ، خاصة فئات الشباب التي وجدت نفسها عاطلة عن العمل في ظل ظروف تشهد استحواذ النخب الحاكمة على المال العام وانتشار مظاهر الفساد الإداري والمالي على نطاق واسع دون اجراءات ملموسة لمكافحة آفة الفساد.
ـ تأسيس الاجهزة الأمنية والقوات المسلحة على أساس المحاصصة الطائفية القومية والمناطقية والعشائرية، وليس على أساس الهوية الوطنية التي تقوم على المساواة والمهنية والكفاءة مما أضعف شعور الولاء للوطن. إن هذا التوجه في بناء الأجهزة الأمنية تم بدعم ومشاركة من قوى الاحتلال.
ـ استغلال المشاعر الطائفية والمذهبية والقومية والعشائرية في الصراع السياسي ، أدى إلى شل أجهزة الدولة وعدم قدرتها على أداء مهامها الوظيفية وفق المعايير المهنية ـ الإدارية، مما ادى إلى فشل أجهزة الدولة في تقديم الخدمات الضرورية التي تمس حياة المواطن اليومية.
ـ تعطيل الحياة الثقافية للمجتمع، بسبب عقلية النخب الحاكمة ونظرتها للانتاج الثقافي، اضافة إلى عدم الاستقرار الامني والارهاب، مما أدى إلى شل الحياة الثقافية بكافة أنواعها لمدة ثمان سنوات، والتضييق على المؤسسات الثقافية ومنعها من القيام بالنشاطات الثقافية الفنية والمسرحية والسينمائية.
ـ نتيجة لتعثر السلطة في توفير الاستقرار الأمني، لجأت إلى الاعتماد على المؤسسة العشائرية واعطاءها دورا أمنياً وسياسيا، يكون مؤثراً في العملية السياسية، خاصة في فترات الانتخابات.
إن أحياء العشائرية أدى إلى تهميش دور الأحزاب، خاصة الحاكمة منها، التي تحولت إلى أحزاب بعيدة عن قاعدتها الاجتماعية، تعتمد على النخب القيادية في وجودها وامتداد علاقاتها بالمجتمع، فأصبح الفرد هو رمز الحزب وليس برنامجه السياسي ـ الاجتماعي.
ـ تعثر قضية المصالحة الوطنية، التي بقيت ترواح في مكانها نتيجة تحكم العقلية الثأرية ـ الانتقامية لدى النخب المتنفذة في العملية السياسية، الأمر الذي سمح بالاستغلال السياسي لهذه القضية في الصراعات الانتخابية بين الكتل السياسية الكبيرة (3). إن عدم توفر رؤية واضحة لدى النخب الحاكمة عن المصالحة الوطنية، خلق تشوش وقلق لدى المواطنين تجاه هذه القضية الهامة والمؤثرة على الاسقرارالسياسي والاجتماعي.

ثانياً، المحور القانوني
يشكل الجانب القانوني، أحد أهم المفاصل في بناء دولة عصرية تقوم على أسس ديمقراطية. وتزداد أهمية البناء القانوني للدولة في العراق بالارتباط مع بقاء التركة الثقيلة للدكتاتورية، التي كيفت البنية القانونية للدولة لتخدم طبيعة نظامها الاستبدادي. ولذلك أصبحت الحاجة ماسة للقيام باصلاح قانوني لبنية الدولة بعد اسقاط الدكتاتورية. ونتيجة التأخر في انجاز هذه المهمة مازالت قوانين مجلس قيادة الثورة المنحل هي التي تسير أغلب مؤسسات الدولة.

إن الفشل في تأسيس بنية قانونية تتناسب ومتطلبات النظام الديمقراطي، يتبين من خلال المعطيات التالية:
ـ عدم اجراء التعديلات الدستورية الضرورية التي تؤسس للجانب القانوني لتطور النظام الديمقراطي ومنع الارتداد عنه، حيث مازال الدستور العراقي الجديد يعاني من ثغرات جدية.
ـ عدم اصدار قوانين مهمة تنظم العمل السياسي والاجتماعي والمهني، كقانون الاحزاب وقانون التجمع والتظاهر وقانون ضمان الحريات الفكرية والسياسية، وقانون الصحافة وحرية الاعلام، وقانون المنظمات الاجتماعية كنقابات العمال والنقابات المهنية.
ـ تأخر انجاز قانون المحكمة الاتحادية وكذلك عدم تشكيل المحكمة الدستورية، نتج عنهما السماح بالاستغلال السياسي لبعض قرارات المحكمة الاتحادية (4).
ـ تشريع قانون لا ديمقراطي للانتخابات، أدى تطبيقه بالواقع إلى استمرار المحاصصة الطائفية والقومية، وبنفس الوقت يمنع وصول قوى جديدة للهيئات التشريعية من خارج التكتلات الطائفيةـ القومية. إن هذا القانون يتناقض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في اختيار ممثليه بحرية للمجالس التشريعية والمحلية في المحافظات (5).
ـ سيادة الأعراف العشائرية حيث أصبحت هي التي تحكم العلاقة بين المواطنين وحل المنازعات بين أفراد المجتمع بدلاً من القانون المدني. لقد كان لهذا التوجه نتائج خطيرة، تتمثل في اضعاف هيبة الدولة بين المواطنين، وما ينتج عنها من فقدان ثقة المواطن بقدرة الدولة على توفير الحماية الشخصية والاجتماعية له، الامر الذي يساهم في تفتيت الوعي الوطني وتشضية إلى ولاءات فرعية.

اجمالا، وبسبب عدم وضوح الفصل بين السلطات الثلاث، بعد التغيير، وهي الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، فقد فشل النظام القضائي ليس أن يكون رقيبا ومحاسباً، بل أنه لم يستطع أن يحاسب كبار مرتكبي الفساد المالي والإداري.

ثالثاً، المحور الاقتصادي
ـ اعاقة اعادة الحياة للدورة الاقتصادية للمجتمع، من خلال عدم الاهتمام باعادة اعمار المؤوسسات الصناعية الكبيرة التي كلفت المجتمع العراقي مليارات الدولات. وكان من نتائج هذه السياسة توقف عدد كبيرمن المشاريع الصناعية عن العمل وانخفاض مستوى انتاجية العاملة منها إلى أدنى من مستوياته قبل التغيير.
ـ فشل محاولات الخصصة للمشاريع الصناعية والزراعية والتجارية، على أسس تخدم التطور الاقتصادي المستقل للعراق.
ـ عرقلة مشاريع الاستثمار العربية والاجنبية في العراق نتيجة لانتشار الفساد المالي والإداري لدى المتنفذين في مؤسسات الدولة المختلفة.
ـ صراعات النخب السياسية الحاكم، عرقلت اصدار قانون النفط، وهو قانون حيوي ومهم لاعادة إعمار الاقتصاد العراقي، الأمر الذي سمح للحكومة العراقية، عقد اتفاقيات استثمارية لتطوير الحقول النفطية مع الشركات الأجنبية لا تسجيب بشكل كامل لمصالح العراق على المدى البعيد.
ـ نتيجة للعوامل السابقة، وتغطية لفشلها في إعادة الحياة للمؤسسات الاقتصادية الوطنية لجأت الحكومة العراقية في الفترة الأخيرة، إلى الاسراع بتشجيع الاستثمار الاجنبي في المشاريع الصناعية الوطنية، وفقاً لشروط غير متكافئة.
ـ نهب المال العام وانتشار مظاهر الفساد المالي بحيث أصبح العراق على رأس قائمة دول العالم التي تعاني من الفساد المالي والرشوة. وعلى الرغم من كشف الفساد المالي من الجهات ذات العلاقة، لجنة النزاهة المستقلة، إلا انه تم التستر على عدد من كبار المتهمين (6).

الديمقراطية الاجتماعية:
إن الديمقراطية لا تحتاج إلى بنية سياسية موحدة فقط ، بل بنية اجتماعية وطنية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تتطور في بنية اجتماعية مشتتة، تعمل مكوناتها من أجل تشبيت ذاتها بالتعارض مع المكونات الأخرى، فجوهر الديمقراطية السياسية يقوم على تعزيز أواصر الهوية الوطنية الواحدة لمكونات المجتمع.

من أجل تفكيك الفكرة السابقة، نشير إلى عوامل تفتيت البنية الاجتماعية في زمن السلطة الدكتاتورية السابقة ،كانت تعود بشكل أساسي إلى عاملين أساسين، الأول، يتعلق بمساعي السلطة الاستبدادية لتفتيت البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي كأحد الوسائل التي تسهل سيطرتها على مكونات البنية الاجتماعية وضبطها وتوجيهها بما يتناغم مع توجهات السلطة. إما العامل الثاني، فإنه يرجع إلى غياب الأمن الاجتماعي، ولجوء أفراد المجتمع إلى الهويات الفرعية (الطائفية ـ المذهبية والعشائرية والقومية) من أجل الحصول على الحماية.

إن عوامل تفتيت البنية الاجتماعية في مرحلة ما بعد التغيير، تعود إلى أسباب مختلفة من أهمها، بناء سلطة الدولة على أسس المحاصصة الطائفية ـ المذهبية القومية، ومساعي النخب السياسية الحاكمة تشجيع اعادة تشكيل البنية الاجتماعية على شكل بؤر اجتماعية مغلقة على ذاتها ـ طائفية ـ عشائرية ـ من أجل أن تحافظ هذه النخب على موقعها في السلطة واعادة انتاج نفسها، عن طريق استغلال آلية الديمقراطية التي جرى تقنينها وفق ضوابط قانونية، كما أشرنا سابقاً.

إن النظام الاجتماعي الذي بدأ يتشكل في ظل الممارسة السياسية ـ الاجتماعية لسلطة المحاصصة أدى إلى استمرار حالة التفكك السياسي والتمزق الاجتماعي، وعرقلة تكون هوية وطنية، وهي الأساس لوحدة النسيج الاجتماعي. ولهذا السبب نلاحظ استمرار حالة عدم الشعور بالأمن والاطمئنان لدى أغلب فئات المجتمع على الرغم من مرور ثمان سنوات على التغيير.

وبناء على ذلك، شكل فقدان العدالة الاجتماعية، أحد الأسباب الرئيسية، لحالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي التي عاشها المجتمع العراقي خلال النصف الثاني من القرن الماضي. وهنا تكمن خطورة السياسة الاقتصادية للسلطة التي اعقبت التغيير عندما خضت لوصفات المؤسسات المالية الدولية التي الزمت الحكومة العراقية على انتهاج سياسة الليبرالية الجديدة في المجال الاقتصادي. ولاجل توضيح مخاطر على هذه السياسة نشير إلى الملاحظات التالية :
أولاً: إن المجتمع العراقي خلال العقود الأخيرة لم يكن يعاني فقط من الاستبداد السياسي، بل كان يعاني من غياب العدالة الاجتماعية التي نتج عنها زيادة الحرمان الاجتماعي وبالتالي انقسام إالمجتمع العراقي إلى فئة غنية قليلة تتمتع بثمار الثروة الوطنية وأغلبية فقيرة محرومة من المستلزمات الأساسية التي يمكن لثروات البلاد أن توفرها لها.

ثانياً، إن تجارب الشعوب، والعربية بشكل خاص منها، التي طبقت سياسة الليبرالية ، أشارت إلى تزايد حالات الفقر على نطاق واسع في المجتمعات ونهب الثروات الوطنية من قبل النخب الوطنية الحاكمة وشركائها الخارجيين، ويدل الحراك الاجتماعي الذي تشهده هذه البلدان، في الظروف الراهنة، على رفض هذه الشعوب لسياسة الليبرالية الجديدة في المجال السياسي والاجتماعي.

ثالثا، إن التطبيق العملي لهذه السياسة في العراق خلال الفترة التي أعقبت التغيير، أثبت فشلها ليس في اعادة الحياة للدورة الاقتصادية، بل فشلت كذلك في تقديم مستوى معقول من الخدمات الضرورية بكافة أنواعها، بالاضافة إلى انها أدت إلى انتشار الفساد المالي والإداري على نظاق واسع في أجهزة الدولة.

رابعاً، إن حالة الاقتصاد العراقي الذي انهكه الحروب وتكاليفها الباهضة، تستلزم سياسة اقتصادية وطنية تسنتد على الاستفادة من كافة الموارد الوطنية الاقتصادية والبشرية وتوظيف المساعدات الدولية لصالح بناء اقتصاد وطني مستقل، يوفر الأرضية المناسبة للاستقرارالاجتماعي ويجعل المواطن العراقي يساهم بفعالية في اعادة بناء الاقتصاد بناءً على شعوره بان اعادة توزيع ثروات بلده تتم بعدالة ومساواة.

تكثيفاً، لم تكن الديمقراطية السياسية هدفا وحيدا لنضال القوى الاجتماعية من أجل التغيير والتقدم الاجتماعي، على الرغم من أنها " أي الديمقراطية السياسية" تشكل أحد السمات الهامة لأي نظام ديمقراطي في العصر الحديث، وبناء على ذلك، يحتاج تطور النظام السياسي نحو الديقراطية، إلى مستلزمات حياة اجتماعية كريمة، تسمح للمواطنين بالتمتع بالحقوق السياسية التي توفرت بعد إزالة النظام الاستبدادي. ويحتل هذا الجانب أهمية كبيرة، حيث مازالت فئات كثيرة من الشعب العراقي تعيش تحت مستوى حد الفقر، حسب التقارير الرسمية العراقية (7). وبناء على ذلك يعتبر تحقيق العدالة الاجتماعية أحد الركائز المهمة لقيام واستقرار أي نظام ديمقراطي حقيقي.

وأخيرا، لا بد من الاشارة إلى أن تضحيات الشعب العراقي وكفاحة من أجل الحرية والديمقراطية لم تكن من أجل " ديمقراطية مزيفة" تتمتع فيها نخبة قليلة بكل خيرات الوطن وثروته، بينما تحرم أغلبية الشعب من التمتع بهذه الخيرات.

الخلاصة والاستنتاجات:
1ـ إن الممارسة الديمقراطية للنخب التي استحوذت على سلطة الدولة بمساعدة قوى الاحتلال والشرعية الانتخابية لم تستطع قيادة الدولة بما يؤدي إلى تلبية حاجات المجتمع العراقي.
2 ـ إن النخب السياسية المتنفذة لم تقنع أغلبية فئات الشعب بأنها تعمل من أجل خدمة المجتمع، بل زاد احساس الناس بأن هذه النخب تعمل من أجل تلبية مصالحها الذاتية في المقام الأول (8).
3ـ تزايد احساس المواطنين، بان برامج أحزاب النخب المسيطرة على العملية السياسية وضعت من أجل الدعاية الانتخابية، لأنها لم تجد طريقها إلى التطبيق بعد الفوز في الانتخابات.
4 ـ أدى الاستخدام المتزايد للدين والمشاعر الدينية لدى المواطنين في الصراعات السياسية بين النخب الحاكمة، بالإضافة إلى لجوء هذه النخب إلى توظيف العشائرية والطائفية، إلى تشويه التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق.
5 ـ إن ضعف النخب السياسية في إدارة الجانب التشريعي بنحاج خلال الفترة التي أعقبت ازاحة النظام الاستبدادي، انتقل في الفترة الراهنة، إلى السلطة التنفيذية، حيث تشكلت الحكومة الجديدة ليس على أساس الكفاءة والمهنية، نتيجة الالتزام بنظام المحاصصة الطائفية ـ المذهبية والقومية (9).
6 ـ إن هشاشة الاستقرار الامني، بسبب بناء المؤسسات الامنية على أسس غير سليمة ( طائفية ـ مذهبية و قومية أو عشائرية ـ مناطقية )، يمكن أن يؤدي في ظروف الاحتقان الطائفي ـ السياسي وعدم الاستقرار الاجتماعي، إلى عودة المليشيات المسلحة والمجموعات الارهابية إلى النشاط العلني مرة أخرى، مما يؤدي إلى عرقلة مسار العملية السياسية واعاقة بناء نظام ديمقرطي حقيقي يوفر الفرص المتكافئة لتطور اجتماعي يتمع فيه المواطن العراقي بحقوقه السياسية والاجتماعية.

 

 الهوامش
* نشر المقال في مجلة الثقافة الجديدة العراقية العدد 343 ـ 344 / 2011
(1) تسعى الولايات المتحدة لتصدير نموذجها الديمقراطي إلى العراق وبطريقة مشابه لما طبقته في دول أمريكا اللاتنينة. لقد أدى تطبيق هذه التجربة في بلدان أمريكا اللاتينية،إلى افساد النخب سياسية ونشوء نخب " كوسموبولوتية" تتقاسم الهيمنة مع القوى الخارجية ، كما ادت إلى زيادة الفقر بين السكان وانتشار ظاهرة المنظمات الأرهابية والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات. وفي العراق نلاحظ ان الولآيات المتحدة تسعى لخلق نموذج الحزبين، أو كتلتين على شاكلة ما هو موجود لتقاسم السلطة في البداية والانتقال لاحقاً إلى نظام تبادل السلطة عن طريق الشريعة الانتخابية.
(2) وصف رئيس الوزاء العراقي، نوري المالكي، المواطنين الذي شاركوا في مظاهرات ساحة التحرير بأنهم من أتباع حزب البعث المنحل أو أنصار القاعدة.
(3) تم استبعاد بعض الشخصيات عن المشاركة في الانتخابات تحت ذريعة قانون اجتثاث البعث، ولكن تم اسناد، مناصب رسمية في الدولة، بعد الانتخابات، لنفس الاشخاص نتيجة لتشكيل الحكومة على أساس المحاصصة، فاصبح صالح المطلق، نائباً لرئيس الوزراء وأحمد الكربولي وزيرا للصناعة.
(4) صدر عن المحكمة الاتحادية تفسيرات تحمل الطابع السياسي، كما حدث في رأي المحكمة الاتحادية بخصوص تفسير الكتلة الأكبر الفائزة في الانتخابات، كذلك الرأي الخاص بارتباط الهيئات المستقلة بمجلس الوزراء. وكان من أغرب القرارات صدور قرار عن المحكمة الاتحادية بخصوص عدم شرعية اضافة الاصوات المتبقية للكتل الكبيرة ولكن بشرط عدم التأثير على توزيع عدد المقاعد على الائتلافات الفائزة، مع العلم أن عدد مقاعد التي حصلت عليها الكتل الفائزة تم بناء على اضافة الأصوات المتبقية لهذه الكتل.
(5) راجع مقالنا عن قانون الانتخابات الجديد المنشور بطريق الشعب في 23/12/2009.
(6) جرى تسييس هيئة النزاهة، مما أدى إلى عدم المتابعة القضائية لثلاث مسؤولين كبار اتهموا بتبذير المال العام والسرقة ( حازم الشعلان وزير دفاع سابق، وأيهم السامرائي وزير الكهرباء السابق، والسوداني وزير التجارة السابق. كذلك وبسبب التسييس تم تغيير رئيس لجنة النزاهة لاكثر من مرة، كما اضظر أحد رؤساء لجنة النزاهة السابقين (راضي الراضي) الهروب إلى خارج العراق، بسبب المضايقات التي تعرض لها.
(7) اشار احصاء وزارة التخطيط والتعاون الدولي العراقية المنشور في 19/4/2011 إلى أن حوالي 7.5 مليون مواطن عراقي ـ 23 بالمائة من السكان ـ يعيشون تحت مستوى حد الفقر. كما أن تقرير اليونسيف عن الحالة الصحية في العراق الذي صدر في آذار 2011 إلى حوالي 4 ملايين عراقي لا يتوفر لهم الماء الصحي.
(8) لقد تولد هذا الأحساس من خلال حصول اعضاء البرلمان العراقي في دورته السابقة على امتيازات، لم يحصل عليها أعضاء برلمان في أي دولة ديمقراطية في العالم.
(9) إن ضعف الكفاءة المهنية والاختصاص يلاحظ من خلال توسع غير مبرر للسلطة التنفيذية التي تكونت من 48 مسؤولاً ـ الوزارة 43 والرئاسة 5 ـ ويعتبر هذا العدد من أكبر السلطات التنفيذية في العال. كما أن ضعف الكفاءة المنهية والاختصاص، يلاحظ على طبيعة التشكلية الوزارية الاخيرة، فعلى سبيل المثال، أسندت وزارة المالية إلى طبيب، وزارة الثقافة إلى عسكري، وزارة الرياضة والشباب إلى مهندس، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى طبيب بيطري، وزارة النقل يحمل شهادة اعدادية، وزير التعليم العالي شهادة بكلوريوس.

 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات