| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 3/6/ 2012                                                                                                   

 

رثاء مناضل رحل بلا تأبين
كلمة لابد منها في رحيل المناضل ابو قيس

أبو حازم التورنجي
altorneji@yahoo.se

منذ بداية تشكيل الاحزاب السياسيه ،على أختلاف منابعها وتوجهاتها ، سواء كانت متحضرة او متخلفة ، تقدمية كانت ام رجعية ، وهي حريصه على ارساء تقليد حزبي يجمع بين المصداقية والتعريف بالعلاقة المتبادله للحزب وأعضاؤه، فلقد دأبت الاحزاب السياسية على تكريم قدامى أعضائها ، ورثاء وتأبين موتاها ، وتخليد من ضحى بحياته في مجرى كفاح ذلك الحزب ، بل ان بعض الاحزاب تنعي وترثي حتى البعض من اصدقائها وجماهيرها ، والامر يأخذ اتجاهين ، الاول ذو طابع دعائي للتعريف بالحزب وسياسته واهدافه ، وليس هذا موضع حديثي ، بل أن ما أود التأكيد عليه هنا ، هو الاتجاه الاخر ، أي المصداقية في شكل التكريم من استحضار مكانه وتضحيات من رحلوا ، كحقيقة بسيطة لا تحتاح الى رتوش ولا تزويق ، فهي ليست أعلان أو دعاية لبضاعة تجارية ، بل هي دالة نضالية تتقد بحياة مناضلين بشر كمنار للقادمين الجدد ، ومن اجل أحياء وديمومة العطاء والمثابرة على هدى من رحلوا ، ولكي لا ينقطع ويتلاشى ذكر من رحلوا بلا أثر .....

تحضرني هذه المقدمة وانا أطالع (بأسى عميق مقرون بتفهمي لما يدور ويجري) الصحف ومواقع الحزب الشيوعي العراقي ، فلا ارى شيئا من هذا القبيل في نعي ورثاء الرفيق أبو قيس (عبد الرؤوف حسين علوان ) , ولكي لا اكون مجافيا للحقيقة فقد أنحسر الامر واقتصر على نعي من منظمة روسيا الاتحادية ،ومنظمة مدينة السماوة ، حسبما قيل (أو لربما جرى الاكتفاء بنعي منظمة الانصار مشكوره على ذلك ) ، ومر الامر وكأن شيء لم يكن ، مع انني كنت قد استبشرت خيرا حين كتب الرفيق حسان عاكف بشكل شخصي في صحفات (الفيس بوك ) بضعة اسطر عن الراحل ابو قيس ، وقلت انها بادرة خير ، ربما سيبادر المكتب السياسي الى سطرين في هذا الاتجاة ، كي يقطع الطريق على ( المتربصين والمتصيدين في الماء العكر) كما يحلو للبعض ، ان ينعت أصحاب القناعة و الرأي الاخر ، في عثرات كهذه ، وكم كنت ولازلت اتمنى لو ان شكوكي وظنوني ليست في محلها ، بل هي مجرد تأويلات ناتجة عن قلة معرفة بالتفاصيل والمعطيات ، لما يجري من حقيقة التعامل مع مثل هذه الحالات و مع تلك الرموز البارزة التي تركت بصماتها في حقبة نضالية عصيبة من حياة الحزب الشيوعي العراقي بل ان تفاصيل حياة تلك الرموز ،هي بحد ذاتها تشكل جزءا لا يتجزأ من تاريخ الحزب وطبيعة الظروف النضالية التي كانت سائدة في حياتهم... ليس وهم أو تزمت عدمي ، بأن هنالك من يريد لتلك الرموز ان يغمرها النسيان ، طالما تراءت له ، بأن افكار واراء وقناعات تلك الرموز النضالية ، مزعجة لهذا البعض المتحكم والقابض على مفاصل الامور في الوقت الحاضر ، أو انها شيء من الماضي الذي يراد طي صفحاته ورموزه كما يخيل لي ، وفي كل الاحوال ، فأن هكذا أمر بل وهكذا تعامل ، يبعث كل الحزن والاسى ، في صدري وانا أقف مذهولا امام الصور القاسية لشكل التجاهل وعدم انصاف من أفنوا زهرات الشباب وحتى سنوات العمر الطويله وفي احلك الظروف مناضلين حقيقيين لقضايا الشعب والحزب ....

أبو قيس ، والذي لم أعرف أسمه (عبد الرؤوف حسين ) الا قريبا ، ليس اخي ولا قريبي ولا يجمعنا الانتماء العشائري او الطائفي أو المذهبي ، مثلما آل اليه الخراب في زمن الدكتاتورية الفاشية ومن ثم الاحتلال (أقرأها الانحطاط ) ، من صعود وتيرة وحدة التعصب والتزمت للولاءات الضيقة والانتماءات المقيته في أغلب جوانب الحياة الاجتماعية العراقية في السنوات الاخيرة ..... بل كان ابو قيس رفيقا شيوعيا عرفته في مجرى الحياة الحزبية النضالية في بلغاريا وكردستان ، تتجلى فيه صفات المناضل الثوري الورع الدمث والعميق ،كقامة باسقة لم تنحي أمام أقسى ظروف الملاحقة والارهاب منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي ، ولم يضعف امام المغريات في زمن الترهل السبعيني في ما سمي (الجبهة الوطنية) ، بل ترك وراءه كل شيء ، واغلى شيء ، من الاهل والعائلة ، الزوجة والوظيفة كمدرس ذو المكانة المرموقة والهيبة التي يقر بها حتى خصومه ، ليلتحق بركب الحزب في ظروف الاختفاء في بغداد ومن ثم الهجرة القسرية الى المنافي الاجباريه ، ككل المناضلين الذين غادروا العراق نهاية السبعينات ،وقد عز عليهم ، لكنهم حملوا معهم قضية الحزب والشعب حيثما رحلوا ، وليعود ثانية الى العراق مطلع الثمانينات ليلتحق بصفوف الانصار الشيوعيين في جبال وعموم كردستان العراق معبرا عن صدق الولاء والانتماء في النضال جنب شعبنا العراقي ضد الطغمة الدكتاتورية الفاشية للطاغية المقبور ، وبقي في كردستان ،حتى قيام النظام الدكتاتوري بحملات الانفال سيئة الصيت والتي استخدم خلالها اشد انواع االاسلحة فتكا ، بما فيها الاسلحة المحرمة دوليا من الاسلحة الكيمياوية كغاز الخردل وغاز الاعصاب ضد القوى الوطنية وعموم الشعب الكردي..... ، وليجد الرفيق الراحل ابا قيس نفسه مجبرا مضطرا للعودة الى المنفى الاجباري مرة أخرى على مضض .....عاد الى المنفى من جديد بداية التسعينات ، حيث كانت الاحداث الكبرى تلتهب وتتصاعد ، بدءا بحرب الخليج الثانية وانتهاءا بسقوط الاتحاد السوفييتي ، مروراً بفترة من الخيبات والاحباطات والانكسارات على الصعيد الحزبي واستفحال ظاهرة السلوكيات الحزبية الغريبة التي الحقت الكثير من الاذى والضرر بالعديد من الرفاق المناضلين ، و ليجد الرفيق الراحل ابا قيس نفسه في نهاية مطاف المنفى ، وسط دوامة من مرض منهك يستنزف طاقاته تدريجيا وليسلبه القدرة الانسانية السابقة التي تميز بها .

ولا أريد ان انتقص هنا ، من الجهود الطيبة للعديد من الرفاق الرائعين في موسكو ، و الذين بذلوا قصارى جهدهم ،وكل ما توفرت لديهم من امكانيات لمساعدة ابي قيس في محنته مع المرض ، رغم صعوبة ظروفهم وقلة الامكانيات ولكن كان المطلوب وقتها ، منتصف التسعينات ، من أصحاب القرار والمعنيين بأمره ، ان يتم تسهيل ترحيله الى احدى بلدان اللجوء كي يتسنى له الحصول على العناية الطبية المتطورة والرعاية الانسانية اللائقة ، والتي كان بأمس الحاجة اليها ، مثل الكثيرين ممن رحلوا الى بلدان اللجوء كي يحضى على الاقل في سنواته الاخيرة بشيء من الراحة بعد كل تلك المسيرة النضالية الطويلة الشائكة المستنزفة لقوى المناضل ، ولكن تأخر الوقت وضاعت الكثير من الفرص في امكانية سفره الى احدى بلدان اللجوء ، وليتدهور وضعه الصحي من سيء الى أسوأ ... وليغدو لاحقا من العسير علاجه .

رحل أبا قيس في مدينته السماوة المدينه التي احبها وأحب ناسها وأحبوه، رحل وهو يترك اسى ولوعة في القلوب لهذا الرحيل المبكر ،
رحل بهدوء ككل النوراس حين ترحل هادئه وقت الخريف
ومع رحيله تبقى ذكراه عطرة في الجوانح ، ونبقى نعيش مع الذكريات العديدة التي جمعتنا لتلك الايام والسنوات النضالية بحلوها ومرها فلك الذكر الطيب ولنا الاسى


• صباح يوم 18 حزيران توفي الرفيق ابو قيس في مستشفى مدينة السماوة التي عاد اليها بداية السنة الحالية من المنفى الاجباري في روسيا الاتحاديه


 

free web counter

 

أرشيف المقالات